في كلمة مؤثرة خاطب مانديلا الجموع المحتشدة من شعب جنوب افريقيا عن المخازي التي كانت ترتكبها حكومات الاقلية البيضاء وعن اقوال الشهود في محاولات ابادة السود في الماضي عن طريق عقاقير منع الحمل وعن طريق القتل الجماعي بالاسلحة الميكروبية والبيولوجية والكيميائية التي اشترك في صنعها علماء متخصصون من المانيا وامريكا وبريطانيا وكندا والتي اباحت حكومات اوروبا وامريكا تسليمها للحكام البيض وافتضح امرها . وقال في تأثر.. انا لا اكشف هذه المخازي رغبة مني في الانتقام او في الرد بالمثل وانما لاثارة كوامن الندم والتوبة عند الاطراف التي كانت تحركها العنصرية البغيضة لقتلنا وابادتنا. وقال.. نحن لا نرغب في تصفية حسابات وانما نرغب في تصفية نفوس.. نحن نريد أن نعلو على الآلام ونرتفع على الدنايا ونطوي هذه الصفحات السود لنبدأ عهدا اكثر انسانية واكثر طهرا. ونسي مانديلا وهو يطوي صفحات هذا الماضي الاليم.. ان هذا الماضي الاسود للعنصرية لم يمت ولم يندثر وانما مازال شاخصا في حاضرنا.. وان مذابح قتل الملايين في بوروندي وزائير كان وراءها عملاء تساندهم اياد فرنسية وامريكية تتنافس على ميراث القارة الذبيحة.. وان ما يجري الآن من حروب في جنوب السودان هي صليبية يمولها الغرب لتمزيق القارة واقتسام غنائمها.. وان الصهيونية التي تهدم بيوت الفلسطينيين في القدس الآن هي عنصرية اخرى يباشرها اليهود الذين يرفعون شعارات الجنس المختار ويباشرون القتل بأسلحة امريكية ومساندة امريكية لطرد العنصر الفلسطيني ومحو الطابع العربي من المنطقة. والترسانة الذرية والكيميائية والميكروبية التي اعدتها الايدي اليهودية الحاقدة تجثم الآن على انفاس العالم وتهدده بالخراب.. ومحاولة ابادة المسلمين في البوسنة وكوسوفو جرائم اليمة يتابعها كل قارىء للجرائد. العنصرية البغيضة ليست ماضيا وانما هي صيحة اليوم.. وهي شعار الساعة وجريمة اللحظة. وآثام العنصرية ليست ماضيا يدعو للندم والتوبة والتكفير وغسل الايدي.. وانما هي صيحة اليوم وجريمة اليوم التي تدعو الى التحقيق الفوري واعتقال الايدي الآثمة المتلبسة بالجرم.. فالدم يسيل والاطراف تبتر والبيوت تفجر والاجنة تقتل في الارحام.. والعالم يتفرج في برود.. والكبار يرشفون فناجين القهوة ويقرؤون الاخبار ويتثاءبون كأنهم يشهدون فيلما اجنبيا لا علاقة لهم به. اننا شهود مأساة دموية وحضور جريمة مروعة والكل مسؤول والكل محاسب. وامريكا تقف من وراء اسرائيل لتضمن لها تفوقا ومددا من السلاح اكبر من مجموع ما عند الدول العربية مجتمعة ثم تضيف لرصيد اسرائيل المدمر بقشيشا من القنابل الذرية والصواريخ حاملات الرؤوس النووية وترسانة كيميائية وترسانة ميكروبية وغواصات ومقاتلات.. ومساندة في الامم المتحدة.. وزخما اعلاميا يدافع عما تباشره من ظلم وانتهاك للعدالة واحتلال للقدس وتشريد للفلسطينيين. يحدث هذا علانية ودون حياء.. وتسمي امريكا ما تفعله بالنظام العالمي الجديد. وبوش يقود حرب الخليج ليستولى على البترول وليبخس سعره من ثلاثة وعشرين دولارا الى عشرة دولارات للبرميل. واين العراق.. اقوى دول المنطقة.. واين ما تبقى من جيشه..؟ إنه تحت القهر الامريكي. أطفاله يموتون من الجوع ولا تريد امريكا ان ترفع سيف القهر عنهم. ان المخازي التي يتكلم عنها مانديلا تحدث على اتساع العالم من افريقيا الى امريكا اللاتينية الى اندونيسيا وكوريا وماليزيا وبقية النمور الاسيوية التي حولوها الى قطط. اننا نعيش عصر الاستعمار الجديد المبرمج بالكمبيوتر وعصر الغزو الاقتصادي وعصر القهر النووي وعصر مباشرة الظلم من بعيد.. بالريموت كونترول.. فاذا انفجرت قنبلة هنا او هناك.. خرجت الابواق تولول بأنه الاسلام والارهاب الاسلامي وامتلأت صحف العالم كله بالادانة والاتهام للاسلام ولكل ما هو اسلامي.. ولم يعد هناك الا عدو واحد تشير اليه اصابع الاتهام.. هو الاسلام والمسلمون اعداء التقدم واعداء الحضارة.. وتنقلب القضية بقدرة قادر فيصبح الجاني هو المجني عليه.. والظالم هو المظلوم ويلقى بالابرياء في السجون ويطلق سراح القتلة. في هذا المناخ من التزييف نعيش. والتزييف الاعلامي اصبح هو الوجبة اليومية التي نتعاطها صباح مساء في الـ CNN واليورونيوز.. والتايمز.. والهيرالد تريبيون.. وكل اطباق البث التلفزيوني. وتعيد صحافتنا نشر هذه البضاعة المشبوهة في تعليقاتها, ويسمون هذا الضياع بالعولمة. والعولمة معناها الا تجد نفسك والا تجد هويتك والا ترى سوى اليد الامريكية تقودك وتوجهك وتدلك وتهديك. من خلال الدولار وبرامج الفضائيات وشبكة الانترنت وبورصة الداو جونز واخبار واشنطن تطل على العالم وترى من هذا العالم ما تريد لك امريكا ان تراه وبالكيفية التي تريدها لك.. فأنت تضطهد الاقباط في بلدك ليس لأنك تضطهدهم بالفعل.. بل لأن امريكا تريد ذلك.. وتريد أن تفرضه وتروجه على الدنيا من خلال ابواقها. وانت تنكر هذا الكلام في جرائدك المحلية وفي اذاعاتك وفي نشراتك الرسمية ذات الرواج المحدود والنطاق المحلي.. ولكن امريكا من خلال ابواقها تصنع دويا عالميا (يغلوش) على كل ما تقول وتكتب.. وتجعل لاكاذيبها رواجا اوسع وفاعلية اكبر تفرض على الدنيا الزيف الذي تريده. وماذا تصنع النقطة العذبة في بحر مالح.. وماذا تصنع همسة الحب في هدير الاكاذيب. وهكذا يضيع الحق العربي لأن اهله ضعفاء.. ويضيع الصوت العربي لأنه كالهمس الذي لا يتخطى حدود البيت العربي. ويسود الباطل لأنه اعلى صوتا واكثر انتشارا. هل تدرك الفضائيات العربية هذا العجز فتكف عن بث المسلسلات والافلام التافهة والهزليات الرخيصة والطبل والزمر وتركز على خدمة الاخبار وتوثيقها وجديتها لتكسب ارضا اوسع ومشاهدين اكثر وفاعلية اكبر..؟؟ وفي عصر الحيتان والتماسيح والديناصورات.. كيف يصبح لنقيق الضفادع تأثير.. وكيف تسمع هسهسة العصافير. ان الذين امتلكوا هذه الفضائيات عليهم ان يستعملوها بحقها وفي مكانها ولا يضيعونها في محليات وهزليات واعلانات يجدها المشاهد في اي تلفزيون ويعب منها لدرجة السأم والملل. ويخطىء من يظن اننا نعيش عصر سلام واسترخاء.. بل هو عصر اشتباك والتحام وتهديد وترويع.. وما السلام الا مجرد كلام.. واسرائيل تفجر بيوت الفلسطينيين بالديناميت وتهدم منازلهم بالبولدوزرات وهي تنظر حولها في تربص وتتجهز عسكريا لمواجهات فاصلة.. لقد غيرت اسرائيل الواقع على الارض بالنسبة لفلسطين.. وهي لن تهدأ حتى تغير الواقع على الارض بالنسبة لمصر ولكل الوطن العربي.. فهي لا تأمن للمستقبل وعلى حدودها المباشرة جار قوي.. وفرصتها اليوم في عهد رئيس امريكي ضعيف مثل كلينتون محاصر بالتهديدات ومكبل بالمخاوف.. لتغير كل شيء. وهذه حياتنا التي نعيشها في تطبيع مع تماسيح نأكل ونشرب معهم في بحيرة واحدة بورقة ضمان من كلينتون الذي لم يعد يضمن لنفسه حتى البقاء في كرسيه وهذا هو الامن الذي ارتضيناه. أمن يوم بيوم وأمن لحظة بلحظة مع عدو دخل حياتنا من باب الارهاب والغزو والقتل وهو يدعي ان معه صكا إلهيا بملكية أرضنا وأحقية بالسيادة علينا باعتباره المختار من الله. أمن لا أمن فيه ودعوى سلام ليس فيها رائحة سلام وعدالة إسرائيلية ليس فيها رائحة عدالة ونازية جديدة تنتقم من نازية الامس بإغراق العالم في دمار شامل وهولوكوست بطول وعرض الكوكب الارضي. وعالم يؤجج هذه الاحقاد ويشعلها ويساندها انتقاما لهزيمته امام الفتح الاسلامي الذي اقتحم عليه أبواب أوروبا وهدم أسوار القسطنطينية وأسقط المجد البيزنطي القديم. عقدة الماضي التي لا يريد الاوروبيون نسيانها. وما كان يحمل هؤلاء المسلمون معهم في ذلك الماضي البعيد الا كلمة لا إله إلا الله, ورسالة رحمة, وما أفاضوا على أوروبا التي كانت غارقة في الظلمات, الا نورا وعلما وحضارة. ولكن الذين أعادوا كتابة التاريخ سودوا صفحاته وكتبوه بمداد من احقادهم وزيفوا كل شيء, واليوم تتولى عصابة الصهاينة إحياء عريضة الاتهام القديم. وتحرك أمريكا العالم الغربي كله ضد كل ما هو عربي وإسلامي, وقد سمعنا جميعا جورج بوش في احدى خطبه ايام معركة الخليج يسمي العصر كله بأنه عصر تحالف المسيحية واليهودية وعصر الحضارة اليهودية المسيحية Judo Christian Civilisation وقد أضمر الباقي وأسره في نفسه وتركه لذكاء المستمعين, ان حرب الخليج التي يقودها هي بداية المواجهة الحتمية بين هذه الحضارة وبين الاسلام في معقل الاسلام بالشرق الاوسط. وقد أدركت الاطراف العربية بعد فوات الاوان انها قد ساهمت في حرب ضد مصالحها, وأن الحرب كانت مصنوعة ومفتعلة ومرسومة من أولها, وان صدام كان يؤدي دورا رسم له. وانتهت حرب الخليج بعد ان أثمرت التمزق المطلوب بين دول العالم العربي ونزلت بأسعار البترول الى الحضيض وفتحت أبواب المنطقة للقواعد الامريكية. وبانتهاء حرب الخليج انتهت الحلقة الاولى من المسلسل, والحلقة الثانية تجري الآن على ارض فلسطين وفي قلب القدس وقد امتدت جرافات اسرائيل لتهدم بيوت الفلسطينيين وراحت تنهب المزيد من الارض كل يوم,. ورفعت شعار... لا تنازل عن شبر من أرضنا (التوراتية) . وقد أصبحت الأرض كلها (توراتية) , وهي عند كل اسرائيلي توراتية من النيل الى الفرات. وما يجري يمس كل عربي ويهدده في مستقبله وفي حياته وفي لقمته, والعرب على مشارف قمة مرتقبة, والسؤال ماذا يمكن عمله, وماذا تبقى للعرب من خيارات. ان أية مواجهة هذه المرة لن تكون اسرائيلية فقط وإنما ستكون اسرائيلية أمريكية, والحليف الاوروبي ورقة غير مضمونة, فقلوب الأوروبيين مع اسرائيل أكثر منها مع العرب, ولن تتجاوز المساندة الاوروبية للعرب اكثر من كلمة تعاطف واحتجاج في أروقة الامم المتحدة. والموقف دقيق ويقتضي الوحدة الكاملة الحقيقية بين كل العرب. ويقتضي حساب كافة الاحتمالات واستنفاد كل فرص السلام وفتح كل الجسور مع ايران وباكستان والصين والتماس الحليف المخلص أينما كان, والاستعداد للأسوأ في كل لحظة. وسوف تتغير موازين كثيرة مع الوقت. وصلافة اسرائيل وتشددها وتعنتها وأطماعها في السيطرة على الكونجرس في امريكا وعلى الحكومات الحليفة لها في اوروبا, سوف يؤدي الى ردود فعل مضادة, وسوف تفقد اسرائيل مع الوقت هذا التأييد الاعمي الذي رفعها الى هذه القمة من الغرور والصلف. وقد وعدنا الله في كتابه بالنصر وبأننا سندخل القدس ظافرين منتصرين ووعد اسرائيل بالهزيمة والخذلان وبأن كل ما تبنيه في القدس مآله الهدم والدمار, وإذا كان الله كتب علينا القتال فسوف يمدنا بأسبابه, وإذا كان قد كتب لنا النصر فسوف يعيننا عليه. وعلينا ان نكون عباده بحق وجنده بحق لنستحق هذا النصر, وأن يعلم سادتنا وحكامنا ان امريكا على قوتها لا تملك من أمر الله شيئا, وأن الله يقضي ما يريد دون شريك. لقد أرادها الله مواجهة بين الإيمان والكفر, في عصر مادي جاهلي شرس لا يؤمن بشيء سوى المادة. وقد حدثنا القرآن عن (عاد الأولى) , وهذه عاد الثانية بين ظهرانينا وحدثنا عن (الجاهلية الاولى) وهذه هي الجاهلية الثانية تتحالف ضدنا فماذا نملك من أمر الله اذا كانت هذه ارادته. وماذا نفعل اذا كان الله اراد ان يمتحن ايماننا وأن يختبر ثباتنا وإخلاصنا, الا ان نقول... (سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير) . اننا لم نخلق أنفسنا ولم نخلق أمريكا ولا اسرائيل ولا هذا العالم, ولكن الله هو الذي خلق كل هذا, وهو الذي اختار لنا هذا الزمان العصيب لنوجد فيه, وطرح علينا هذا الاختبار الصعب, وبشرنا بالنصر ورغبنا في الجهاد وذكرنا بكلامه القديم. (تريدون ان غير ذات الشوكة تكون لكم ويريد الله ان يحق الحق بكلماته ويقطع دابر الكافرين) . وماذا يكون تدبيرنا اذا كان قضاؤه ان يقودنا الى ذات الشوكة وأن يحثنا على مواجهة لا محيد عنها ولا مهرب, الا ان نقول... (ربنا لا تحملنا ما لا طاقة لنا به واعف عنا واغفر لنا وارحمنا أنت مولانا فانصرنا على القوم الكافرين) . وهل هناك افضل من جهاد عظيم في طاعة رب عظيم. أليس هذا أفضل من بركة التماسيح التي نعيش فيها غرقى في شباك التطبيع ومتاهات العولمة وفي بحر من الأماني الكذاب. أعلم ان الماديين الذين لا يؤمنون بشيء يضحكون الآن ملء أشداقهم ويقولون هذا كلام الدراويش, وماذا عندك يا سيدنا لترد به على القنابل الذرية والغواصات النووية والحرب الميكروبية, غير هذا الدعاء. وأنا أقول لهم وماذا كان عندكم لتردوا به على غارة الحر القاتل التي اطبقت على العالم وأحالته الى سعير وحرائق وسيول وفيضانات؟!! ماذا كان عندكم غير الصراخ والابتهال. كلنا في قارب واحد يا سادة, كلنا, الضعفاء منا والأقوياء في قارب واحد وفي قبضة الجبار ورهن قضائه وأسرى كلمته. وأمريكا كلها التي خلقها الله بكلمة, غدا لا تكون, اذا شاء ربنا وأراد الا تكون. وقد شاء ربنا من الازل وكتب على نفسه (وكان حقا علينا نصر المؤمنين) وكان هذا عهدا من القادر على نفسه فهلا آمنتم وأرحتم واسترحتم وأسلمتم لهذا القادر. وهلا آمنا ونفضنا عن انفسنا هذا الضعف والاستسلام. وكيف الحال بأمة من ألف مليون عددا, أمة ملكها الله كنوز الطاقة وثروات الارض, ان ترضى لنفسها بهذا الضعف. آمنت بالله وبأن لكل ظلم نهاية.