إذا كان النظام العربي هو التعبير العملي للشعور القومي في التكامل والوحدة, فان العمل المشترك هو الاداة للوصول إلى هذا التكامل والوحدة وبناء النظام العربي وتعزيزه باستمرار , فالعمل المشترك هو في الاصل تلاقي مجموعة من الارادات لتحقيق اهداف واحدة تعود بالنفع على الجميع, وبهذا المعنى يكون العمل المشترك هو بداية الطريق نحو التكامل والوحدة, ويوجد في الادبيات الاقتصادية تدرج في العمل المشترك المؤدي إلى الوحدة بدءا من اتحاد جمركي, فمنطقة تجارة حرة, فاتحاد اقتصادي وسوق مشتركة لتبادل السلع والخدمات, ثم الاندماج الاقتصادي, فالتكامل, فالوحدة, ويتطلب هذا الجهد المشترك الكثير من التعقل والصبر, كما يتطلب من كل جهة مشتركة فيه التنازل الجزئي عن الاستقلالية والسيادة القطرية لتعطي للعمل المشترك ومؤسساته الصلاحيات اللازمة التي لابد منها لتطوره وتدرجه وتحقيق اغراضه للوصول إلى الغاية المنشودة, وقد عملت البلدان الاوروبية بهذه الروح في انشاء المجموعة الاوروبية, بينما لم يستوعب العرب أو لم يسمح لهم بأن يستوعبوا هذه الحقيقة, فأختزلوا عملهم العربي المشترك في حدود التعاون العربي المشترك الذي لا يتطلب الشمولية ولا الالتزام, ويبقى أي اتفاق للتعاون تحت مشيئة السلطات القطرية تصادق عليه أو تنسحب منه في أي وقت شاءت, إن مفهوم التعاون الاقتصادي المشترك إذا يختلف اختلافا جوهريا عن مفهوم العمل التكاملي المشترك ولا يؤدي إلى تحقيق التكامل والوحدة, بل على العكس ربما يساعد على تكريس التجزئة والتفرقة. وهذا يفسر لنا تعثر العمل العربي الاقتصادي المشترك وعدم توصله إلى تحقيق اغراضه, لانه نشأ في ظل جامعة الدول العربية التي تقوم على مفهوم التعاون الطوعي, وعلى أسس احترام سيادة واستقلال الدول الاعضاء, واتخاذ القرارات بالاجماع, واعطاء كل دولة صغيرة وكبيرة بالتساوي صوتا واحدا, على أن أي اتفاق يحصل في مجلس الجامعة لا يعتبر اتفاقا مبرما ما لم تصادق عليه الدول الاعضاء طبقا لاجهزتها الدستورية. ان هذه الاسس غير العملية كانت من اهم الاسباب في تعثر وفشل محاولات التعاون والعمل المشترك الاقتصادي والسياسي, وفي تعزيز النزعة القطرية وتكريس التجزئة بدلا من العمل على التكامل والوحدة, كما سنرى في اقسام هذا البحث عندما نعالج مؤسسات العمل العربي الاقتصادي المشترك ونتائج الاتفاقيات المعقودة بهذا الشأن, وبخاصة المعوقات التي حالت دون تطبيق الاتفاقيات وتطور العمل العربي المشترك. ثانيا معوقات العمل العربي المشترك من المفترض ان تتلاقى عدة ارادات وطنية لانجاز عمل مشترك لمصلحة هذه الارادات جميعا, ويتطلب ذلك في الاساس وجود قاسم مشترك بين هذه الارادات تعمل جميعها على تحقيقه كمصلحة مشتركة عليا, كما يتطلب ذلك ان تتخلى كل ارادة وطنية عن جزء من سيادتها لصالح تشكيل شخصية جديدة تمثل السيادات المتعاونة جميعا, ويتدرج هذا التخلي إلى ان يصل في النهاية إلى درجة الوحدة, وتصبح الشخصية الجديدة ارادة تفوق الارادات الوطنية وتستمد شرعيتها من شعوب هذه الارادات, وقد ساعد هذا المفهوم البلدان الاوروبية على التوصل إلى التكامل والوحدة, بل اخذ منحى ومفهوم التعاون مع تمسك الارادات الوطنية بسيادتها الكاملة وعدم التخلي عن جزء منها لصالح العمل العربي المشترك, فبدلا من تحقيق التوحيد والتقارب تكرست التجزئة, وحصل التنافر والتقاتل وتبعثرت الجهود وحلت النكسات والنكبات في ارجاء الوطن العربي. ويرجع المفكرون اسباب تعثر العمل العربي المشترك إلى مجموعتين من العوامل: داخلية وخارجية. 1 ــ المعوقات الداخلية يمكننا لضرورة البحث والتوضيح تقسيم هذه المعوقات الى عوامل فنية واخرى بنيوية, تشمل العوامل الفنية المعيقة للعمل العربي المشترك مدى كفاءة كل مدخل من مداخل العمل المشترك في الوصول الى النتائج التكاملية المنشودة, وعدم صحة القواعد والاسس التي وضعت لسير هذا المدخل والمشكلات والتناقضات التي حصلت اثناء عمليات تطبيق الاتفاقيات والقرارات التابعة لكل مدخل على حدة. فقد اخفق العمل العربي المشترك فنيا في مجال تحرير التجارة وتحقيق تبادل تكاملي فيما بين البلدان العربية, حيث ان السوق العربية المشتركة تعتبر من الناحية الفنية منطقة حرة لازالة الحواجز الجمركية والقيود الكمية بين الدول الاعضاء التي لم يتجاوز عددها خمسا وتحتفظ كل منها بجدارها الجمركي تجاه الدول الاخرى ويشكل هذا من الناحية الفنية نقصا كبيرا ولهذا فإن اتفاقيات العمل العربي المشترك في المجالات الاقتصادية والمشروعات المشتركة لم تحقق التجمع الاقتصادي العربي, وكانت تنقصها صفة الشمولية وصفة الالزام منذ تأسيس جامعة الدول العربية في عام 1945 وجميع المؤسسات والمنظمات التي تمخضت عنها فيم ابعد. اما المعوقات البنيوية, فتتمثل في الخصائص الرئيسية لكل بلد, والتي تشمل البنى الاجتماعية والسياسية والفكرية التي تميز هذا البلد من الاخر, وتعتبر هذه المعوقات اخطر من المعوقات الفنية التي يمكن السيطرة عليها واصلاح خللها بسهولة نسبية, اما هذه المعوقات البنيوية فانها اكثر صعوبة وتعقيدا لانها تتعلق بالقوى الاساسية الفاعلة في صنع القرار والتي يصعب جدا احداث تغيير فيها او ازالة اثارها السلبية في عملية التكامل والوحدة الاقتصادية ان غياب الارادة السياسية الضرورية للتعاون والتكامل تعتبر في حد ذاتها سببا رئيسيا لاعاقة مسيرة العمل العربي المشترك. وكان للتفاوت في الحجم والامكانيات المادية والمصالح الخاصة بكل قطر عربي الاثر الكبير في مسيرة العمل المشترك, اذا شكل خوف الاقطار الصغيرة من ان يؤدي العمل المشترك الى ضياع كيانها الخاص واحتوائه من قبل الاقطار الكبيرة كما شكل خوف الدول الغنية بالامكانيات النفطية من ان يؤدي العمل المشترك الى انفاق اموالها لمصلحة الاقطار الفقيرة, لانها تظن ان ذلك قد ينعكس على مستوى دخلها وقدرتها, وعلى تحسين اوضاع شعوبها وقد ساهمت حالة عدم الاستقرار السياسي في الدول العربية الفقيرة في تخوف الدول الغنية وجعلها اقل حماسا للمغامرة في توظيف اموالها في مشاريع واعمال مشتركة مع هذه البلدان. 2 ــ المعوقات الخارجية أ ــ يأتي على رأس هذه المعوقات الخارجية الاستعمار الغربي في الماضي, ثم الاستعمار الجديد الغربي ــ الامريكي في المرحلة الحالية الذي عمل ويعمل على تكريس التجزئة وتنمية النزعة القطرية التي بدأت منذ استلام بعض الحكام زمام الامور في اجزاء الوطن بمساعدة المستعمرين وتخطيطهم. ان خوف الاستعمار منذ البداية من وحدة العرب وتقاربهم يظهر دائما في سياساتهم وتعاملهم مع الوطن العربي فقد عمل الاستعمار على: 1 ــ التشكيك في الجهود العربية المشتركة في محاولة لهدم الاسس التي تقوم عليها هذه الجهود. 2 ــ ربط القوى الاقتصادية العربية بقوى السوق الرأسمالية. 3 ــ السيطرة على الثروات الطبيعية وعلى رأسها النفط (وقد تكرس ذلك بعد حرب الخليج الثانية) . 4 ــ استثمار الفوائض المالية العربية في البلدان الاستعمارية والحيلولة دون وصولها الى الدول العربية المحتاجة اليها اكثر. 5 ــ اغراق الاسواق العربية بالسلع المصنوعة في البلدان الصناعية (بلدان المجموعة الاوروبية ــ الولايات المتحدة الامريكية واليابان) وربط الاسواق العربية بأسواق هذه الدول وبالمواثيق والمعاهدات التي تضمن مصالح الدول الصناعية وتزيد من صادراتها. 6 ــ السيطرة الفكرية والاعلامية على المنطقة العربية. 7 ــ تقوية وتعزيز الولاءات القطرية وتعميقها لتكون حائلا قويا تجاه العمل العربي المشترك المؤدي الى التكامل والوحدة. 8 ــ تكريس الخرائط الحدودية بين الاقطار العربية وخلق النزاعات والازمات الحدودية حولها بحجة السيادة القطرية, مما يعمق الخلافات العربية ـ العربية ويحول دون تعاونها وتكاملها وتوحيدها. 9 ـ ربط الاقطار العربية بتحالفات عسكرية بحجة حمايتها بعضها من بعضها الاخر (كما حدث مؤخرا بعد اجتياح العراق لاراضي الكويت) . ب ــ ان محاولات الغرب والدول الاوروبية واسرائيل لخلق نظام متوسطي او شرق اوسطي يكون لاسرائيل الدور القائد فيه ليحل محل النظام الاقليمي العربي المتداعي, تشكل عاملا سلبيا تجاه العمل الاقتصادي العربي المشترك فمن جهة, تكرس التبعية التامة للغرب, وتعزز سيطرة اسرائيل في المنطقة, وتربط السوق العربية الواسع باسواقها وتلغي الهوية العربية لقد تطور مفهوم النظام الشرق اوسطي على يد شمعون بيريز وتطور مفهوم النظام المتوسطي من خلال مباحثات الشراكة الاوروبية التي تعقد مؤتمرات واجتماعات متعددة الاطراف وثنائية من اجل التوصل الى تحقيق اغراضها. هذا من جهة, ومن جهة ثانية فإن هذه التحديات حركت الشارع العربي وبدأ المفكرون المخلصون من أبنائه بفضح مخططات الاستعمار الجديد والصهيونية على مصير الأمة العربية وقضاياها المصيرية في التكامل والوحدة, ويعتبر هذا التحرك الايجابي على النطاق الشعبي الأمل القوي المتوفر حالياً لشحذ الوعي العربي بأهداف الأمة في الوحدة والديمقراطية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية المستقلة وتحقيق الاستقلال الوطني وتطبيق العدالة الاجتماعية والتجديد الحضاري. ج - كان زرع اسرائيل في قلب الوطن العربي في عام 1947 - 1948 لتحقيق أهداف عديدة منها الحيلولة العملية دون تكامل أجزاء الوطن العربي وتقدمها ووحدتها, وبدلاً من أن يكون التحدي الصهيوني حافزا للتكامل وتوحيد الجهود العربية كان حافزاً للتفرقة, حيث استطاعت إسرائيل بالتعاون مع القوى الاستعمارية, وبخاصة الأمريكية منها, الانفراد بالدول العربية واحدة تلو الأخرى, فأحدثت شروخاً في جسم الأمة وأعاقت محاولات التعاون والتكامل الاقتصادي العربي المشترك, فنجحت بعقد اتفاقية كامب ديفيد, ثم اتفاقية أوسلو, واتفاقية وادي عربة. ثالثاً: مقارنة الجهود العربية والجهود الأوروبية نحو التجمع والتكامل الاقتصادي 1- الجهود العربية مضى أكثر من نصف قرن على تأسيس جامعة الدول العربية التي بدأت بتنظيم العمل العربي المشترك, فأقامت عددا من المنظمات الاقتصادية, وأشرفت على تأسيس عدد من صناديق التمويل والاتحادات المهنية, وعقدت مجموعة من الاتفاقيات الاقتصادية, ووضعت منظماتها مشروع استراتيجية العمل العربي الاقتصادي المشترك وميثاق العمل العربي الاقتصادي, كما أقرت عقد التنمية الاقتصادية. جرت خلال نصف القرن الماضي أحداث جسام كان لها انعكاسات سلبية وايجابية على النظام العربي والعمل العربي المشترك, كان أبرزها نكسة يونيو ,1967 وحرب التحرير 1973 وانعزال مصر السادات, ومعاهدة كامب ديفيد, والصلح المنفرد مع إسرائيل, وحربي الخليج الأولى والثانية, واجتياح العراق للكويت, ومؤتمر مدريد ومباحثات السلام مع إسرائيل, بعد كل هذه الأحداث ماذا كانت النتائج والانعكاسات على فكرة التجمع الاقتصادي العربي؟ هذا ما سنتعرض له في الفقرات التالية: أ- يدلنا تاريخ المنطقة العربية على أنها خضعت لنوع من الاتحاد الجمركي في فترة خضوعها للامبراطورية العثمانية, فكان يتم انتقال السلع وعناصر الانتاج فيما بينها من دون عوائق أو قيود, كما كان يوجد جدار جمركي موحد تجاه تدفق السلع من الخارج, غير ان هذا التوحد الجمركي لم يترتب عليه تحقيق نمو اقتصادي تكاملي, وبعد استيلاء الدول الغربية على الوطن العربي في أعقاب الحرب العالمية الأولى أخذ الاستعمار يعمل على ربط اقتصادات الوطن العربي بعجلة السوق الرأسمالية, وفرض على البلدان العربية نوعاً من التخصص الدولي للعمل في انتاج المواد الأولية اللازمة لسد احتياجات الانتاج الصناعي في أوروبا (عملية تشجيع زراعة القطن في مصر والسودان لصالح مصانع النسيج في انجلترا) فقضت على صفة الاتحاد الجمركي الذي كان يتمتع به الوطن العربي تحت ظل الدولة العثمانية, وقسمت الوطن العربي إلى دويلات وزعت بين القوى الاستعمارية الانجليزية والفرنسية والايطالية, ووظفت التعليم والثقافة لتأكيد وتكريس التمايز بين أجزاء الوطن العربي, كما أنشأت التنظيمات النقدية والجمركية المختلفة, وفرضت القيود والعوائق على انتقال السلع والأشخاص ورؤوس الأموال بين البلدان العربية. ب- بعد حصول البلدان العربية على استقلالها السياسي بعد الحرب العالمية الثانية استمرت تلك السياسات الاستعمارية وتولدت أربعة عوامل لتكريس هذه التجزئة: (1) تزايد اختراق الولايات المتحدة الأمريكية للوطن العربي واتخاذه شكلاً معادياً للقومية العربية والوحدة. (2) نجاح الامبريالية بدفع النظام الحاكم المصري في عهد السادات إلى الانعزال عن الوطن العربي بعقد معاهدة صلح منفرد مع إسرائيل. (3) تزايد آليات التبعية العربية وامتدادها إلى المجالات الاقتصادية جميعها. (4) الفورة النفطية العربية منذ عام 1973 وما ترتب عليها من الناحية الفعلية في غياب حركة قومية عربية من انقسام الوطن العربي إلى مجموعتين: مجموعة غنية, ومجموعة فقيرة. وقد تكرس ذلك أكثر في إنشاء جامعة الدول العربية على أسس التعاون الاقتصادي للحفاظ على أوضاع كل دوله الخاصة وسيادتها القطرية بدلاً من السير في طريق التكامل والوحدة, بحيث لا تتمتع الجامعة العربية بأية سلطة وطنية تخولها اتخاذ قرارات ملزمة للأقطار العربية الأعضاء من دون حاجة إلى رجوع ممثلي هذه الأقطار إلى بلدانهم للحصول على موافقة المؤسسات الدستورية القطرية عليها لإعطائها قوة تنفيذية, وبهذا أصبحت جامعة الدول العربية بمثابة أداة اختيارية للتعاون بين أعضائها, بحيث لايقوم التعاون إلا في الموضوعات التي يناقشونها, ولا تنفذ هذه القرارات إلا في حق البلدان التي توافق عليها طبقا لأجهزتها الدستورية. وقد شكل هذا التوجه عقبة أمام جهود التجمع الاقتصادي العربي, وكرس واقع التجزئة, وقيد إلى حد كبير فرص التكامل والعمل العربي الاقتصادي المشترك, لهذا نجد أن الجهود الكبيرة التي بذلتها جامعة الدول العربية ومجالسها ومنظماتها في سبيل تحقيق حد أدنى من أشكال التعاون الاقتصادي كان يمكن لو أتيح لها المجال تنظيميا ومبدئيًا أن تتطور, كما تطورت جهود التكامل الاقتصادي في المجموعة الأوروبية, لولا اصطدامها دائماً وفي جميع مراحلها وفروعها بجدار الحرص التام على السيادة القطرية وجدار النصوص المؤسسية للجامعة وميثاقها. كاتب وباحث من سوريا*