يتعجب البعض مما يجري على الساحة الافريقية, وبشكل خاص في (زائير)بمسمياتها القديمة والحديثة ــ من الكونغو إلى غيرها من المسميات, حتى لم تعد الذاكرة قادرة على حفظ كل تلك الاسماء ــ التي تحولت إلى نوع من المذابح الجماعية التي يتقاتل فيها جوعى لا يجدون قوت يومهم في وطن يعتبر من أغنى بلاد الدنيا بمناجم المعادن الثمينة, وعلى رأسها اليوارنيوم الاستراتيجي, الذي لا يمكن دخول سباق التسلح النووي بدونه, زائر أو كينشاسا أو الكونغو الديمقراطية, لدولة واحدة تحولت اسماؤها ولم تعد قادرة على الاستقرار على اسم واحد, واصبحت الان معروفة في السياسة العالمية, والغربية بشكل خاص باسم منطقة البحيرات الكبرى, التي يبدو أنها دخلت في مخططات الولايات المتحدة التي تمكنت من اجلاء البلجيكيين والفرنسيين, بعد ان اصبح يشار إلى تلك المنطقة باعتبارها منطقة مواد اولية استراتيجية للمستقبل. لكن من يعود بالذاكرة إلى الوراء قليلا يزول عجبه, ويعرف ان ما يجري هناك من الامور المنطقية جدا طبقا لقوانين السيطرة الاوروبية المعروفة باسم السياسة الخارجية, التي تخصص لها المعونات, ويتم التخطيط لها على مستويات متعددة, أولا: على مستوى كل دولة اوروبية على حدة طبقا للمصالح الخاصة والاستراتيجية الوطنية, وثانيا: على المستوى الغربي باعتبار ان اوروبا الان كل واحد ومصالحها مشتركة ومتشابكة, وثالثا: على مستوى التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة التي لا يقوم التحالف الغربي بدونها. بل ان الاستراتيجية الاستعمارية الاوروبية باتت الان تابعة للاستراتيجية الامريكية, الا فيما تسمح به التحالفات الدولية من مصالح خاصة هنا أو هناك, امريكا اليوم تقود اوروبا لتنفيذ الاستراتيجية الاستعمارية الجديدة, ولا مانع من وجود خلافات من وقت لآخر, بين الولايات المتحدة وبين دولة اوروبية أو اكثر, ولكن تلك الخلافات لا تصل ابدا إلى حد النزاع المسلح المباشر, واذا وصل الامر إلى حد النزاع المسلح الجميع متفقون على ان هناك من يقاتل ويموت في تلك النزاعات نيابة عن اوروبا والولايات المتحدة, والكونغو أو زائير أو سمها ما شئت, تمثل نوعا من ذلك النزاع, أو قل تعارض المصالح بين دول اوروبية مثل فرنسا وبلجيكا وبين الولايات المتحدة. الحرب لم تبدأ العام الماضي كما يعتقد البعض, أو انها لم تبدأ بزحف الدكتاتور الجديد كابيلا على عرين الدكتاتور القديم موبوتو بل بدأت قبل عقود طويلة. الحرب في الكونغو بدأ الاعداد لها عام 1960 لحظة إعلان استقلالها تحت زعامة الافريقي الاسطورة (باتريس لوممبا) , بدأ الاعداد لتلك الحرب بالفعل لحظة اعلان الاستقلال وبحضور الملك البلجيكي الذي لقي كل انواع المهانة والمذلة في هدوء, ردا على السنوات السوداء التي قضتها تلك المستعمرة الافريقية وما ذاقته من عذاب على ايدي قوات المستعمر البلجيكي, ولكن يبدو ان احدا لم يراقب ما تخفيه قسمات التجهم على وجه الملك البلجيكي, الذي كان يضحك في سره, لأنه كان يعلم تماما انه وضع تحت كرسي باتريس لوممبا قنبلة موقوتة, انفجارها لن ينتظر طويلا. بالفعل كان في مجلس وزراء لوممبا من يمثل الاستعمار الاوربي, انه (الشاويش) الذي اعده الاستعمار ليكون رجله, فوضعه في مجلس الوزراء (المستقل) برتبة (كولونيل) , ولم يمض الوقت حتى حان موعد تنفيذ المخطط الجديد للكونغو, وتحويلها الى مستعمرة تحت راية الاستقلال. قام موبوتو بانقلابه وقتل الزعيم الافريقي الذي كان يحلم مع عبدالناصر ونكروما ونيروبي بتوحيد افريقيا المهانة, وتحويلها الى قوة لها مكانتها في عالم المستقبل. وحتى لا تظل الكونغو في ظل راية الاستقلال بعيدة عن مظلة الاستعمار الغربي, ارسلت أوروبا قواتها باسم الامم المتحدة لحماية نظام القاتل موبوتو من السقوط في مواجهة الباحثين عن تحقيق حلم لوممبا, وبدلا من تحقيق السلام في البلاد لعبت قوات الامم المتحدة دور حارس الدكتاتور الذي فشلت كل محاولات الانقلاب ضده, نظرا لقوات التدخل السريع التي تصل اليه في اللحظات الاخيرة, وظلت اسماء الدولة تتغير على الخرائط, ولكن موبوتو ظل في مكانه ما يقرب من الاربعين عاما يتمتع بحراسة المرتزقة البيض. خلال تلك الفترة كانت التمردات تتأرجح ما بين الشرق والغرب, وكانت أسماء الزعماء الثوريين تتردد في أفخم صالونات فنادق القاهرة ودار السلام (تنزانيا) باعتبارهما عاصمتا النضال الافريقي طوال عقود من النضال ضد الاستعمار في فترة ما بعد الاستقلال, ومن هؤلاء كان اسم (كابيلا) , الذي كان يعيش باسم الثورة في أفخم الفنادق ويرتدي أفضل ما تنتج بيوت الأزياء في باريس وروما وجنيف. بيد ان (كابيلا) آمن مؤخرا ان الطريق الى الدكتاتورية لم يعد يمر عبر (الكرملين) , بل ان أقصر الطرق اليه عبر بوابة (البيت الابيض) , فقرر ان يمر عبر أقرب البوابات إلى كرسي الدكتاتورية الذي بدأ يهتز تحت ثقل شيخوخة موبوتو, وبعد ان علم ان مرحلة التحول الامريكية بدأت في منطقة وسط افريقيا بفضل التمهيد الاسرائيلي. خاض كابيلا الحرب الجديدة في زائير باستخدام السلاح الأمريكي, ولكن وصوله إلى كرسي الدكتاتورية كان لابد وأن يمر تحت الشعارات الأمريكية المعاصرة: (الديمقراطية) وتنفيذا لذلك أكد كابيلا انه أعظم (ديمقراطي) في افريقيا, بل أنه سوف يكون رايتها الخفاقة, ونجمها الساطع. لكن يبدو انه لم يجد في الخزائن المال الكافي لتوزيعه على الأهل والأصدقاء والمحاسيب, لأن موبوتو كان يعرف ان نهايته اقتربت, فقام بنقل كل خزائن الوطن إلى سويسرا وفرنسا, وجد كابيلا انه يجلس على عرش من الحديد الصدئ في بلد يعتبر من أثرى الدول الافريقية, وقبل أن يمضي عاما واحدا على هذا العرش الفقير تحول إلى دكتاتور حقيقي, ومارس أبشع أنواع القتل والتعذيب ضد من صدقوا شعاراته التي أعدتها له الولايات المتحدة, وطبل لها الغرب الأوروبي, واعتقدوا انه (ديمقراطي حقيقي) حتى لم يعد كابيلا يجد أحدا إلى جواره, بل ان القبائل التي ساعدته في حروبه ضد موبوتو تحولت ضده. الحرب الجديدة التي تدور رحاها ضد كابيلا ليس هدفها القضاء على دكتاتوريته كما يحاول الإعلام الغربي أن يبرر المساعدات التي تتلقاها تلك القوات في زحفها غربا باتجاه العاصمة الكونغولية, بل يجب أن نفتش دائما عن المصالح الغربية في تلك الحرب, انه البترول في أنجولا, ومناجم الماس واليورانيوم في الكونغو, الغرب يطل برأسه من جديد! اضافة الى ان الوضع في الكونغو حاليا يبدو نوعا من التدريب على نوعية جديدة من السياسة الغربية في أفريقيا, سياسة تم تجريبها خلال السنوات الأخيرة بأشكال وطرق متعددة, وفي مناطق متعددة ايضا من افريقيا, مثل ليبيريا والصومال وأنجولا وسيراليون. كابيلا يسير على طريق موبوتو مع فارق واحد ومهم, وهو أن تخلي الغرب عنه كان سريعا بأسرع مما كان يتصور عندما قرر رفع اسم زائير من على الخرائط, ووضع بدلا منه (الكونغو الديمقراطية) . طريق كابيلا وصل الى نهايته سريعا, ليسير على الطريق اسم جديد (آرثر زاهدي نجوما) ــ تذكروه جيدا ــ أحد ضحايا كابيلا بعد جلوسه على كرسي موبوتو, وحزبه الذي يحمل اسم (قوات المستقبل) , لكن أي مستقبل وإلى أي مدى يمكن ان يصل؟ إنه سؤال لايمكن لأحد أن يجيب عنه ما لم يكن مطلعا على خطط أوروبا والولايات المتحدة في المنطقة خلال السنوات المقبلة. افريقيا المستقلة ليست أفضل من افريقيا في ظل العبودية والاستعمار, انها مخططات غربية حتى نترحم على أيام الاستعمار ونحن نعيش مساوئ الاستقلال, وموبوتو وكابيلا نماذجان للتذكير, لأن القائمة طويلة ولا مجال لذكر الجميع. كاتب مصري مقيم في اسبانيا*