أعلن ياسر عرفات أسماء أعضاء الوزارة الفلسطينية, التي طال انتظارها, لكن هذا الاعلان جاء مخيبا للآمال, إذ أبقى الرئيس الفلسطيني على كل الوزراء السابقين (ما عدا وزير التربية والتعليم ياسر عمرو) وأضاف عشرة وزراء جددا ليصبح عدد أعضاء الوزارة 34 وزيرا (38% من عدد أعضاء المجلس التشريعي!) بينهم سبعة وزراء دولة . وقد أثار هذا التعديل (التوسيع) الحكومي, التساؤلات والشكوك حول طبيعة الوضع الداخلي الفلسطيني, ومعضلات بناء الكيان الفلسطيني الناشئ بمرتكزاته: القانونية والديمقراطية والمؤسساتية, كما أثار التساؤلات حول العلاقات السائدة بين السلطة من جهة وبين القوى السياسية الفلسطينية من الجهة الثانية, وصولا إلى التساؤل عن مستقبل النظام السياسي الفلسطيني على ضوء العملية التفاوضية الجارية. ولعل التساؤلات المتعلقة بالوضع الداخلي للساحة الفلسطينية, تفرض نفسها بالحاح في هذه المرحلة, على خلفية الجمود الحاصل في عملية التسوية, وبسبب عدم قدرة الفلسطينيين وحدهم في هذه الأوضاع غير المواتية على فرض قراءتهم أو طموحاتهم في اطار هذه العملية. وإذا كان يمكن تفهم المأزق الفلسطيني على صعيد المفاوضات, التي تحتاج إلى موازين قوى ومعطيات دولية واقليمية, تتيح المجال لايجاد حالة ضغط بدرجة مناسبة على اسرائيل, تفرض عليها الاستجابة لاستحقاقات عملية التسوية مع الفلسطينيين, فإنه لا يمكن على الاطلاق تفهم حالة التعثر أو حالة التخبط السائدة في الساحة الفلسطينية, والتي تعترض اجراء عملية مراجعة جادة وحقيقية, للأوضاع الفلسطينية في مختلف المجالات, وتاليا الشروع باعادة بناء الوضع الفلسطيني داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة وخارجها بناء على الاستنتاجات التي يجري التوصل إليها في اطار هذه المراجعة النقدية المفترضة, باعتبارها ضرورة حيوية وموضوعية للساحة الفلسطينية سواء بالنسبة لتوطيد مرتكزات الكيان الفلسطيني أو بالنسبة لمواجهة الاستحقاقات الاسرائيلية المترتبة على انتهاء المرحلة الانتقالية (مايو 1999). وهذه العملية الضرورية ليست مجرد افتراض إرادي. فبرغم الصعوبات والتعقيدات المحيطة بظروف العمل الفلسطيني, في المرحلة الراهنة, الا ان كثيرا من مظاهر الخلل والتعقيدات إنما يعود إلى تكلس واهتراء البنى الفلسطينية ذاتها, وإلى مقاومة هذه البنى لأية محاولة تستهدف التغيير والتجديد, كما تعود إلى تخلف العلاقات الداخلية وتغييب الديمقراطية, وغياب دور المؤسسات لصالح الأفراد, وتغييب قوى المجتمع الفلسطيني. وهذه الحالة هي التي تكمن وراء استشراء قوى الافساد ومظاهر الفساد, وغياب الأسس الجماعية المؤسساتية لصنع القرار, وهي السبب في تحويل م. ت. ف. باطاراتها السياسية وبمؤسساتها المختلفة, من كيان سياسي يعبر عن هوية الفلسطيني ووحدته, إلى مجرد يافطة وديكور في العلاقات العامة, وهي أيضا السبب في تهميش دور الفلسطينيين في تجمعات اللجوء والشتات بعد أن كان لهم الدور الأساسي في العمل الفلسطيني طوال العقود الماضية. ما يجب التأكيد عليه في هذا الاطار هو ان ابراز هذه الحقائق ليس مجرد نزوة لتحميل الوضع الفلسطيني اكثر مما يحتمل, وانما هو محاولة لوضع النقاط على الحروف, لجهة ابراز القضايا التي تتحمل القيادات والقوى المتنفذة الفلسطينية المسؤولية عنها في اطار هذه المرحلة الانتقالية الصعبة. هذا من ناحية, ومن ناحية ثانية, فإن هذه الحقائق يؤكدها الطابع المزدوج والمعقد للعملية الوطنية التحررية الفلسطينية: الصراعي, ضد المشروع الصهيوني بمختلف ابعاده واستهدافاته, والبنائي, الذي يتعلق باعادة صوغ الوضع الفلسطيني لتأكيد حضور الشعب الفلسطيني وابراز قضيته, عن طريق بناء مؤسساته ومرتكزاته السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية, داخل الاراضي المحتلة وخارجها. ولعل مأزق العملية التفاوضية, والتحديات التي يفرضها هذا الواقع, وانسداد افق ايجاد حل عادل ومتوازن للقضية الفلسطينية في هذه المرحلة وفي ظل هذه المعطيات, هو الذي يستدعى ضرورة الشروع بمراجعة نقدية سياسية جريئة لأوضاع الساحة الفلسطينية باطاراتها ومؤسساتها وطرائق عملها وشكل علاقاتها الداخلية, وبالتالي إيلاء البعد البنائي اهميته اللائقة باعتباره وجها من وجهي العملية النضالية التحريرية في الساحة الفلسطينية, (خاصة وان القرار في هذا الاطار بيد الفلسطينيين وحدهم في اغلب المجالات) . بالمحصلة فإن القيادات الفلسطينية كلها, والقوى صاحبة القرار والامكانيات فيها, تتحمل المسؤولية عن ضرورة اتخاذ قرارات وخطوات شجاعة ومسؤولة وملموسة تجاه اعادة صوغ مختلف الاوضاع في الساحة الفلسطينية, في سبيل تعزيز الوحدة الوطنية الفلسطينية وتفعيل منظمة التحرير الفلسطينية على اسس مؤسساتية وديمقراطية, وهي مسؤولة ايضا عن ترشيد صنع القرار على هذه الاسس كما انها مسؤولة عن بناء المرتكزات السياسية المجتمعية والاقتصادية للكيان الفلسطيني الناشئ, تمهيدا لبناء دولة المؤسسات والقانون واعادة صوغ العلاقة مع قوى المجتمع الفلسطيني على اساس اطلاق مبادراته واحترام قناعاته وتفعيل اطاراته المدنية في الداخل والخارج. ان هذه المهمات المشتركة لمجمل قوى الساحة الفلسطينية تفترضها حقيقة ان البعد البنائي للساحة الفلسطينية هو شكل ضروري من اشكال الصراع مع اسرائىل, كما ان هذه المهمات تستند الى رؤية سياسية تفترض استمرار البعد الصراعي ضد المشروع الصهيوني بمختلف تجلياته الظاهرة والكامنة, كما تستند الى ضرورات مقاومة الاستيطان ومحاولات تهويد القدس, وصولا الى دحر الاحتلال. هذه الافتراضات الاخلاقية للوهلة الاولى هي ضرورات حيوية لاخراج الساحة الفلسطينية من حالة الجمود والاهتراء والتراجع التي تعتريها, وهي ضرورة للخروج من المأزق الراهن ولكنها تحتاج الى بصيرة والى توفر الشجاعة والارادة للمراجعة المطلوبة ولاتخاذ القرارات اللازمة, حتى لا تبقى الساحة الفلسطينية, اسيرة العقلية المزاجية, الفردية, التكتيكية. في المحصلة الاخيرة فإن تجاهل الحاجة الى التغيير في القيادة الفلسطينية وفي طريقة اتخاذ القرارات وادارة السلطة ورسم السياسات والاولويات الوطنية لن يضعف البعد البنائي في العمل الفلسطيني فحسب وانما سيعود بالضرر على قدرة الفلسطينيين على حشد امكاناتهم وطريقة ادارتهم للبعد الصراعي في مواجهتهم للسياسات والتحديات الاسرائىلية, الحاجة الى التغيير ليست قضية مزاجية ولا مجرد مطلب عادي او شخصي انها ضرورة موضوعية ووطنية في آن معا. كاتب فلسطيني*