لخص رادينوي بابوفيتش, الرئيس الصربي لجامعة بريشتينا عاصمة إقليم كوسوفو حقيقة الصراع الدائر بين الصرب والألبان في الإقليم في خطوات عملية قام بها منذ تسلمه مهام عمله الجديد, وتمثلت في إلغاء البرنامج التعليمي الألباني وفرض برنامج آخر صربي . وقد برر رفضه لاستمرار التعليم الألباني بأن هذا النظام يؤدي إلى تحول الأقليات إلى (جيتو) في كوسوفو, لا سيما وان الألبان يشكلون 90 في المائة من مجموع السكان البالغ عددهم مليوني نسمة. وفي عبارة أخرى قال بابوفيتش: انه لن يسمح بوجود تعليم آخر يسعى إلى ترسيخ هوية أخرى غير الصربية. عبارات بابوفيتش تؤكد حقيقة هامة تتمثل في بُعد ثقافي للصراع يستهدف اقتلاع جذور هوية الأغلبية الألبانية من ذلك الإقليم, خاصة وان التعليم في الاقليم كان من ضمن أهدافه التعريف والمحافظة على التراث القومي للألبان, من لغة وعادات وتقاليد. بالاضافة إلى تعريف الطلبة بملامح الثقافة الألبانية ذات الخصائص الاسلامية, وابراز جوانبها المختلفة من عقائد دينية وعبادات ومعاملات وأخلاق ونحو ذلك. إزاء تلك الأقوال التي صرح بها رئيس جامعة بريشتينا ــ وهو بالمناسبة صربي متشدد, اختير بدقة لشغل هذا المنصب الثقافي الخطير ــ وما هو واقع بالفعل وممارس على أرض كوسوفو من حملات الابادة الصربية الشاملة ضد المسلمين هناك , تتجلى بوضوح أهداف مخطط الصرب في البلقان, والمدعومة من قبل روسيا وبعض الجهات المسيحية المتطرفة مثل الكنيسة الأرثوذكسية في روسيا واليونان, وتعلن كل تلك الممارسات حقيقة هامة تقول: لا وجود إلا للصرب وتؤكد في الوقت نفسه ان مسألة القبول بالآخر وضمان حرياته السياسية والدينية ما هي إلا شعارات تتهافت كل يوم في ظل موجات التعصب الصربي العارمة, وإليك بعض الشواهد الدالة على ذلك, وهي من اشارات (أصراب) البلقان. خرافة التسامح الصربي في ظل اشتداد المواجهة بين الصرب والألبان المسلمين في كوسوفو, وفي أجواء التوتر السائدة في الاقليم, أقام الصرب كنيسة في حرم جامعة بريشتينا, وهي جامعة تقع في إقليم يمثل المسلمون فيه نسبة 90% من مجموع السكان كما تقدم. وقد جاء هذا الاجراء الصربي ليمثل تحديا للأغلبية المسلمة واستفزازا لمشاعرهم خاصة وان درجة الغليان في ارتفاع مستمر لدى عامة السكان الأصليين هناك, وقد رأى المسؤولون الصرب في إقامة الكنيسة أمرا طبيعيا, بل ولازما, لا يستدعي أي استغراب, بل ويستوجب الاحتفاء والترحيب!! وقد عبر رئيس الجامعة نفسه عن هذا الاتجاه بقوله: ان الكنيسة هي رمز الدولة الصربية, وهي ـ أي الكنيسة ـ مؤسسة تعليمية منذ الصغر, ولا يمكن التنازل عنها. (الخليج 29/7). والأفدح من ذلك , هو التناقض الصريح والمريع مع شعار التسامح مع الأقليات غير الأرثوذكسية حيث أجاب بابوفيتش عن سؤال يتعلق بالسماح للألبان المسلمين ببناء مسجد لهم بجامعتهم في إقليمهم كوسوفو بقوله: لا لن نسمح بذلك, فهم أقلية والجامعة رسمية تمثل الشعب الصربي, ويجب على الألبان ان يحترموا قواعد ودستور الدولة, ولا يمكنهم ان يعارضوا اقامة كنيسة! بهذا المنطق يفكر الصرب ووفقه يخطط منظروهم ومثقفوهم, وهو منطق قائم على استئصال (الأغراب) واحلال (الأصراب) وهو كما رأيت منطق يتجاوز في غلوه الفكر العلماني بأنواعه المتطرفة والمتسامحة وذلك لسبب بسيط, هو قيام هذا الفكر الصربي على أساس عرقي وديني متطرف, لا يعترف للآخر بأي حق, ولا يسمح له بأية حرية, وهو كذلك , لا يقبل بوجود هذا الآخر إلا إذا قبل بشروطه التي تقضي باذابة الآخر وهويته الثقافية والفكرية, وهي شروط يستحيل على المنتمي الاسلامي اجابتها او تلبيتها وكل ذلك يؤدي بطبيعة الحال الى مضاعفة مسؤولياته وزيادة حجم تحدياته ليقف في الاخير وحيدا في خندقه في مواجهة كل تلك التحديات والمثال في محنة كوسوفو واضح تماما والمؤكد ان محنة المسلمين في كوسوفو لن تكون الاخيرة في منطقة البلقان فهناك مؤشرات على استمرار الاستهداف الصربي للوجود الاسلامي في المنطقة بأسرها بدأت في البوسنة, والان في كوسوفو وبوادر الحملة ظهرت في السنجق ولكن الحملة في هذه الاخيرة صاحبها صمت غريب ومريب واحسب انه من الضروري كشف بعض جوانب المحنة المرتقبة لابناء السنجق. السنجق محطة اخرى في البلقان اجواء التوتر التي بدأت في منطقة السنجق لها جذورها واسبابها التاريخية فالعلاقة غير الطبيعية بين الصرب ومسلمي السنجق بدأت بفصل السنجق عن البوسنة الام وبين جمهوريتي صربيا والجبل الاسود بعد سقوط الامبراطورية العثمانية بعد الحرب العالمية الاولى. ورغم الحنين المتواصل لسكان السنجق من المسلمين البوشناق الى وطنهم الام, الا انه وللقلة النسبية في عددهم (حوالي 350 الف نسمة) وضعف امكاناتهم المادية وحالة الحصار والملاحقة الدائمة, فقد آثروا قبول الامر الواقع واتباع سياسة النضال السلمي لتحقيق اهدافهم (عامر سلطان الخليج 31/7/98) وعن اسباب مشكلة مسلمي السنجق مع الصرب يقول سليمان او جليانين زعيم جزب العمل الاسلامي في السنجق: لقد فرق الصرب بيننا وبين وطننا في البوسنة وقبلنا الامر الواقع وحاولنا العيش في سلام مع الصرب وكنا ايام يوغسلافيا الاتحادية السابقة نتمتع بوضع خاص كأقلية معترف بها باسم (البوشناق) وبعد تفتت الاتحاد وفي السابع والعشرين من ابريل عام 92, حرمنا الاتحاد الجديد المؤلف من جمهوريتي صربيا والجبل الاسود من هذا الوضع, ومن يومها والصرب يخططون لاخراجنا من السنجق وفي الفترة من عام 92 حتى 95 شن الجيش الصربي حملة مداهمات على 51 قرية في القطاع الذي يربط السنجق بالبوسنة واحرق 317 منزلا واضطر 69 الف مسلم بوشناقي الى الهجرة الى الجمهوريات المجاورة واوروبا, ولا نزال نواجه المشاكل مع الصرب حتى اليوم. ورغم فداحة الممارسات الصربية في السنجق من خلال الارقام المتقدمة فإنها لم تلق اهتماما خارجيا ذا قيمة ولعل السبب الرئيس في ذلك ان العالم قد وجه جل اهتمامه لمأساة اخرى كانت البوسنة مسرحا لها. ويرجو سليمان او جليانين ويتوقع تدخل القوى الدولية الكبرى لانقاذ مسلمي البلقان من كارثة اخرى فيقول: ان القوى الكبرى مطالبة الان باتخاذ خطوات عملية, والجميع يعلم ان اوروبا جاءت كلها للدفاع عن 60 الف صربي في سلافونيا الشرقية بكرواتيا كما تدخلت الدول الكبرى واقامت للصرب جمهورية في البوسنة رغم انه لم يكن لهم اي وضع خاص كالذي كنا نتمتع به في يوغسلافيا السابقة, ونحن 350 الف شخص في السنجق (عامر سلطان 31/7/98) . ما بين التوقع والرجاء في تدخل عالمي او التفاتة اسلامية تستمر محنة المسلمين في البلقان بأسره وليس من قبيل التشاؤم القول بأنه لا يلوح في الافق مبادرات او بوادر مشجعة تخفف من حجم المأساة الواقعة والمتوقعة في مناطق البلقان فغاية مانشاهده من ردود الافعال هو دراسة حلف شمال الاطلسي لخيارات التدخل وكيفيتها او بيانات الشجب والاستنكار للممارسات الصربية حتى العالم الغربي قد اصابته عدوى البيانات بعد ان كنا نحسبها صناعة عربية خالصة لايشاركنا فيها احد.