توماس والترليبمان واحد من أبرز الكتاب والمحللين السياسيين في الولايات المتحدة . وهو ابن الكاتب الكبير الليبرالي الراحل والترليبمان اكبر كتاب امريكا على الاطلاق في الخمسينات والستينات والذي وقف دائما موقفا نقديا من الممارسات الامريكية الخاطئة في تلك الفترة حتى اطلق عليه انه الممثل الحقيقي لمؤسسة الضمير الامريكي المعذب. وليبمان الابن الذي ورث فيما يبدو عن ابيه النكهة الليبرالية الانسانية والموقف النقدي من سياسة غطرسة القوه التي تنبأ والده يوما بانها قد تصبح شاهد القبور للحضارة الامريكية المعاصرة. كتب مقالا نقديا ساخرا من الموقف الامريكي المعارض لقرار انشاء محكمة دولية لمحاكمة مجرمي الحرب والذين ارتكبوا أو يرتكبون جرائم ضد الانسانية. وتحت عنوان (فكرة عظيمة ولكنها لاتناسب امريكا) كتب يقول: انه من الطبيعي ان تقف الولايات المتحدة ومعها حفنة صغيرة من الدول (سبع دول من بينها اسرائىل) ضد القرار الذي صدر عن مؤتمر روما الدولي باغلبية ساحقه بانشاء محكمة دولية لمحاكمة مجرمي الحرب. فهل تقبل ان تعقد محكمة مثل هذه قد يرأسها قاض من امريكا اللاتينية, وربما من افريقيا لتحاكم الجنرال وليام كاللي وكبار الضباط الامريكيين الذين تسببوا في مذبحة ماي لاي الشهيرة في فيتنام والتي راح ضحيتها بضعة الوف من المدنيين.؟ او تحاكم القوات الامريكية التي قامت بغزو جرينادا 1983 او بنما 1989 على اعتبار ان الغزو والعدوان الخارجي هو شكل من اشكال جرائم الحرب. وكشف ليبمان عن مضمون المعارضة الامريكية لانشاء هذه المحكمة في ثلاث نقاط. معارضة مبدئية لمجرد تصور ان تكون هناك سلطة قضائية دولية تستطيع ان تحاكم جنودا أو اشخاصا امريكيين لانها القوة العظمى في العالم ولابد ان يكون لها وضعها الخاص والمتميز. ان امريكا تعتبر نفسها هي المسؤولة عن امن العالم وايضا تطبيق العدالة, وماعلى الآخرين سوى أن يضربوا رقم 911 (رقم بوليس الطوارىء في امريكا) لكي تقوم هي بنجدتهم واعطائهم حقوقهم وفقا للمفهوم الامريكي للعدالة. اذا كان ولابد من انشاء محكمة دولية لمحاكمة مجرمي الحرب فلابد وان تخضع المحكمة في قراراتها واحكامها لمجلس الامن الذي لابد وان يوافق على هذه القرارات والاحكام, وامريكا بالطبع تستطيع التحكم بالفيتو في الاحكام التي تمر والتي توضع على الرف. يقول ليبمان من الواضح ان الولايات المتحدة تعتقد ان قيام هذه المحكمة الدولية فيه انتقاص من الدور الامريكي العالمي كبوليس وحكم دولي. والقرار الذي وافقت عليه 160 دولة كانت مجتمعة في روما منذ منتصف يونيو الماضي بانشاء تلك المحكمة الدولية سيجري التوقيع عليه في اكتوبر المقبل ليكون نافذ المفعول مع بداية عام 2000. والجرائم التي عددتها بنود المحكمة هي جرائم الابادة والجرائم ضد الانسانية وجرائم الحرب وجرائم العدوان. والمحكمة الدولية الجديدة تختلف بالطبع عن محكمة العدل الدولية التي انشئت منذ حوالي نصف قرن والتي تحددت مهامها في قضايا الوساطة وحل المنازعات بين الدول بشرط موافقة الاطراف المتنازعة للجوء اليها والالتزام بقراراتها. كما انها تختلف عن المحاكمات التي جرت في اعقاب انتهاء الحرب العالمية الثانية في نورمبرج وطوكيو لمحاكمة القادة النازيين من المانيا والقيادات العسكرية من اليابان, فلقد كان لهذه المحاكمات طابع وظروف خاصة ارتبطت بنتائج الحرب نفسها وبخروج الحلفاء الذين نصبوا المحكمة, منتصرين وهزيمة دول المحور الذين قدموا للمحاكمة اي ان شرعية الويل للمهزوم هي التي سادت في النهاية. وهي ايضا تختلف عن المحاكم المؤقته التي يجري انشاؤها لمواجهة ظرف طارىء مثل المحاكمات التي تجري حاليا في لاهاي لمجرمي الحرب في البوسنة او لمن قاموا بعمليات الابادة والتطهير العرقي في رواندا والكنغو. فالمحكمة الدولية الجديدة هي محكمة دائمة وملزمة وتتصدى هي من نفسها للتعرض للجرائم ضد الانسانية والفصل بينها, وهي مؤسسة قضائية دولية قائمة بذاتها ليس لمجلس الامن سلطة او ولاية عليها وتستمد شرعيتها من مجموعة القوانين والاسس التي اتفق عليها. ولعل المغزى الاول والاساسي في تكوين هذه المحكمة الدولية الجديدة هي انها تشكلت بقرار خارج ارادة الولايات المتحدة, وربما كان ذلك اول مرة, على الاقل في السنوات العشر الماضية, يتخذ فيه قرار دولي تنفيذي بعيدا عن رغبة الدولة الاولى المهيمنة والمسيطرة على الساحة العالمية. وامريكا التي ملأت الدنيا صياحا وصراخا حول حقوق الانسان والاضطهاد الديني والعرقي والدور الذي لعبته وتلعبه في وضع الاسس والقواعد لما يسمى بالنظام العالمي الجديد, والتي استثمرت نفوذها في مجلس الامن لفرض العقوبات على دول ومنعها عن دول اخرى بقدر اقترابها او ابتعادها من المفهوم الامريكي لهذا النظام العالمي, تكشف نفسها واغراضها بوضوح وهي تصوت ضد انشاء هذه المحكمة الدولية. والمندوب الامريكي ديفيد سيفرز يقف وحده معزولا في قائمة المؤتمر في روما وهو يعلن ان بلاده لاتقبل بمفهوم السلطة القضائية العالمية تحت دعوى ان ذلك يمس صلاحيات مجلس الامن. كما يرفض ان تقوم المحكمة الجديدة بمحاكمة قوات امريكية منتشرة في جميع انحاء العالم في محكمة لاتراعى فيها من وجهة نظره مبادىء القانون والعدالة. والموقف الامريكي الرافض لانشاء هذه المحكمة الدولية ينسجم تماما مثلما اشار وليام ليبمان مع المفهوم الامريكي للعدالة والسلام والذي يتحدد وفقا للمصالح الامريكية وتقوم لحمته على اساس التصورات الخاصة في الولايات المتحدة. هذا المفهوم الذي تجسد في القانون الذي اصدرته المحكمة الدستورية العليا في واشنطن منذ اكثر من خمس سنوات والذي يعطي للسلطات الامريكية الحق في ضبط واحضار اي شخص ومن اي بلد هدد المصالح الامريكية وارتكب جرائم ضدها ومحاكمته امام المحاكم الامريكية. وهذا القانون الغريب والذي أثار ضجة عالمية وقتها واعترض عليه ثلاثة من اعضاء المحكمة العليا, طبقته امريكا بالفعل حينما قامت بحملة عسكرية لغزو بنما والقاء القبض واختطاف نوريجا رئىس بنما السابق ومحاكمته امام المحاكم الامريكية ومازال يقضي العقوبة المحكوم بها بالسجن المؤبد في احد سجون الولايات المتحدة. ووصف هاري بلاكمان, وهو احد القضاة في المحكة العليا الذي اعترض على القانون هذا الاجراء بانه يضرب عرض الحائط بكل القوانين والدساتير الدولية ويمثل صدمة للعالم المتحضر. وقاض امريكي آخر وصف القانون بانه كارثه قانونية غير مسبوقة فهو يعطي لامريكا وحدها الحق المطلق في ان تكون هي البوليس الدولي والقضاء الدولي ايضا. والولايات المتحدة بموقفها الاخير كشفت وفضحت نفسها ليس فقط امام شعوب العالم الثالث الذين عانوا ومازالوا يعانون من تطبيقات العدالة الامريكية وقواعدها الخاصة, بل وعزلت نفسها عن اقرب الحلفاء اليها.. بريطانيا وكندا والمانيا. ومن الطبيعي ان تكون اسرائىل هي الاخرى ضمن القلة المحدودة التي اعترضت على انشاء المحكمة الدولية لجرائم الحرب, فقوانين المحكمة تنص في احد بنودها الذي يعدد جرائم الحرب بقيام قوة محتله بنقل جزء من السكان المدنيين بطريقة مباشرة اوغير مباشرة داخل الاراضي المحتلة. لقد وجدت اسرائيل نفسها متلبسة بتهمة جرائم الحرب وجرائم ضد الانسانية والتي تنطبق تماما على ممارساتها في الاراضي الفلسطينية والعربية التي احتلتها بالغزو المباشر والذي يعتبر هو الآخر جريمة من جرائم الحرب. وجاء قرار انشاء المحكمة الدولية مواكبا لما تقوم به اسرائيل حاليا من تغيير الطبيعة السكانية والجغرافية لمدينة القدس وضم عدد من المستوطنات اليها والضرب بعرض الحائط بكل القرارات والمواثيق الدولية. واسرائىل التي تاجرت واستثمرت الجرائم التي ارتكبها النازيون ضد البشرية واحتكرت لنفسها الاتجار بالهولوكوست واعطت لنفسها الحق في استحضار محاكمة اي شخص شارك في اضطهاد اليهود هي التي تقف اليوم امام المجتمع الدولي لتعارض انشاء محكمة دولية لمحاكمة من ترتكبون جرائم ضد الانسانية. فايديها ملطخة بالدماء وتاريخها الاسود منذ انشائها وعلى مدى نصف قرن حافل بالجرائم والمذابح والعدوان والتي تقع كلها ضمن اختصاص المحكمة الجديدة باعتبارها جرائم ضد البشرية. اننا امام حدث هام له ابعاده وتداعياته الدولية ولعل ابسطها واخطرها هو فضح وتعرية المفهوم الامريكي الاسرائىلي المشترك للعدالة وحقوق الانسان. ولعل اسرائيل ستكون المتهم الاول الذي سيقدم للمحكمة الدولية الجديدة. رئيس مركز الابحاث والدراسات صحيفة الجمهورية القاهرية*