في الدراسات الحديثة لمستقبل الصراعات العالمية يستبعد بعض الدارسين ان يكون الصراع حربا مفتوحة بين دول, بل ان الصراع سيكون في أغلبه بين دولة (في الغالب ديمقراطية) وجماعة أو جماعات إرهابية داخلية أو خارجية, والأخيرة ربما تكون ممولة بخفاء من دول خارجة على العرف الدولي . وتبدو هذه الرؤية المستقبلية المفزعة أكثر إفزاعا مع توالي الأخبار حول الانفجارين المروعين في كل من نيروبي ودار السلام واللذين استهدفا السفارتين الأمريكيتين هناك, والفزع مصدره ارتفاع عدد القتلى والجرحى وغموض هوية الفاعلين, فكل يوم نسمع أخبارا جديدة عن زيادة في عدد الضحايا وأخبارا جديدة أخرى عن جهة الفاعلين. ما يثير الغثيان ويجلب الغضب ويضاعف من حط قدر القيم الانسانية لدى مدبري الحادث هو مناظر الأفارقة البسطاء التي نقلتها شبكات التلفزيون العالمية وهم يقفون صفوفا طويلة لا حول لهم ولاقوة يبحثون عن أحبائهم وأقاربهم فيما سجيت مئات من الجثث صفوفا, بعضها قريب إلى التعفن بدليل ان المتطلعين إليها يغلقون أفواههم وأنوفهم بقطع من القماش, بينما العيون المفجوعة تحدق وأصحابها بين مصدق ومكذب, هم بالتأكيد أو معظمهم على الأقل لايعرف السبب في تلك المذبحة المروعة. إن الفعلة بصرف النظر عن أشخاصهم هم أصحاب تأكيد الحجة بالعنف, وهم طابور طويل عرفته الانسانية منذ عرفت الصراع, ينبت هذا الطابور في الكثير من المجتمعات لأسباب كثيرة, ولكن هذا الطابور اليوم قد تضخم وأصبحت لديه وسائل حديثة في استخدام أدوات العنف تيسرت له جنبا الى جنب مع تحديث العلم وتطويره, ومع اعتناق الأيديولوجيا التي تحض على فعل العنف سواء تسترت وراء لافتات دينية أو صراعات دنيوية. وهذا الطابور ايضا موجود في كل مجتمع تقريبا, ولعل كتاب (عالم ماك) الذائع الصيت والذي ترجمه الى العربية أخيرا المجلس الأعلى للثقافة في مصر, يبسط لنا أمر جماعات (مناطحة الزمن) حسب تعبيره, في المجتمع الأمريكي, والتي كانت بعض نتائجها تفجيرات أوكلاهوما, وغيرها من أشكال العنف المنتشرة في المجتمع الأمريكي بسبب الانفصام الاجتماعي. لقد استهدفت متفجرات افريقيا السفارات الأمريكية, وجاءت في الغالب من جماعات استبد بها الغضب الذي زرعته بذور الاستياء الشديد من مواقف لأمريكا ربما تكون متخيلة أكثر منها حقيقية, وكان من نتيجة ذلك قتل آلاف الأبرياء الأفارقة. اقول ان تقييم المواقف الامريكية لدى هؤلاء متخيل لأن مثل هذه الجماعات تستمد معرفتها بالسياسة في الولايات المتحدة, وبقدرات الولايات المتحدة مما تراه في افلام هوليوود والتي تصور البطل وكأنه قادر على فعل المعجزات, ولأن هذه المعجزات السينمائية لا تتحقق على الارض, ولأن مخيلة الجماعات وربما بعض الحكومات لا تعرف الفرق بين هذا وذاك, فلابد من معاقبة البطل الذي يستطيع ان يفعل ولا يفعل, يستطيع ان يلاحق الفقر في العالم ولا يقوم بذلك, او يرفع الظلم عن الناس ولا يأبه, او يعالج اية قيمة حقيقية او متخيلة في هذا العالم المتضاد المصالح ولكنه لا يبادر, وتزداد هذه المخيلة غلوا مرضيا عندما تتوقع الشر من ذلك المصدر الشرير فتقابله بعنف الارهاب دفعا للمتوقع. الارهاب بهذا المعنى وفي اشد اشكاله السلبية قريب من الخوف الحيواني الذي يثيره القلق في مواجهة الشك, ويزيده التعصب الى درجة التضحية بالنفس, وهو هروب من التاريخ وشن الحرب على الحاضر لضمان مستقبل اقرب شبها بالماضي, احادي الثقافة غير تعددي ومفتون دائما بقيم التجانس. ولعل المأساة الانسانية التي لا يعرفها او يعيها من قام بالتخطيط والتنفيذ لهذا الفعل الاجرامي انه في نهاية الامر لن يحقق اي اهداف قد يتخيل عاقل ان هذه الجماعة قد تسعى الى تحقيقها, وربما على العكس قد تعزز هذه الانفجارات الدموية اهدافا للشك عالميا, وانسانيا في اي اهداف معلنة او متوخاة لهذه الجماعات, وهو ما عبر عنه الرئيس الكيني دانيال آراب موي في تعليقه على تفجير السفارة الامريكية في نيروبي اذ قال: (الانفجار مذهل ومروع وليس من شأنه سوى ان يزيد عداء الكينيين وبقية العالم لمرتكبيه. فحتى لو استهدفوا السفارة الامريكية ما كان يجب ان يستهدفوا كينيا. الكينيون شعب مسالم وطيب وحياة البشر ثمينة. وانه لأمر مروع ان تستخدم اساليب تقضي على حياة اناس ابرياء. في عملية كالعملية الارهابية التي شهدناها يحتاج الامر اولا الى تمويل وقد يكون ضخما, وثانيا الى تنسيق وقد يكون شديد الترابط وثالثا الى قناعات ثابتة وقد تكون موجودة, وهذه الشروط الثلاثة لابد انها توافرت في عمليتي نيروبي ودار السلام, واذا كانت العناصر البشرية هي كما اعلن عنها من بلدان مختلفة, فنحن امام احتمالين الاول ان التنظيم او الجماعة التي قامت بالعمليتين هي جماعة دولية عبر وطنية والاحتمال الثاني هو ان هناك نظاما سياسيا وفر التمويل اللازم وقام بالتنفيذ عبر جماعة مستأجرة نفذت ما قامت به من اجل حصيلة مادية. الارهاب ليس اكتشافا او توقعا حديثا ولا هو مفاجىء فقد خصصت مجلة (تايم) الامريكية منذ شهور عددا خاصا للمنجزين المائة من قادة العالم في القرن العشرين, وفي نفس العدد اختارت اربع قضايا ستواجه البشرية في القرن الحادي والعشرين احداها هي مشكلة او قضية الارهاب. لقد عانت ومازالت دول عربية عديدة من هذا الامر منها مصر التي قادت عمليات مضادة للارهاب ولاتزال تعاني منه, كما تعاني الجزائر وبعض الدول العربية الاخرى, وما هي الا مسألة وقت ان لم تجفف منابع هذا الارهاب المعنوي والمادي حتى يصيب بقية العرب هذا الوباء, فهو اليوم ضد ما يسمى بالمصالح الامريكية لأن هناك بقيا من وعي مضلل حول هذا الموضوع ولكنه سرعان ما يمتد الى اهداف اخرى. لقد جاهدت الدول العربية ببحث مضن لايجاد اتفاقية عربية مضادة للارهاب, وقد توصل وزراء الداخلية العرب منذ شهور للتوقيع على هذه الاتفاقية, وهي تكمل الاتفاقية الدولية الموقعة في جنيف في سنة ,1937 ولكن هذه الاتفاقات تحتاج الى متابعة في التنفيذ جادة وغير مترددة, والا تبعت اتفاقات سابقة كانت الجامعة العربية قد تبنتها, منها اتفاقية مايو سنة 1953 التي تبخر حبرها ولم يعد أحد يتذكرها اليوم. ان تأمل مسيرة الارهاب في المنطقة والعالم صار ضروريا لرؤية المحصلة واستشراف الحل الممكن. وفي هذا السياق نلاحظ ان الارهاب في الشرق الأوسط والمنطقة العربية تحديدا بدأ مع ارهاب العصابات الصهيونية للسكان الفلسطينيين لدفعهم الى هجرة بلدهم حتى ينتشر مكانهم الاسرائيليون. ثم كانت عمليات خطف الطائرات على أيدي الجماعات الفلسطينية نوعا من رد الفعل ووجها من وجوه العمل السياسي بدليل تمخض كثير من العمليات عن مقايضات حلحلت المواقف ولم تنته بالتفجير, ثم جاء الارهاب الاخير على أيدي الجماعات ذات الادعاء الديني أو العرقي, سواء في مصر أو الجزائر أو صرب البوسنة أو اليمينيين في أمريكا والفاشيين في ألمانيا. فهم جميعا ــ في رأيي ــ وجوه لعملة واحدة. هذا الانتقال الزمني لأعمال العنف والمصنفة ضمن الارهاب يلاحظ انها كانت بداية داخل سياق أهداف سياسية ــ بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا معها ــ اما الآن فهي خارج سياق أي طرح سياسي, وأقرب ما تكون الى التدمير العبثي بهدف التدمير. وهذا أخطر ما وصل اليه الارهاب الذي بات يدرك على ما يبدو تهافت مبرراته حتى انه صار غالبا يخفي وجهه, فاذا افترضنا ان في هذه التفجيرات, والأعمال الارهابية عموما, رسالة ما, فهي رسالة غير موقعة, وطبيعة الاشياء تقطع بأن الرسائل الآتية من مجهول لا ينظر الى محتواها بعين الاعتبار. الأمر مروع انسانيا وغير معقول وغير محترم سياسيا, وهو مرفوض دينيا بكل تأكيد, فعمليتا تفجير السفارتين الامريكيتين أخيرا في نيروبي ودار السلام تمخض عنهما 260 قتيلا وخمسة آلاف جريح معظمهم جراحهم بليغة وغالبيتهم من الافارقة البؤساء. وهذا يشكل ضرورة انسانية لاعادة فتح ملف الارهاب بجدية عالمية, فلم يعد ممكنا اللعب بهذه النار المحرقة, أو التستر على اللاعبين بها. فالارهاب صار ظاهرة عابرة للقارات ومارقة عبر الحدود. ومن يتصور انه بعيد عن الاحتراق بهذه النار الشريرة يكون مثل النعامة التي تخبىء رأسها في الرمال وهي ترى الخطر يقترب منها. هناك وسائل واضحة للصراع السياسي, بل حتى العسكري, وهي لوضوحها تصيب أهدافها بغض النظر عن طبيعة هذه الأهداف. أما هذا الارهاب الأعمى والمُعمي فهو أخطر ما يكون لأنه نزعة تدميرية تستثمرها شياطين مختبئة وضحاياها الأعم من الابرياء. آن الأوان لأخذ الموضوع بجدية انسانية, بحثا ومواجهة, وهذا يعني مسؤولية عالمية يضطلع الكبار فيها بأدوار كبيرة ويأخذ الصغار فيها أدوارا ايجابية, فحرائق النيران العمياء تهدد الجميع. رئيس تحرير مجلة (العربي)الكويتية *