حين انتصر(لوران ديزريه كابيلا)فيما كان يسمى زائير منذ حوالي عام ودخل كينشاسا مؤيدا ببعض القبائل داخليا وبعض القوى العظمى خارجيا كتبت في نفس هذا الركن مقالا بعنوان(بالروح والدم نفديك يا موبوتو)وقلت بالحرف ان كابيلا الطاغية الجديد جاء لانقاذ زائير من الطاغية القديم في انتظار من يأتي لانقاذ زائير من كابيلا وهكذا دواليك ! لان كل من يدرس التاريخ يعرف ان نفس الأسباب تؤدي إلى نفس النتائج وان غياب دولة القانون والمؤسسات والوفاق الوطني لابد ساقطة في نفس الظروف والملابسات. ومسكينة افريقيا, تلك القارة التي أراد محرروها قارة ديمقراطية وموحدة ورحلوا عنها منذ عشرين أو ثلاثين عاما ليتسلمها بعض الضباط المتناحرين (المنقذين) . فأين افريقيا من أحلام داعبت خواطر (باتريس لومومبا بطل الكنغو الذي مات مقتولا على أيدي الدموي (موسى تشومبي)؟ وأين أحمد سيكوتوري بطل غينيا الذي وقف وحيدا في وجه الاستعمار الجديد ومات في ظروف غامضة أليمة؟ وأين (نكروما) زعيم غانا وأين وأين.. أولئك الذين أسسوا منظمة الوحدة الافريقية لانجاز وحدة القارة السمراء فتحولت إلى جهاز إداري بارد ثقيل لا روح فيه واليوم يعيش الكنغو (الديمقراطي بالاسم) فواجع الحرب الأهلية والتهجير نفس سيناريو عام 1997 وها هو (المنقذ الجديد) (أرشرغوما) يطل بوجه المنتصر على شاشاتنا ليعلن انه جاء للانقاذ والتطمير والبناء والتعمير, مؤيدا بضوء أخضر من واشنطن وباريس... في انتظار رجل آخر لا يزال مجهولا سوف يخرج قريبا من إحدى الثكنات لينقذ البلاد والعباد من (المنقذ القديم) . إنها لعبة مأساوية تتكرر منذ الستينات وفي انتظار حلها تغرق افريقيا في المجاعات والهجرات الجماعية وتفاقم الايدز وضياع الثروات المنهوبة وخلال زعماء القبائل واستغلال الشركات الأوروبية والأمريكية لهذه الأوضاع لتسرق وتسلب وتتدخل في نوع جديد غير مسبوق من الاستعباد... دون بواخر الرقيق! شهادة إدريس بريشة من كوسوفو نشرت الصحف الفرنسية شهادة الرسام الفنان إدريس بريشة القادم الناجي من حرب الابادة بكوسوفو. وإدريس المسلم كان يدرس في معهد اللوفر في باريس ثم عاد إلى وطنه وأنشأ معرضا للرسم إلى أن شاهد الأهوال خلال شهري يوليو وأغسطس. لقد فقد إدريس كل شيء يوم هجم المجرمون الصرب على مدينة (دبروفدا) في منطقة (درينتشا) يوم الثاني من أغسطس وعند انهيار المقاومة المسلحة المسلمة دخل الهمج العنصريون الصرب وأحرقوا كل بيوت (دبروفدا) وأضرموا النار كذلك في بساتينها وقتلوا كل من وجدوه. يقول إدريس: قبل هجوم الصرب بساعات ثلاث شحنت عائلتي وأولادي على جرار زراعي وقلت لولدي الأكبر: (توكل على الله سبحانه وقد الجرار بعيدا نحو مدينة (السيني) القريبة من الحدود مع ألبانيا ودعني منا) وفعلا حمل الولد أمه واخوته وهجر ؟؟؟ والنار تتصاعد منها لهبا وهرب إدريس إلى أن ابتعد الصرب المتوحشون عن مدينة (دبروفدا) خرج إدريس من مخبئه وظل ؟؟؟ على وجهه حتى بلغ البانيا ثم ايطاليا ثم فرنسا حيث كان يدرس... وهو لا يعلم إلى اليوم أين استقرت أسرته وهل أولاده أحياء أم أموات...) . هذه المأساة ليست أفدح ولا أكبر من آلاف المآسي التي يعيشها شعب مسلم كريم تربطنا واياه وشائج الصلوات الخمسة والشهادتين, هذه المأساة ليست فريدة أو منعزلة عما يعانيه شعب كوسوفو المسلم على مرأى ومسمع من أوروبا الديمقراطية بل على مرأى ومسمع من العالم الإسلامي. والأرجح ان الحلف الأطلسي ينتظر ان تنهار المقاومة المسلحة المسلمة حتى يتخذ بعض الاجراءات, فأوروبا لا تسمح بنجاح مقاومة مشروعة بل تريد أن تتحول القضية إلى مسألة إنسانية لتتدخل بالخيام والبطاطين وكراتين الحليب والذرة, لا ان تتعامل مع قضية حق ذات أصول سياسية وعقائدية يتقابل فيها الجلاد الصربي الأرثوذكسي مع الضحية الألباني المسلم صاحب الحق. انها لعبة قذرة سوف تتواصل وتصلنا آثارها مهما كانت المسافة الفاصلة بيننا وبين كوسوفو. لان الوشائج الإسلامية الحميمة تربطنا مع هذا الشعب الشهيد الأعزل والمعزول. أستاذ بقسم الاعلام ــ جامعة قطر*