عندما قال ونستون تشرتشل في تبريره للغزو الصهيوني لفلسطين: (أنا لا أوافق على ان الكلب في المعلف يملك الحق النهائي في هذا المعلف, حتى لو كان قد اضطجع فيه وقتاً طويلا جدا . انا لا اقر بذلك الحق. انا لا اقر مثلا, بأن ظلما كبيرا قد ارتكب بحق الهنود الحمر في امريكا, او بحق السود في استراليا. أنا لا اقر بأن ظلما كبيرا قد ارتكب بحق هذه الشعوب, ذلك لأن عرقا اقوى, عرقا من درجة اعلى, عرقا اكثر خبرة بالعالم قد جاء وحل مكانها) . عندما قال هذا الركن من اركان الاستعمار, وهذا الرمز من رموز العنصرية العرقية الاستعلائية, هذا الكلام في الثلاثينات من عمر هذا القرن, كانت حكومة الولايات المتحدة تخوض اواخر معاركها ضد الهنود الحمر وابادة قبيلة التشيروكي بالذات, بعيدا عن انظار العالم تحت نفس الراية الفكرية والشعارات العنصرية التي حملتها كلمات تشرتشل. حقيقة الامر ان العجوز البريطاني لم يكن رائد عصره فيما كان يحمل من افكار عنصرية وما يمارس من سياسات لا اخلاقية, اذا كان الامريكيون قد سبقوه الى ذلك وتفوقوا عليه اشواطا طويلة. ففي كتابه (انتصار الغرب) قام ثيودور روزفلت بتمجيد (انتشار الشعوب الناطقة بالانجليزية فوق بقاع العالم المبددة اليباب) بوصفه (الملمح الابرز في تاريخ العالم, والابعد اثراً وأهمية, والاكثر عدالة لأن المستوطنين البيض انتقلوا الى قفار غير مسكونة.. ولم تكن ملكاً لأحد, ولأن الهنود لم يكونوا يمتلكون اي حق شرعي فعلي في هذه الارض) . (لم يكترث روزفلت بما ترتب على نظريته من ابادة فعلية لشعب بريء وانما اقر بذلك البلاء وتلك التعاسة والمعاناة والويل التي اصابت الهنود, وبررها بأنها كانت ثمن التقدم الذي لابد منه, والتقدم اهم من العدالة, فهو يقول لقد كان من المرجح الا يسير العالم قدما على الاطلاق لو لم تزح هذه الشعوب البربرية والمتوحشة او تخضع نتيجة للاستيطان المسلح الذي قامت به في اراض غريبة شعوب تمسك بأيديها مصير الزمان. ولم يكتف سليل المهاجرين من ظلمات العسف والتعصب الاوروبي بما قال, فراح يفلسف لنظريته في الارهاب الشامل ليقول (ان آلام النزع التي صدرت عن العرق الادنى كانت في النهاية آلام المخاض لولادة شعب جديد وحيوي, فالحق ان العدالة كانت الى جانب المستوطن الرائد, اذ لم يكن ممكنا ان تبقى امريكا مجرد منطقة مخصصة للصيد يملكها متوحشون قذرون جديرون بالازدراء) ! ومن يتابع قراءة كتاب روزفلت يدرك تماما ان الحركة الصهيونية فكرا وممارسة لم تكن سوى وليد شرعي لمثل الافكار والممارسات التي اشار اليها ومارسها كل من روزفلت وتشرتشل وامثالهما من رموز الديمقراطية الغربية المخادعة. بل ان ثيودور هرتزل قد بز اساتذته ومصادر الهامه حينما وصل في غيه الى حد الغاء وجود شعب فلسطين بالمرة. ولما فشل في تثبيت اكذوبته الكبرى راح من خلفه ليقر بهذه الحقيقة مع تعديل لها فوصف شعب فلسطين بالصراصير. هكذا يرى الفكر الامبريالي الكولونيالي العنصري شعوب العالم: فهي اما غير موجودة (الى ان تثبت العكس) او انها, في حال وجودها, بربرية ومتوحشة وقذرة ولا تستحق سوى الازدراء, او ليست اكثر من كلاب لا يملكون الحق في معلفهم مهما اضطجعوا فيه وقتا طويلا جدا! ولمن يريد الاستزادة من تاريخ وحاضر هذا الفكر وهذه الممارسة, ويرغب في التوثيق لها احيله الى كتاب صدر مؤخرا للمؤرخ الامريكي اليهودي نورمان فنكلستين تحت عنوان (نهاية فلسطين؟ حكم التاريخ) وقام بترجمته سماح ادريس وايمن حنا حداد, اللذان قدما خلاصة له في عدد (الآداب) الصادر في يونيو 1998. يقول فنكلستين في تقديم كتابه: (أنا لم اكن معنيا بتقديم سرد فلسطيني او سرد قومي, لأنني لا اعتبر نفسي قط مؤيدا للفلسطينيين او العرب, او معارضا لاسرائيل او اليهود, بل اعتبرت نفسي دائماً باحثا وبصيغة تقليدية ولكنه مع ذلك لم ينج من ملاحقات المافيا الاكاديمية بما في ذلك محاولات ينج من نشر اعماله او ايجاد الموقع الذي يستحق للعمل فيه. تذكرت هذا الكتاب وكاتبه اثر الضجة التي تلت حادثي الاعتداء على السفارتين الامريكيتين في نيروبي ودار السلام, وعودة الروح للحديث عن الارهاب والارهابيين. انا لم ادافع في حياتي السياسية عن مثل هذا النوع من العمليات مهما كانت الاسباب او الذرائع للقيام بها. وكثيرا ما دفعت ثمن موقفي هذا ومن اناس يعتاشون اليوم من مواقفهم الاستسلامية كما كانوا في السابق يعتاشون من مواقفهم الارهابية. والاهم من هذا كله ان التجارب المريرة اثبتت عبثية مثل هذه (النضالات) وفداحة ما تعكسه على القائمين بها من ردود سلبية على جميع المستويات ولعله من المناسب ان نذكر بأن منظمة التحرير الفلسطينية لاتزال مسجلة على قائمة المنظمات الارهابية رغم مضي حوالي خمس سنوات على اتفاقية اوسلو لدى الكونجرس الامريكي, ويتم رفع الحظر عنها دوريا بالتماس من الرئيس الامريكي لمدة ستة اشهر. ان شرف الغاية من شرف الوسيلة, ولذلك فاننا نرى كيف استطاعت المقاومة الاسلامية في جنوب لبنان ان تنتزع شرعية مقاومتها فلم تعد حتى اسرائيل تصف حزب الله بالارهاب. ومما يزيدنا تمسكا بهذا الموقف هو حرصنا على ديننا الحنيف وعلى سمعة الاسلام من بعض مدعي احتكاره ممن يحرمون على المرأة أن تدخل مدرسة ويعتبرون التلفزيون رجسا من عمل الشيطان يستوجب المصادرة ومعاقبة من يقتنيه. اما وقد اوضحنا هذا وثبتناه, فاننا في الوقت الذي ندين مثل هذه العمليات الاجرامية, فاننا نعتقد بأن رب الارهاب اذا كان للارهاب من رب فهو الايديولوجية الامبريالية العنصرية الاستعلائية التي نبعت في الغرب, وتنقلت مواقعها من بلد الى آخر ومن عاصمة الى اخرى حتى استقرت واستراحت في الولايات المتحدة. ان تاريخ هذه البلاد, وان كان معظم ابنائها لا يعرفونه ليس سوى مسلسل من العمليات الارهابية المتسمة بنهب الارض وابادة اصحابها الاصليين او حجرهم في المعازل والمخيمات تمهيدا لموت بطيء. وليس ما اوردناه على لسان ثيودور روزفلت الا نموذجا لما نسمعه تكرارا من المسؤولين الامريكيين هذه الايام. أولم يعترف مارتن انديك قبل اسابيع امام الكونجرس بأن الادارة الامريكية تعمل على تفتيت العراق وتشجيع الحركات المذهبية والاثنية؟ بل اولم يتكرر طلب وكالة المخابرات المركزية من الكونجرس لاعتماد مبالغ محددة من اجل تغيير النظام في العراق؟ وهو مالم يثر للاسف اية ردة فعل عربية دون ان يحسب احد ان ما قد يحدث للعراق قد يحدث في اقطارهم! وخارج العالم العربي, وبعيدا عن حصار العراق وليبيا والسودان, الم تعتمد واشنطن سياسة ارهاب الدولة ضد الفيتنام وكوبا وتشيلي ونيكاراجوا وجرانادا وبورتوريكو وغيرها وغيرها من الدول؟ واننا لنتحدى واشنطن ان تقدم للعالم مفهومها للارهاب فلعلنا نفهم لماذا يكون المسلم (مجاهدا) في افغانستان و(ارهابيا) في فلسطين المحتلة؟ ومتى تكون القنبلة الذرية (نظيفة) ومتى تكون (ملوثة) ولماذا حلال على اسرائيل اقتناؤها وحرام على ايران ذلك؟ امريكا لم تتغير فلطالما كانت هذه سياستها ولكن الذي تغير ان امريكا باتت القوة الاوحد في العالم, مما يرتب عليها مسؤوليات ما كانت تعنيها عندما كان في مجابهتها الاتحاد السوفييتي. كانت طرفا في صراع, وفجأة أصبحت الحاكم والحكم وتلك مهمة شاقة بل ومستحيلة ان لم تدرك واشنطن بأنها باتت هي الاخرى بالتغيير. تغيير في العمق وبداية ذلك في طرح السؤال على نفسها لماذا كل هذا الحقد على سياستها مما دفع البعض للانتحار في سبيل التعبير عن هذا الحقد لماذا؟