تعود أولى خطوات تطبيع العلاقات العربية الاسرائيلية المعلنة الى أواخر السبعينات عندما اختطت مصر كبرى الدول العربية خيار التفاوض مع اسرائيل, وقاد الامر الى توقيع اتفاقية السلام المصرية الاسرائيلية في (مارس) 1979, والتي استندت اليها اتفاقيات وبرتوكولات للعلاقات الثنائية في المجالات كافة الامر الذي فتح بوابة التطبيع بين مصر واسرائيل على حدها الاقصى وفي ظل هذا المعطى نشطت حركة اسرائيل واسعة باتجاه مصر: وفود من كل الاختصاصات الى القاهرة, بضائع وسلع اسرائيلية, رجال اعمال وخبراء وجواسيس وسياح, مكاتب ومراكز بحث, لا يعرف سوى الله ما تقوم به من اعمال, حفلات استقبال واجتماعات متخصصة وندوات متنوعة, وكل ذلك في سبيل الدخول الى النسيج العام للمجتمع المصري, لكن للاخير موقف آخر مختلف, يستند الى عاملين اساسيين, الاول فيهما انه لم ينس بعد ما تركته اسرائيل من مآس, مازالت ظلالها حاضرة في الواقع المصري: عشرات المجازر وبينها (بحر البقر) و(أبو زعبل) وفي الاولى ذهب اطفال مدرسة, وفي الثانية عمال مصنع, اضافة الى تردي حال المجتمع المصري بسبب ما صرفه المصريون من مال وجهد لمواجهة الحضور العدواني لاسرائيل والة حربها في المنطقة, والتي بسببها, تم اجبار مصر على خوض حروب كبرى شاملة, تدافع فيها عن ارضها وشعبها. غير انه وبالاضافة الى ذلك, فان ممارسات اسرائيل في مصر في ظل التطبيع, صارت اكثر تأثيرا وعدوانية وتخريبا, فمن شبكات التجسس الى المساهمة في تعميم المخدرات, وامراض الايدز الى نشر الآفات الزراعية, الى محاولات التسلل الى النسيج العام للمجتمع المصري الى دعم الجماعات المسلحة بالاسلحة والعتاد, وهذه بين الاهم من الممارسات الاسرائيلية في مصر. العامل الثاني في حذر المجتمع المصري ازاء اسرائيل والتطبيع معها, يمثله الحضور الواضح للسياسة العدوانية الاسرائيلية ضد العرب عموما, وضد الفلسطينيين بصفة خاصة, الى جانب التعنت والتشدد والذي ادى الى افشال كل الجهود الدولية والاقليمية المبذولة لتحقيق سلام في المنطقة, لا يوفر الا الى اقل الحقوق للفلسطينيين والعرب, بينما يعطي اسرائيل الكثير, وان كانت تريد الحصول على كل شيء. وبطبيعة الحال, فقد ادى ذلك الى موقف مصري حذر ابرزه المجتمع المصري بعامته, ثم ما لبثت الحكومة المصرية, ان اتجهت للحد من سياسة التطبيع بتأثير الموقف العام للشعب المصري من جهة, وبفعل استمرار سياسة اسرائيل العدوانية ازاء مصر والعرب كلهم, وكانت النتيجة برود في حلقة التطبيع بين مصر واسرائيل, مما ادى الى برود عام في العلاقات المصرية الاسرائيلية بخلاف ما كان مقدرا عندما ذهب الرئيس السادات الى اسرائيل عام 1978. وتحت ضغط هجمة عملية السلام التي بدأها مؤتمر مدريد عام 1991, وفي ظل ان العرب, لا يدرسون التجارب, ولا يتابعون النتائج, فقد خطت دول عربية, تتوزع ما بين مشرق الوطن العربي ومغربه خطوات باتجاه التطبيع مع اسرائيل بدعوى ان ذلك سوف يساعد في تسريع العملية السلمية للصراع العربي ــ الاسرائيلي وللقضية الفلسطينية, وعلى هذا الاساس تم عقد معاهدات واتفاقات, الى جانب افتتاح سفارات ومكاتب اتصال, وممثليات تجارية في عدد من العواصم العربية, ونشطت حركة اسرائيلية باتجاه تلك العواصم, تضم وفودا متعددة وسياح ورجال استخبارات في اطار ندوات واجتماعات ومؤتمرات, لعل الابرز فيها المؤتمر الاقتصادي للشرق الاوسط, وشمال افريقيا الذي عقد اربعا من دوراته في كل من المغرب ومصر والاردن, وقطر. ومثلما حدث في موضوع التطبيع المصري الاسرائيلي, جاءت نتيجة محاولات التطبيع الاسرائيلي مع الدول العربية الاخرى التي دخلت نفق التطبيع. اذ تبين لهذه الدول هامشية محاولاتها, وانعدام تأثيرها في تطورات العملية السلمية في المنطقة, بل وعدم القدرة على الحد من عدوانية السياسة الاسرائيلية ازاء الفلسطينيين خصوصا والعرب عموما, واخذت معظم العواصم العربية التي دخلت مسار التطبيع مع اسرائيل, تتحدث عن قطيعة جديدة مع اسرائيل, وبعضها اتخذ خطوات عملية, وليس ببعيد ان تلجأ بعض الدول الى اغلاق المكاتب الاسرائيلية في عواصمها في ضوء القرار الذي اتخذته لجنة القدس في اجتماعها الاخير بالمغرب. وتقودنا الوقائع الى القول, ان عملية التطبيع في العلاقات العربية الاسرائيلية, لا ترتبط بقرارات تصدرها الحكومات, ولا هي ناتجة عن توقيع اتفاقيات ومعاهدات بين اسرائيل والدول العربية (مجتمعة او منفردة) وبالضرورة فانها لن تكون نتيجة قرارات تصدرها المنظمات والهيئات الدولية, او الولايات المتحدة باعتبارها زعيمة العالم ورأسه الذي لا منافس لها. ان عملية التطبيع هي عملية تاريخية معقدة, تحتاج الى ظروف وشروط ومعطيات, وهي الى ذلك تحتاج بصورة اساسية الى ارادة مشتركة للاطراف الداخلين فيها, وهو ما لا يتوفر في اسرائيل على المستويين الرسمي والشعبي بحكم الايديولوجيا الصهيونية السائدة في الوسط الاسرائيلي اولا, وبحكم السياسة التي طبقها الاسرائيليون ازاء العرب, وبهذا المعنى, فان كل حديث عن التطبيع يبدو كلاما غير ذي معنى, وغالبا فان المقصود به شيء آخر غير التطبيع. وبطبيعة الحال, فان توفر الارادة العربية للمضي في التطبيع مع اسرائيل الى مداه وهو امر غير قائم حاليا لا يعني ان مسيرة التطبيع سوف تمضي في طريقها. وكل الشواهد في تجربة العشرين عاما تثبت ان نتائج عملية التطبيع محددة وغير قابلة للاستمرار والشواهد ماثلة فإن تلك نلتقطها من القاهرة, ومن عمان, ومن الاراضي الفلسطينية المحتلة, كما يمكن ان نلتقطها من المغرب, ومن موريتانيا, ومن تونس الى قطر, وكلها تؤكد ان عملية التطبيع محدودة النتائج, وان معظم النتائج تسير بقوة القانون, او بقوة الاغراء (ترهيبا وترغيبا) وان زوال هذه المؤثرات, ربما سيعيد القضية كلها الى نقطة الصفر.