من حق الجميع ان يعرب عن ادانته للخطوة الأمريكية الأخيرة بالقيام بضربة مزدوجة لما اسمته واشنطن أهدافا ارهابية في كل من افغانستان والسودان حيث تمثل هذه العملية نوعا من العودة بالمجتمع الدولي الى شريعة الغاب جعلت فيه الادارة الامريكية من نفسها خصماً وحكماً في الوقت ذاته , فراحت تصدر احكاماً بلصق صفة الارهاب بدول بعينها وتنفيذ عمليات عسكرية ضدها, دون ان تكلف نفسها حتى اعلان الادلة التي تسوغ لها هذا العمل, او حتى استصدار قرار دولي ــ كما هي العادة مع دول اخرى مثل العراق وليبيا ــ بضرب هذه الدول على الأقل ليوفر لها غطاء يجعل من عملها مشروعاً. وازاء الظروف التي يعيشها البيت الأبيض فإن العملية الامريكية تجد جانباً رئيسياً من تفسيرها لا يمكن اغفاله بأي حال في رغبة الرئيس الامريكي كلينتون شخصياً في تغيير أجندة الاعلام الداخلي والدولي من التركيز على قضية (مونيكا جيت)التي تحتل فيها اخباره وصوره موقعاً رئيسياً الى قضية اخرى هي الارهاب. ورغم ان كافة دول العالم تدين الارهاب وتؤيد اي عمل لوأده, فإن الضربة الامريكية تفتقد اي اسس لتأييدها ذلك ان المصنع الذي ضربته في السودان مصنع للأدوية فما علاقة الأدوية بالارهاب حتى لو سايرنا منطق واشنطن في كونه مصنعاً للاسلحة الكيميائية, فإن ذلك ايضاً ينفي كونه له علاقة بالارهاب, اي ان واشنطن ــ فيما لو صحت ــ اخطأت الهدف في السودان, كما انها اخطأت ايضاً في افغانستان حيث لم تقصف مقر بن لادن, بل انها تعلن انه غير مطلوب لها, وانها قصفت مقراً آخر تزعم انه يحوي ارهابيين!