أذكر ان الكاتب الكبير والمفكر القومي الراحل احمد بهاء الدين كان أول من أماط اللثام عن قيادة حركة فتح في مقال نشرته مجلة(المصور)عام ,1966 وكانت الشائعات قد اختلطت آنذاك بالحقائق حول هذه الحركة التي كان لها شرف تفجير الثورة الفلسطينية , وعلاقتها تارة بحلف (الناتو) وتارة أخرى بالحاج أمين الحسيني, وحتى التقى بهاء بعدد من قيادات فتح سرا خلال زيارته عمان, وافضوا اليه بكل التفاصيل عن الحركة التي نشأت في الكويت أولا وبعدها نقلت نشاطها الى الاردن, وعبر حدودها المشتركة مع الارض المحتلة تسللت عناصرها لاطلاق الرصاصة الأولى للثورة في مواجهة العدو الاسرائيلي! على ان اللقاء لم يستنفد أغراضه في حدود نشر أولى معلومات صحفية عن حركة فتح فحسب, إذ ان ثقة قيادتها في أحمد بهاء الدين أهلته للقاء الرئيس جمال عبدالناصرواطلاعه على هذه المعلومات قبل مثولها للنشر, حتى يتفهم توجهاتها النضالية ايذانا باحتضانها ودعمها, وتلك قصة اخرى تستحق الابانة والتفعيل فيما بعد! الواقعة الثانية موضوع هذا المقال, حول مبادرة احمد بهاء الدين عام 1969 الى طرح فكرة اعلان الدولة الفلسطينية لأول مرة, وكان يحدوه الأمل في خضم زخم الثورة الفلسطينية في أعقاب معركة الكرامة الشهيرة, ان يتقاطر اعتراف الدول العربية ودول عدم الانحياز بالدولة الفلسطينية الوليدة, على النحو الذي يكسبها الشرعية والدعم الدولي, عبر تبادل التمثيل الدبلوماسي مع أكثر من نصف دول وشعوب العالم, وبذلك تستطيع اجهاض المخططات الصهيونية التي تستهدف طمس القضية والهوية الفلسطينية ومحو اسم فلسطين من خريطة العالم. لكن دعوة احمد بهاء الدين غابت أو غيبت على صعيد الفكر الفلسطيني والتوجهات القومية زهاء 30 عاما, حتى استفاقت قيادة السلطة الفلسطينية مؤخرا الى ضرورات تفعيلها حين أعلن ياسر عرفات عزمه تجسيد الدولة الفلسطينية بعد مضي خمسين عاما على اعلان الحركة الصهيونية قيام الدولة العبرية على الاراضي التي اغتصبتها وقتئذ من فلسطين! والشاهد ان ياسر عرفات أوفى بوعد سابق على اتفاقيات كامب ديفيد ومدريد وأوسلو ازاء اعلان الدولة ولو على شبر واحد من الاراضي الفلسطينية المحررة, لكن يظل السؤال عن أسباب تأخير صدور هذا القرار منذ قيام السلطة الفلسطينية في غزة واريحا ولماذا اختار موعد تنفيذه في مايو 1999 وليس الآن؟ وربما كانت دوافع ياسر عرفات وراء تأجيل هذه الخطوة تكمن في مد حبال الصبر ومرونة التعامل مع المتناقضات الاسرائيلية, سواء عبر اقناع كتلة الصقور بزعامة نتانياهو بالتراجع عن مواقفها المتشددة والسير قدما في تنفيذ اتفاقيات السلام, أو منح ما يسمى بكتلة المعتدلين بزعامة حزب العمل الفرصة للعودة الى السلطة, خاصة وان بعض زعاماتها لاترى ثمة بديل عن قيام الدولة الفلسطينية سوى المواجهة والعنف, مما قد يستدعي اتساع المواجهة مع دول عربية أو أكثر على حد تقديرهم! صحيح ان امريكا تؤيد أو ترفض ما تراه اسرائيل على طول الخط, ولذلك لم تتوقف عن ممارسة ضغوطها على السلطة الفلسطينية للعدول عن هذا القرار أو تأجيله في الوقت الراهن, بدعوى عدم استفزاز اسرائيل وتشجيعها على التفاوض مع الفلسطينيين, وهو ما يفسر معارضتها واسرائيل ودولتين صغيرتين ليستا في العير ولا في النفير وهما (جزر مارشال) و(ميكرونيزيا) لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة الخاص برفع تمثيل منظمة التحرير الفلسطينية الى دولة كاملة العضوية رغم حيازة موافقة 174 دولة, والاكثر عجبا ان يتهم نتانياهو هذا القرار بمخالفته اتفاقية أوسلو وانتهاكه لاتفاقيات السلام, بينما أسفرت ممارساته المتعنتة عن كبح جماح عملية السلام! وإذا كان قرار الأمم المتحدة لم يرق الى مستوى الدولة الفلسطينية كاملة العضوية, الا انه يمثل خطوة هامة على هذا الطريق صوب الهدف المنشود عند إعادة عرضه للتصويت خلال دورة الأمم المتحدة الـ 53 المقررة في سبتمبر المقبل, خاصة وان دول الاتحاد الاوروبي باتت على خلاف في هذا الشأن مع الموقفين الامريكي والاسرائيلي! وهكذا سواء جاء تمثيل منظمة التحريرفي الأمم المتحدة مرضيا أو منقوصاً, وسواء كان اعلان الدولة الفلسطينية قرارا استراتيجيا أو تكتيكيا, فإن لغة السياسة تعني ادراك الممكن والمتاح فحسب, أو كما قال الزعيم البريطاني ونستون تشرشل نهاية الحرب العالمية الثانية (انك لا تستطيع أن تحقق من المطالب والاهداف على مائدة المفاوضات أبعد مما تصل اليه مرمى مدافعك) لكن يظل للنضال المبدع والخلاق بأشكاله وأساليبه السياسية والعسكرية والمعنوية دوره المقدر في انجاز مراحل التحرر الوطني واستعادة الحقوق المشروعة كاملة! ومن هنا نحسب ان قرار اعلان الدولة الفلسطينية لن يمر بسهولة من جانب اسرائيل وأمريكا بالتبعية, لكن ومهما كانت عواقب القرار شاقة أو وخيمة الا انه وبكل المقاييس السياسية النظرية والعملية جاء في وقته المناسب لتصحيح الخطأ الفلسطيني والعربي والتاريخي, في ادارة الصراع مع اسرائيل, ووقفة مطلوبة لاسترداد انفاس الدفاع والتحول إلى أهبة الاستعداد للهجوم, وحول هذا الهدف الوطني والقومي, فمن المتعين ان يلتف حوله مختلف الفصائل الفلسطينية والأمة العربية بأسرها, وأن يكتسب التأييد والدعم من الدول الصديقة ومنظمات السلام وحقوق الانسان التي تنظر بعناية الى حق الشعوب في تقرير مصيرها! وعلينا ان نتسائل عما قد يخسره الشعب الفلسطيني من جراء اعلان دولته المستقلة, بعدما تعرّت قيادته عبر تنازلاتها او مهادناتها لاسرائيل الا من ورقة التوت, واي جدوى من انتظار انفراج عملية السلام, بعد ابتلاع اسرائيل للاراضي الفلسطينية تباعا, وطرد سكانها الى غير رجعة, وحصار مناطق السلطة الفلسطينية وتجويعها وسرقة مصادر مياهها, والتوسع على قدم وساق في بناء المستوطنات, وتسليح المستوطنين وقتلهم للفلسطينيين, وتهويد القدس عاصمة الدولة الفلسطينية المرتقبة, واخيرا تنصل نتانياهو من تنفيذ التزامات اتفاقية اوسلو, ومطالبته بأوسلو جديدة تبيح له تحديد الحدود الدائمة والآمنة للدولة التوراتية! يقول ياسر عرفات في خطابه امام المجلس التشريعي الفلسطيني لم يعد يفصلنا عن الاستقلال والحلم سوى عشرة شهور فقط في الرابع من مايو 1999 وهو التاريخ الذي تنتهي عنده المرحلة الثانية من اتفاق الحكم الذاتي, ثم عاد يهدد باعلان الدولة الفلسطينية في هذا الموعد بالرغم من عدم تنفيذ اتفاق اوسلو, ولنا على خطابه ملاحظة وعلى اعلانه التعديل على حكومة السلطة الفلسطينية ملاحظة اخرى. وذلك ان التهديد باعلان الدولة الفلسطينية يعني التلويح لاسرائيل وامريكا بامكانية التراجع عن هذا القرار الاستراتيجي في حالة قبول اسرائيل بالمبادرة الامريكية الهشة لاعادة الانتشار, الامر الذي ينفي جدية القرار ويلغي محتواه ويبدد الآمال المعقودة على دوره في حشد القوى الفلسطينية والعربية والدولية لدعم الدولة الفلسطينية. واذا كان ياسر عرفات لاتزال قيادته للمسيرة الفلسطينية ضرورة, كما وان المعارضة الفلسطينية ليست بديلا عنه على حد قول المناضلة ليلى خالد, الا ان هذا الوزن والاعتبار لا يبيح له عدم الاكتراث برأي المعارضة بعد ادانتها تشكيل الحكومة الفلسطينية مع استبقاء نفس الوجوه القديمة المتهمة بالفساد والاثراء غير المشروع, والى حد استقالة حنان عشراوي تضامنا مع المعارضة بعد تعيينها وزيرة للسياحة, في الوقت الذي تتفق مختلف الاحزاب والزعامات الاسرائيلية على اختلاف توجهاتها السياسية والعقائدية حول القضايا الاستراتيجية, وتختلف تكتيكيا حول التفاصيل واساليب التنفيذ, وتمارس كافة الشرور والآثام مع الفلسطينيين وتتمسك بالفضيلة وبراءة الذمة والانحياز للقانون في كل ما يتعلق بالشأن الاسرائيلي, ولا يعيب ياسر عرفات ان يستخلص الدروس المستفادة حتى من اعدائه! صحفي مصري*