قد يستغرب بعض الناس من المواقف الاوروبية الباردة من قضية الصراع العربي الاسرائيلي, فعلي الرغم من المصالح الحيوية لدول اوروبا في المنطقة العربية الا انها حريصة كل الحرص علي مشاعر اسرائيل, فلم نسمع من زعيم اوروبي اي ادانة للممارسات الاسرائيلية, وعلي الرغم من استجدائنا من اوروبا ان يكون لها دور في عملية السلام الا انها تقدم رجلا وتؤخر اخري والواقع ان لهذه المواقف الاوروبية جذورها التاريخية, فعلاقة اوروبا باسرائيل علاقة معقدة, ذلك ان الصهاينة الذين يعيشون في اسرائيل هم اوروبيون قبل كل شيء نشأوا في احضان اوروبا وتجنسوا بجنسياتها فهم مجموعة من الفرنسيين والانجليز والالمان الي غير ذلك من الجنسيات الاوروبية ولكنهم تعرضوا للاضطهاد والمعاناة ووضعوا في افران النار ــ وان كان ذلك بما اقترفته ايديهم الآثمة في حق المجتمع الاوروبي ــ ولكن اوروبا شعرت بعقدة الذنب تجاه اليهود فحاولت ان تكفر عن خطاياها فساعدتهم علي اغتصاب فلسطين وطرد العرب الآمنين وتشريدهم. ومن هنا تنشأ علاقتهم المعقدة بأوروبا ــ انها علاقة ابن السفاح بأبيه ــ ان الاب في هذه الحالة يخجل من ابنه الذي انجبه سفاحا, انه لايحب ان يراه الناس أو ينسبونه اليه ولا يستطيع ان يجعله يعيش معه تحت سقف بيت واحد مع اولاده الشرعيين, ومع ذلك فهو لاينسي انه ابنه وانه ينتمي اليه, ومن هنا يحرص علي مساعدته والاهتمام بأمره ولو من بعيد, اوروبا خجلي من حضارتها التي افرزت مذابح اليهود, ولكنها ليست مستعدة بأن يعيشوا معها, فلابأس ان يذهبوا الي مكان آخر علي ان تساعدهم وترعاهم, ولم تشعر دول اوروبا انها اوقعت نفسها في جريمة كبري لعل ضميرها قد انبها عليها ـ ان كانت هناك بقية من ضمير ــ وقد عبر عن ذلك الفيلسوف الانجليزي (برتراند رسل) فقال: (وكثيرا ما يقال: اننا يجب ان نتعاطف مع اسرائيل بسبب ماعاناه اليهود في اوروبا علي ايدي النازي, ولا اري في هذا القول سببا يدعو الي استمرار الآلام, فما تقوم به اسرائيل اليوم لا يمكن ان يغتفر, وإثارة أهوال الماضي لتبرير اهوال الحاضر نفاق صارخ فإسرائيل لا تحكم فحسب علي عدد كبير من اللاجئين بالبؤس ولا تخضع فحسب كثيرا من العرب في الاراضي المحتلة للحكم العسكري, ولكنها كذلك تحكم علي البلاد العربية التي خرجت لتوها من وضعها كمستعمرات بالاستمرار في الفقر, اذ تصبح للاحتياجات العسكرية الاسبقية علي حساب التنمية القومية). وهكذا لا ينبغي ان نعول علي الدور الاوروبي في حل مشكلاتنا مع اسرائيل لأن الدول الاوروبية لها مصالح في استمرار الصراع في المنطقة حتي لا تتفرغ الدول العربية للبناء والنهوض وإنما تظل طيلة عمرها تكافح الصلف اليهودي من أجل تحرير المقدسات. وبهذا تضمن أوروبا: - ان تتخلص من عقدة الذنب تجاه اليهود. - وجود النزاع الدائم في هذه المنطقة خصوصا بعد ن قررت الجلاء عنها. - سوق دائمة للسلاح. - ابتزاز مستمر لأموال العرب. ويكفي ان نعلم ان وجود اسرائيل في قلب العالم العربي كلف البلاد العربية حتي عام 1967 ثلاثة آلاف مليون دولار وكانت هذه المبالغ تكفي لتحديث العالم العربي وتقدمه في هذا الوقت, وأما من سنة 1967 الي الآن فقد استنفدت اسرائيل كل موارد الدول المجاورة وأصابتها بحالة من الفقر والانخفاض في مستوي المعيشة مما اضطر هذه الدول الي الالتجاء الي القروض والديون من الدول الاوروبية كما ان الدول الغنية في العالم العربي كان عليها ان تقوم بدور اساسي في دعم القضية الفلسطينية مما أثر علي مجموع الاقتصاديات العربية وإضعافها. وهذا هو الهدف من زرع اسرائيل في قلب العالم العربي. استاذ العقيدة والفكر المعاصر بجامعة الامارات*