كان الحوار عن هيروشيما. جريمة النار النووية التي اختصرت زمن شواء اللحم الانساني الى لحظات خاطفة أسرع من البرق, جريمة الحرب الأمريكية التي لم تتقيد بأخلاق القتل وأصول الموت وتجاوزت الاشارات الضوئية البشرية الخضراء والصفراء والحمراء جريمة الغطرسة العسكرية المدعومة بالعلم والعلماء التي أصابت الدنيا بانحناء مزمن وحاد في عمودها الفقري وفرضت عليها السجود دائماً . كان الحوار عبر الأقمار الصناعية بين شخصيات زارت هيروشيما من أربعة أنحاء الأرض بمناسبة القاء القنبلة النووية عليها في الساعة الثامنة والربع من صباح الاثنين السادس من أغسطس عام ,1945 وكان الحوار يصب في مبنى الوكالة الدولية للطاقة النووية في ضاحية (فاجر مير) على الطرف الشرقي للعاصمة النمساوية (فيينا) .. بالقرب من نهر (الدانوب) . ولم يكن هدف الحوار اعادة فتح الجراح القديمة وحشوها بفصوص الملح الغارقة في الخل فقط وانما رسم علامات ودوائر حمراء حول التفجيرات النووية الأخيرة التي أعلنت عنها الهند وباكستان في أوائل وأواخر مايو 1998 وإلى أي مدى يمكن أن يمتد خطرها وتتسع دوائرها من الشرق الأقصى الى الشرق الأوسط, ومن المحيط الهندي الى الخليج العربي ايضاً. وقد زرت هيروشيما التي تقع على بعد 800 كيلو متر من طوكيو ورأيت ولمست وعرفت بنفسي ضريبة زواج المتعة بين العلماء والجنرالات على فراش سلطة استعمارية امريكية, وليدة بدأت بأحلام الحرية والمياه الغازية والحياة العصرية على الطريقة الهوليودية وانتهت بأن جعلت حياة الناس في كافة أنحاء الدنيا جحيما في النهار وكابوسا في الليل, جعلتهم يشعرون بالفقر والقهر .. بالحصار والانكسار .. وأجبرتهم على أن يديروا الخد الأيمن لمن يضربهم على الخد الأيسر .. فتحول حكام العالم من يومها الى مجموعة من الملاكمين. ان الولايات المتحدة الامريكية التي خرجت قوة عظمى من غبار هيروشيما النووي انفقت حوالي 950 مليار دولار على عملياتها السرية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية لقلب نظام الحكم في 127 دولة .. واغتيال أو محاولة اغتيال 54 زعيما وطنيا .. وفرض الحصار على 70 دولة أو عقابها بصورة أو بأخرى .. وإشعال 85 حربا اهلية, الكثير منها في افريقيا التي لم تجد سوى تفجير سفارتيها للرد عليها, فمن عاش بالسيف .. بالسيف مات. ركبت القطار الذي يوصف بالرصاصة من طوكيو فوصلت هيروشيما في حوالي ثلاث ساعات, فسرعة القطار 280 كيلومتراً في الساعة, انها نفس قوة العلم التي فجرت الشر في هيروشيما, حيث ألقيت القنبلة الذرية من ارتفاع 580 مترا فوق مركز المدينة وانهت الحرب العالمية بقسوة وبشاعة. لقد بدأت أبحاث القنبلة الامريكية تصبح حقيقة ملموسة في عام 1942 تحت اسم سري هو (خطة مانهاتن) , ولد هذا المشروع على يد عالم من اصل بحري هو البروفيسور ليو زيلارد, ولكن سيطر عليه فيما بعد البروفيسور روبرت اوبنهايمر, وتكلف المشروع ملياري دولار بأسعار زمان وعمل فيه 200 ألف شخص حتى أصبحت هناك ثلاث قنابل تحت تصرف جنرالات البنتاجون الذين اصيبوا بالجنون من العناد الذي ركب اليابانيين وهم يقاتلون, فقد كان شعارهم, الشرف قبل الحياة, النصر أو الموت للجميع. في سبتمبر 1945 تقرر استخدام القنبلة ضد اليابان وفي 16 يوليو 1945 جربت القنبلة في صحراء الاموجوردو في مكان يسمى ترينتي في نيومكسيكو, ونجحت التجربة, وبعد تسعة أيام صدر الامر العسكري بالقاء القنبلة على اليابان, واختبر يوم السادس من اغسطس لتنفيذ الامر في هيروشيما, ان هذا الامر صدر من الجنرال ثورت هاندي القائد العام للاركان, وصورة الامر وثيقة محفوظة في متحف هيروشيما, وقد حصلت على نسخة منها, احتفظ بها في اوراقي. اخترقت سيارة التاكسي شوارع مدينة هيروشيما, انها الان شوارع حديثة ممتلئة بالملاهي والمطاعم والفاترينات التي تعرض اخر صرخات الموضة, قطعا تغيرت هيروشيما, انها تقع على دلتا نهر يسمى اوتا وكانت واحدة من القواعد العسكرية القليلة في غرب البلاد, وكانت نقطة تجمع الجيوش خلال حروب اليابان الاستعمارية في أعالي البحار, وبالقرب منها يقع اجمل مكان في اليابان, جزيرة نوجيما المشهورة بمعبدها التاريخي الغارق في بحر ايلاند. بعد عشر دقائق بالتاكسي كنت في المكان الذي ألقيت عليه القنبلة التي كانت قوتها التدميرية مساوية لانفجار 15 ـ 20 الف طن من مادة TNT وقد سميت القنبلة باسم (الولد الصغير) المكان الان موقف سيارات متعدد الطوابق وكان وقتها مستشفى يسمى شيما, امامه جسر على شكل حرف T وبالقرب من الجسر بقايا مبنى له قبة كان مخصصا لتشجيع الصناعات صممه وبناه في عام 1915 فنان ومهندس معماري تشيكي هو جان ليتزل ويعرف هذا المبني الان بقبة السلام, واغلب الظن ان هذا المبنى كان مركز القاء القنبلة لكن الطائرة انحرفت قليلا فسقطت القنبلة فوق المستشفى, والطائرة من طراز 29 ـ ب ورقمها 7354 واسمها انولاجاي, وانطلقت من قاعدة عسكرية امريكية في جزيرة تيفيان بالمحيط الهادي واستغرقت ست ساعات ونصف الساعة حتى اصبحت فوق هيروشيما وكانت مصحوبة بطائرة لاسقاط معدات قياس ا لقوة التدميرية للقنبلة وطائرة اخرى لتصوير الحدث. كان الصباح في يوم 6 اغسطس مشرقا, صافيا, خاليا من السحب والغيوم وكان عدد سكان المدينة في ذلك اليوم 350 الف نسمة منهم 40 الف جندي, ولم يكن طلبة المدارس في الدراسة, كانوا في اجازة الصيف يساعدون في اعمال الحرب, وقد سجل طالب في الصف الاول من المدرسة المتوسطة اسمه شيجيرو بعض ما جرى في اوراق نادرة محفوظة في متحف هيروشيما. اخترق عيني بريق لامع وتهدم المبنى الذي كنت فيه باكمله واحتجزنا تحت الانقاض, واثناء زحفي مشجعا نفسي نجحت إلى حد ما في انتزاع رأسي من تحت الانقاض, وشاهدت بحرا من النيران ولم اجد كل المباني التي رأيتها قبل ثوان. لكن هذا الوصف يظل ساذجا لا يعكس ما حدث, لقد وصلت درجة الحرارة خلال ثوان إلى 3000 ــ 4000 درجة مئوية, مع العلم ان الحديد ينصهر عند درجة 1536 مئوية, وبدائرة قطرها 600 متر احترقت الاشجار والحجارة واسقف المنازل الفخارية, وبدائرة قطرها 2 كيلومتر احترقت الملابس والاسطح الخشبية, اما الاشعاع فقد ادى إلى فقدان البشر الوعي وإلى تدمير النخاع العظمي والاصابة بسرطان الدم وولادة اطفال مشوهين, وكان عدد الضحايا 140 الف شخص. ان قنبلة هيروشيما كانت من اليورانيوم اما قنبلة نجازاكي فكانت من البلوتونيوم وقد سميت بالرجل البدين والقيت في يوم 9 اغسطس وبعدها قبلت اليابان بتصريح بوتسدام الذي صدر عن الحلفاء في 26 يوليو 1945 واستسلمت بلا قيود وبلا شروط. بعد عبور الجسر ستجد حديقة السلام التذكارية التي بنيت بالقانون الخاص الذي صدر لاعادة اعمار هيروشيما ونص على ان اعادة هيروشيما للحياة هو تجسيد لكفاح الجنس البشري من اجل السلام, وفي الحديقة جرس كبير وضعته جميعة تسمى (جمعية المصلين من اجل السلام) , وهناك نافورة للصلاة على ارواح الضحايا, وهناك النصب التذكاري للضحايا حفرت عليه اسماؤهم, ومقبرة جماعية للضحايا المجهولين, وشعلة السلام التي ستظل مشتعلة إلى ان يتطهر العالم من القنابل والتجارب النووية, وامامها بقسم الزوار: دعوا جميع الارواح الموجودة هنا ترقد في سلام فلن نكرر هذا الجرم ابداً. وفي الحديقة نصب تذكاري للأطفال أمامه ملايين من الأوراق الملونة على شكل طائر ياباني شهير هو تورو له منقار يسمى كرين والطائر أشبه بطائر الفلامنكو الذي يرمز إلى السعادة والخلود.. كما انه بعد أن يموت ويدفن في التراب يمكن أن يقوم ويبعث من جديد.. ويعتقد اليابانيون انهم لو صنعوا طيورا من الورق على شكل هذا الطائر فإن المريض يشفى والغائب يعود والأمنيات تتحقق. وهذا ما فعلته فتاة هيروشيما الصغيرة ساواكو ساساكي.. لكن أمنيتها لم تتحقق.. كانت أكبر من العاشرة بقليل عندما أصيبت بسبب اشعاع القنبلة التي القيت على مدينتها باللوكيميا أو سرطان الدم.. وفي المستشفى راحت تصنع عشرات المئات من طائر التورو مستخدمة أوراق علب الدواء.. ورغم انها لم تعش طويلا فإنها لم تمت على النور فصنعوا لها تمثالا وضعوه على نصب تذكاري ونسبوه إلى الأطفال.. ويقوم تلاميذ المدارس بصنع طيور الورق بالملايين ويضعوها تحت تمثال ساواكو ترحما عليها. وفي متحف هيروشيما مئات من رسائل الاحتجاج من عمدة المدينة إلى حكام العالم الذين يلعبون بالقنابل النووية يطالبهم بالحكمة والعقل واستيعاب الدرس الذي دفعت هيروشيما ثمنه غاليا نيابة عن البشرية كلها. لكن البشرية لا تريد أن تتعلم من تجاربها المؤلمة.. فكان ان اتسعت دائرة الدول التي تمتلك الأسلحة النووية.. من الشمال إلى الجنوب.. ومن الأثرياء إلى الفقراء.. فالعالم لا يحترم سوى الأقوياء.. ولا يلتفت إلى الضعفاء والمذبوحين.. وبانضمام الهند وباكستان ــ حيث الفقر الذي نعرفه ثراء بالنسبة للفقر هناك ــ إلى النادي النووي تجدد الحديث بقوة مرة أخرى عن هيروشيما وتجدد الحديث أيضا عن العجز العربي النووي في مواجهة اسرائيل التي تملك في القبو قنبلة نووية لكل مليون عربي, كما انها نجحت في التوصل إلى ما يسمى بالقنبلة الاستراتيجية أو القنبلة النظيفة التي لا يمكن أن تضرب بها أجزاء كثيرة من العالم العربي دون أن يمتد الاشعاع النووي إلى اسرائيل. وضاعف من هذا الاحساس ان الهند بدأت مشوارها النووي مع مصر وان باكستان اعتمدت في تمويل نشاطها النووي على أموال ثلاث دول عربية.. وساعة ان كانت تطلب الأموال كانت تقول انها تصنع قنبلة إسلامية.. وعندما توصلت إليها وقف رئيس وزرائها نواز شريف ليؤكد: ان القنبلة.. قنبلة.. لا ديانة لها. ولكن التفجيرات النووية الهندية والباكستانية لها في واقع الجغرافيا والسياسة والأمن القومي بالنسبة للعالم العربي ما هو أكبر وأبعد من مشاعر القلق امام انفراد اسرائيل بالسيطرة النووية على المنطقة.. وما هو أعمق وأخطر من مشاعر الندم على تكسير كل المحاولات المتفرقة للحصول على قنبلة عربية. إن المفاجأة هنا هي تأثير هذه التفجيرات على منطقة الخليج الأكثر ثراء.. والأكثر انكشافا أمام قوى مختلفة تتربص بما تنتجه من نفط.. أكثر سلعة استراتيجية ارتبطت بالسياسة وبالصراعات المسلحة والباردة.. ولعل هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكي الأسبق أول من أشار إلى ذلك في أولى مقالاته في صحيفة (واشنطن بوست) بعد التفجير الهندي.. ثم.. جاء محمد حسنين هيكل ليوسع الموضوع راسما له صورة مكتملة الخطوط والألوان والظلال في محاضرته التي ألقاها في نقابة المحامين اللبنانيين في شهر يونيو 1998 وكانت آثار الغبار النووي في شبه القارة الهندية لا تزال ساخنة.. ثم.. جاءت المناقشات المفتوحة عبر الأقمار الصناعية التي فتحتها الوكالة الدولية للطاقة النووية بمناسبة ذكرى هيروشيما مع عدد من المهتمين بأوجاع أوطانهم. في محاضرة الصيف في بيروت تذكر هيكل مقولة شارل ديجول الشهيرة (ان من يريد ان يتكلم في السياسة عليه النظر قبلها الى ؟؟؟؟ شبه القارة الهندية تشير إلى الخليج العربي.. فهو: 1 ــ مصدر مهيأ بالموارد والثروة للتمويل أو لنصيب كبير منه. 2 ــ مجال قريب وجاهز بالجوار والقرب لممارسة التأثير والنفوذ. 3 ــ ساحة فيها وحولها وفي كل الاتجاهات ــ عناصر مواتية لخطط أو ترتيبات لخطوط مواجهة أو مواجهات سياسية جديدة. 4 ــ فضاء مكشوف بالموقع وفراغات في التركيبة البشرية تفتح ثغرات للنفاذ. 5 ــ ثم تبقى حقيقة انه ليس هناك أبواب أخرى يمكن التسابق إلى طرقها أو فتحها لانه إذا اندفعت الهند شرقا تصطدم بالصين (وهي عدو رئيس متفوق) وإذا اندفعت باكستان في نفس الاتجاه تصطدم بالهند (وأسلحتها النووية أكثر) وإذا اندفع البلدان شمالا فهي أصقاع روسيا.. أو جنوبا فهي مياه المحيط. واذن فهو الخليج على وجه التعيين والتخصيص. وقد جاء نواز شريف لزيارة بعض دول الخليج بعد أن وضع (الهالة النووية) فوق رأسه وكانت هذه الزيارة (هي أول انتقال له خارج باكستان بعد تفجيرها النووي) .. ولا جدال انه ذكر حكام الدول التي زارها بالروابط الإسلامية.. وكأنه جاء وهو يحمل كتاب الله في يد والقنبلة النووية في اليد الأخرى. ولكن اصطدم قطعا بأن الهند (وإذا لم تكن بلدا اسلاميا فإن نصف الساكنين في الخليج هنود) .. بل لعل تأثير الحضارة الهندية على الخليج لا يمكن انكاره.. وفي كتابها (الخليج ــ محاولات الغرب للتقرب الى شبه الجزيرة العربية) ترسم الكاتبة الانجليزية مولي ايزارد لوحة انسانية ملونة لهذا التأثير وتقول ان عرب الخليج يطلون على المحيط الهندي.. ومن ثم ينتمون الى الجنس الجنوبي وتبدو مظاهر الشبه بينهم في خطاهم المتمهلة وهم يرتدون الجلباب الابيض غير المزخرف كما تبدو في نظرات عيونم الداكنة السواد ويبدو ذلك الشبه ايضا في مجوهرات نسائهم وفي انواع الطعام الذي يأكلونه في اطباق الأرز بالتوابل وفي انواع الحلوى وبسكوت القرفة الذي يفضلونه حتى الآلات الموسيقية التي يستخدمونها كل ذلك يوضح مدى تأثير شبه القارة الهندية على تلك المنطقة وحتى المراكب الشراعية المثلثة المعروفة بالمراكب الشراعية اللاتينية التي ادخلها العرب على مياه البحر المتوسط فهي قد ظهرت في بادىء الامر في الساحل الغربي للهند ثم قام العرب بعد ذلك بتطويرها حتى اصبحت تنسب اليهم ثم انه الى وقت قريب كانت العملة المستخدمة في معظم دول الخليج تسمى الروبية على اسم العملة الهندية. لقد افرط المشتركون في مناقشات فيينا في نقطة الانتماء الخليجي للحضارة الهندية في محاولة شديدة الخطورة لسحب كثير من الملامح العربية منه والاكتفاء باللغة العربية والدين الاسلامي ولو كان في شبه القارة الهندية الكثير من المسلمين فلا يبقى سوى اللغة وهي تحولات في الاستراتيجية الدولية تستحق الانتباه والقلق ويضاعف من هذا القلق الميل هناك للعمالة الهندية لانها رخيصة وقادرة على الاحتمال وبعيدة عن السياسية وقد سقطت الان ميزة (بعد العمالة الهندية) عن السياسة فالاطماع ليست عربية وانما هندية وهو مايستوجب اعادة الحماس للعمالة العربية مهما كان الثمن لانه ارخص من ثمن الحماس للعمالة الهندية الذي هو على الاقل هوية الخليج العربية ان لم تكن ارضه وثرواته. لكن كيف يصبح الخليج مهددا من ناحية شبه القارة الهندية وهو في حماية الوجود العسكري الامريكي؟ هنا يرى هيكل انه اذا خطر للبعض ان هذا الوجود في الخليج هو عنصر تأمين وطمأنينة فالحقيقة ان ظل الجغرافيا على التاريخ ثابت في حين ان ظل البوارج على الشواطىء متحرك. ويتصل بذلك ان بعض المخاطر لا تنفع فيه اساطيل البحر واسراب الجو ولايجدي ضربه بالقنابل والصواريخ ويتصل ايضا ان البوارج الحربية تتحرك وفق استراتيجيات لها اولويات مرهونة بظروف وذلك كله يبعث برسالة شديدة الوضوح مؤداها ان الخليج العربي مكشوف, واذ تذكرنا ان الخليج كونه الجناح الشرقي هو بؤرة الاهمية الاستراتيجية لموقع الامة (العربية) كما انه موطن واحد من اهم مواردنا اذن فان انكشاف الخليج يضع الامة امام مسؤولية طارئة عليها ان تسأل نفسها اذا كانت منتبهة اليها ومستعدة لمضاعفاتها وهي مضاعفات لها تكملة ولها امتداد قد يتدافع من شواطىء الخليج الى شواطىء البحر المتوسط. وليس بعيدا عن الحقيقة ما قيل عن ان اسرائيل ساعدت الهند في تجاربها وانها (على المستوى العلمي والعسكري لم تكن بعيدة ومن سنين عن الساحة الهندية) وفي كتاب رجل الموساد الشهير فيكتور ستروفيسكي الذي أثار ضجة في عام 1990 (بطريق الخداع) اعترافات منه بمرافقة مسؤولين كبار في الهند واسرهم في زيارات لاسرائيل بعضها كان للفرجة واغلبها كان لتطوير التعاون العسكري سرا بين البلدين وهو ما يجعل تأثير التفجيرات النووية في شبه القارة الهندية علينا اكثر تعقيدا, واغلب الظن ان هذا التأثير سيضغط على الخليج بمطالب مادية من ضيوف يأتون هذه المرة من اسيا ليزيدوا بذلك من اثقال الخليج مرتين: مرة بتناقص موارده المالية نتيجة تدني اسعار النفط مع فواتير الضيوف (الثقلاء الذين اتوا من الولايات المتحدة وبريطانيا وليست لديهم الرغبة ولا النية حتى الآن في انهاء الزيارة) , ومرة بتزايد وحشة الجو المحيط بالمنطقة حسب رصد هيكل .. ففي المنطقة عراق غاضب وفيها ايضا ايران متوجسة. ويرصد هيكل ايضا: ان التفجيرات النووية في شبه القارة الهندية جرت في وقت ضعفت ووهنت فيه علاقات العالم العربي بالهند وباكستان ومن ثم لم يعد العالم العربي يملك من الارصدة السياسية مايجعله يقوم بدور مؤثر في شبه القارة الهندية, لقد تحولت العواطف العربية من الشرق الى الغرب وكان يمكن الاهتمام بالغرب دون ان يكون ذلك على حساب الشرق لكن يظهر ان من العرب من يقبلون بتعدد الزوجات في احوالهم الشخصية, فقط ويرفضون ذلك في احوالهم السياسية والمؤسف ان اسرائيل سارعت بملء الفراغ الذي تركه الانسحاب العربي من شبه القارة الهندية كما في غيره من مناطق اسيا وافريقيا وامرايكا اللاتينية. ان الامر والحال كذلك يضع امام الامة العربية ثلاث مهام اضافية عاجلة وحيوية المحافظة على الخليج عربي الانتماء والهوية والمستقبل وفي الوقت نفسه العمل بكل الوسائل حتى لا تضيع الهند ويقع التورط في صراع حضارات عربي وهندوكي وفي الوقت نفسه ايضا ان يكون الحرص على باكستان وهو بلد وثيق الصلات بنا وتحتاجه الامة الاسلامية اكثر مما تحتاج وهج انفجار نووي على ان الاهم من ذلك كله هو ان تستعيد الامة العربية ثقتها في نفسها وثقتها في مستقبلها المشترك وهو في حد ذاته المعادل السياسي لمائة ترسانة نووية.