بدأ العنف الذي انتشر في البلاد العربية مع عقد التسعينات والذي ارتبط بشعارات اسلامية في الانحسار, فعلى عتبة مقاومة الأنظمة للعنف بدأ العنف في تسجيل التراجع تلو التراجع, ففي الجزائر مالت الأوضاع في المرحلة الأخيرة لصالح الدولة خاصة مع فشل الجماعات في اسقاط السلطة , أما في مصر فقد تراجع المعدل السنوي للعنف من 100 قتيل عام 1993 الى عشرات القتلى عام ,1997 وعوضا ان يكون العنف في جميع أنحاء مصر انحسر الى مناطق ريفية محدودة, وفي البحرين انحسر العنف نسبة لما كان الحال عليه قبل عامين, وهناك عنف متقطع ولكن محدود في المغرب وايضا في اليمن, هكذا تشهد منطقتنا انحسارا عاما في ظاهرة العنف, وكأن العالم العربي بدأ يخرج من نوبة هذيان لا هدف ولا سقف لها كادت تطيح بدوله وأنظمته بل وحتى بمجتمعاته. لقد تولد هذا العنف الإسلامي في عقد التسعينات نتاج حالة ضيق عامة سادت البلاد العربية, فالأزمة الاقتصادية كانت سببا رئيسيا لهذا العنف, ففي عدد من الدول شجعت حالة البطالة وقلة تكافؤ الفرص الشباب على الوقوع ضحية المحرضين, بل من الملاحظ ان احد مسببات انتشار العنف في مصر كان الاصلاحات الاقتصادية الحديثة والضرورية والتي انتجت مرحليا ضغطا اكبر على الفئات الشعبية, وساهم الفراغ الفكري الذي عم البلاد العربية بعد تراجع موجة القومية العربية في زيادة حدة البحث عن ايديولوجية جديدة, وأدت لا ديمقراطية الكثير من الدول العربية ومركزيتها وسواد حالة من الفساد المقنع والمموه في مؤسساتها الى تأزيم الوضع, وقد لعب الغزو العراقي لدولة الكويت ونتائجه دوره في حالة العنف, كما شجعت حالة السلام المفاجئ مع اسرائيل في عام 1993 على تأجيج العنف واعطائه بعدا دينيا, وقد ساهم في تأجيج العنف ايضا قناعه لدى ممارسيه بامكانية أخذ السلطة واسقاط الأنظمة. ولكن مدرسة العنف الجديدة اصطدمت بالواقع الصعب, إذ واجهت دولا عربية أقوى ما فيها جهازها الأمني, وواجهت دول لدى أنظمتها جذور اجتماعية وشعبية لم تكن في حسبانها, لهذا صمدت الدولة أمام حجم العنف ولم تتراجع, بينما بدأ يتضح للجمهور الأوسع في الشارع العربي ان مدرسة العنف عاجزة عن تقديم البديل أو تطوير الأوضاع, كما ان الكثير من الاصلاحات الاقتصادية التي أدت الى العنف في البداية بدأت تحقق بعض الفوائد, فمثلاً بدأت مصر تشهد نموا سنويا يصل الى ستة بالمائة وهو الأعلى عربيا بينما نجحت بنفس الوقت في السيطرة على النمو السكاني الضاغط على المؤسسات والخدمات. ولكن تراجع العنف ارتبط فوق كل شيء باكتشاف ممارسي العنف خطأ طريقهم, ومدى لاواقعيته, وانسداد السبل أمامه, وغياب المجتمع عنه, وانقلاب الشارع الشعبي عليه, وفي هذا كان ممارسو العنف أقرب لأقرانهم من العنفيين في أمريكا اللاتينية الذين سقطت ظاهرتهم في الثمانينات, وكما تراجع العنف اللاتيني تراجع العنف الاسلامي, لقد بدأت مدرسة العنف الجديد في اكتشاف عمق الأحقاد التي يخلقها العنف, وما حالات التوبة الجماعية في مصر إلا نموذج على هذا. ولكن هذا لايعني ان فشل العنف وانحساره العام في البلاد العربية لن يشهد محاولات تصديره الى مجتمعات أخرى أو إلى بلاد أخرى, فهذا العنف الذي تحول لعمل تمارسه اقلية في ظل غياب الدعم الشعبي يجد تعبيرات له خارج البلاد العربية, ولهذا فهو على تراجعه واختناقه قادر على توجيه ضربات لا هدف لها إلا اسقاط اكبر الخسائر في صفوف مدنيين دون أي اعتبار لخسائر بالأرواح تصيب الأبرياء, ولكن خروج العنف خارج حدود البلاد العربية يعكس مدى ضعفه ومدى تراجعه. ان الموجة الكبيرة التي طغت في أكثر من مكان وأخذت صبغة إسلامية في طريقها الى التراجع, وهذا يعني توفر فرصة كبيرة أمام الدول العربية على إعادة النظر بالوضع برمته واعادة النظر بأسلوب التعامل مع المجتمع, ان شرفنا على مفترق طرق إذ من السهولة بمكان في حالة انسداد طرق التعبير ووسائل الارتقاء امام الجيل الشاب انتشار العنف من خلال انضمام دماء جديدة اليه, ان المستقبل يضاء اساسا من خلال مقدرة الدول العربية ومجتمعاتها على تحويل تراجع جذوة العنف الراهنة الى حالة احترام للحريات, واعتراف بالتعدد وحماية لحقوق الانسان, ان ادخال اشكال من الديمقراطية ستساهم في ادارة الصراع الاجتماعي والسياسي لصالح التطور السلمي في كل بلد عربي, وهذا سيمهد الطريق لتحويل سيطرة الدول المرحلي على مدرسة العنف الى نجاح دائم.