من الحقائق الناصعة والمؤلمة واللافتة للنظر ان السكان الاصليين في مختلف ارجاء المعمورة, الذين يقدر عددهم بما يزيد على 320 مليون نسمة, مازالوا مهمشين من مختلف الجوانب السياسية والاقتصادية والقانونية والتعليمية , وهم يعانون من قدر اكبر من الحرمان في المجتمعات التي يعيشون فيها, ما فتئوا يعانون من التجريد من الممتلكات, ولم يشاركوا باستثناء حالات قليلة, في وضع النظام الدستوري للدول التي يقيمون فيها, ولم ينصت إلى رأيهم في عملية صنع القرار المتعلقة بمسائل تعنيهم مباشرة, واخضعوا لنظم اقتصادية واجتماعية وثقافية غريبة عنهم وغير مستمدة أو مستوحاة من قيمهم, وخضعوا للتمييز العنصري واخضعت ثقافاتهم للثقافات الاجنبية المقحمة عليهم, وتعرضت لغاتهم وقيمهم التي كانوا يعتزون بها للازدراء, وعانوا في حالات كثيرة من عمليات الطرد والتهجير مقابل التعويض الذي لا يستحق الذكر أو دون التعويض, وايضا من عمليات ابادة الجنس التي راح ضحيتها على الاقل عشرات الملايين منهم في اجزاء مختلفة في افريقيا وآسيا وامريكا, وكان الاستعمار في مسيرة بناء الامبراطوريات, وهي المسيرة التي دامت قرونا, المسؤول الاكبر عن هذا التردي لمركز السكان الاصليين. وما انفك السكان الاصليون يواجهون مشكلات كثيرة في مجالات حماية الهوية الثقافية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية وحقوق الانسان والتعليم والصحة, وتشير تقارير كثيرة صادرة عن منظمات دولية, بما فيه الامم المتحدة, إلى ان السكان الاصليين غارقون في الفقر المدقع ومبتلون بمشاكل مثل نقص التعليم والامية والافتقار إلى السكن الوافي بالغرض وتردي الظروف الصحية وتدهور البيئة والبطالة وعدم التنوع التكنولوجي والحاجة إلى الموارد المادية والمالية وسرقة ممتلكاتهم الفكرية والعلمية والفنية. ومن المشكلات التي يتعرض السكان الاصليون لها الضغط الذي يقعون تحته ليجعلوا لغاتهم واديانهم وعلومهم وفنونهم وتقاليدهم المتوارثة المكتوبة والشفوية وجوانب اخرى من نمط عيشهم تنسجم مع تلك التي تتصف بها المجموعات البشرية التي تشكل الاغلبية حولهم. وليس مما يبعث على الدهشة ان السكان الاصليين حريصون على المحافظة على هوياتهم وخصائصهم الثقافية وعاملون على تأكيد وجودهم ومنافحون عن حقوقهم, وصاروا يدركون ادراكا متناميا ما يجلبه العمل على الصعيد المحلي الوطني والصعيد الدولي الاوسع من آثار ايجابية في تحسين مركزهم الاقتصادي والاجتماعي والثقافي والسياسي والقانوني في اوطانهم, وفي المحافل الداخلية والدولية مثل هيئة الامم المتحدة يزداد عدد الاصوات التي تصغي إلى مواقفهم والتي تؤيد قضاياهم العادلة. وتشكل منظمات دولية مختلفة مثل الامم المتحدة ومنظمة العمل الدولية ومنظمة الامم المتحدة للتربية والعلم والثقافة محافل رئيسية لتعزيز الفهم لمواقف السكان الاصليين ولحقوقهم وادوات ذات مغزى للنهوض بقضيتهم الانسانية, ووضعت هذه المنظمات صكوكا واتخذت قرارات تدعو إلى حماية حقوق السكان الاصليين وإلى النهوض بها وبحالتهم وظروفهم المعيشية الانسانية, بمقتضى قرار الجمعية العامة للامم المتحدة 45/164 المتخذ في 18 ديسمبر 1990 اعلنت سنة 1993 (السنة الدولية للسكان الاصليين في العالم) , لقد مكنت تلك السنة المجتمع الدولي من ان يحقق قدرا اكبر من فهم خصائص السكان الاصليين في العالم والمشكلات التي يعانون منها, واوجدت تلك السنة مزيدا من الاهتمام في مختلف ارجاء العالم بالمسائل المتعلقة بالسكان الاصليين. وكان ذلك الاهتمام عاملا هاما حدا بالامم المتحدة إلى توخي وضع برنامج للنهوض بالسكان الاصليين, وبالتالي اتخذت الجمعية العامة للامم المتحدة القرار 58/163 المؤرخ في 21 ديسمبر 1993 والذي يقضي بالشروع في العقد الدولي للسكان الاصليين في العالم, وهو العقد الذي استهل في 10 ديسمبر ,1994 وبفضل هذا العقد سيكون لدى المجتمع الدولي اطار عملي يرمي إلى تعزيز التعاون في حل المشاكل التي تواجه السكان الاصليين في مجالات الاهتمام الانساني المختلفة. وللسكان الاصليين اسهام في اثراء الحياة والهوية الوطنية للاغلبية السكانية التي يعيش هؤلاء السكان بينهم, ولهم بحكم اصالتهم حق اصيل غير قابل للتصرف في الوطن الذي يتوطنون فيه, ومن السليم والمنصف ان تقوم العلاقات بين الاغلبية والسكان الاصليين على التفاهم والاحترام المتبادل. وعلى الرغم من الجهود المبذولة لاطلاع الناس على قضية السكان الاصليين لا يتوفر وعي كاف على الصعيدين الوطني والدولي بهذه القضية, ومن اللازم زيادة هذا الوعي وتعميقه لتسهيل مهمة تحقيق حلول للصعوبات التي يواجهها هؤلاء السكان في المجالات المختلفة مثل حقوق الانسان والمحافظة على سلامة البيئة وتحقيق التنمية والتعليم ومحو الامية, واحدى الوسائل الهامة لتحقيق هذا الوعي مضافرة الجهود الدؤوبة المخلصة من قبل المنظمات الحكومية وغير الحكومية لنصرة قضيتهم واشاعة المعلومات عن المظالم التي يعانون منها.