كيف نتصور وضع الشرق الاوسط مع اقتراب العام ألفين؟ هل من الممكن للقوى التقدمية والوطنية في الخريطة السياسية العربية ان تتجه نحو وحدة وتضامن عربيين, وتحرر من الاحتلال والهيمنة؟ ومن تحقيق الاهداف العادلة, والتقدم الاقتصادي والاجتماعي والاستقلال الوطني ؟ في الشرق الاوسط, الامور بدأت تتحسن تدريجيا ببطء شديد بعد سنوات عجاف من الانهيارات والتداعيات والانتكاسات, بدأت مع رحيل القائد الكبير جمال عبدالناصر (1970) وانقلاب يمين الناصرية برئاسة السادات على ثورة 23 يوليو 1952 في مصر ومشروعها التقدمي المصري والعربي ثم صفقة كامب ديفيد التي مزقت التضامن العربي وأخرجت مصر من دورها التقدمي المناضل ضد الامبريالية والصهيونية, ثم حرب الخليج الأولى (عراق ــ إيران) والثانية (غزو الكويت) وجاء زلزال انهيار الاتحاد السوفييتي ليحسم الصراع ولسنوات لصالح الهيمنة الامريكية والعربدة الصهيونية الاسرائيلية. ونحن الآن نتلمس نتائج كل هذا من خلال مفاوضات تسوية مدريد ــ أوسلو المذلة والاشتراطات والضغوط المتلاحقة ليس فقط على الطرف الفلسطيني, بل على جميع الاطراف العربية. في نهاية المطاف الشعوب تتحسس مصالحها وتصرخ في نهاية الامر, حيث الوعود المعسولة بالسلام الامريكي الاسرائيلي تذوب ويظهر ما تحتها, لكن امامنا طريق طويل نسبيا. وخلال العشر سنوات الاخيرة تمت تغيرات دراماتيكية (مأساوية) في الوضع العالمي ولدت بدورها احساسا عميقا لدى شعوب العالم الثالث وقواه الوطنية فضلا عن ردات فعل التضامن الدولي بتباشير ايجابية تعيد احياء ذاكرتنا وتنشيطها الى سنوات الخمسينات وبروز دور منظومة دول عدم الانحياز وقادتها الكبار والتضامن بين شعوب العالم الثالث. ولم تكد شعوب العالم الثالث تنجز الاستقلال الوطني السياسي بعد صراع مرير استهلك القرنين التاسع عشر والعشرين حتى وقع زلزال الاتحاد السوفييتي وأوروبا الشرقية ونتائجه السلبية من ناحية محاولة القطب الامريكي لفرض قطب عالمي وحيد يضع العالم بأجمعه تحت مظلته وهيمنته العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية, وجعل شعوب العالم الثالث أدوات وسوق انتاج تحت يده. المحزن ان الصين الدولة الكبرى (البشرية والعسكرية) لم تأخذ دورها الذي نادت وعملت له منذ الستينات في الحركة الثورية العالمية والتضامن الاممي بين شعوب دول العالم الثالث, والاسباب اعمق وأبعد من عوامل التخلف الاقتصادي والتكنولوجي في الصين, فصين التسعينات متطورة جدا عن صين الستينات التي ناضلت لشق طريق آخر في العملية الثورية الوطنية والعالمية, بينما صين اليوم على عتبة القرن الحادي والعشرين تكاد تكون محصورة بحدود خطى حل مشكلات تطورها الاقتصادي والتكنولوجي لتسريع وتيرة انجاز مهمات عصر الثورة الصناعية والبحث بخطوات الانتقال الى عصر ما بعد الثورة الصناعية وأعني تحديدا الثورة العلمية التكنولوجية التي قطعت اشواطا بها بلدان المركز الرأسمالي العالمي في امريكا الشمالية والاتحاد الاوروبي واليابان. و(النمور الاقتصادية الآسيوية) التي دفعت واشنطن واليابان والاتحاد الاوروبي بها الى التقدم التكنولوجي الصناعي تحت مظلة دكتاتوريات دموية من كوريا الجنوبية الى اندونيسيا فقد انتهت الحرب الباردة, حرب احتواء الاتحاد السوفييتي والاشتراكية, فانتهى الآن دور تطورها المطلوب من بلدان المركز الرأسمالي العالمي, ولذا تشهد انهيارات اقتصادها وخسرت في عام 1998 خمسين بالمائة من اقتصادها وثروتها الذي بنته برؤوس الاموال الخارجية وعصر وإنهاك شعوبها على امتداد الخمسين عاما الاخيرة من القرن العشرين. ولهذا بشرت الايديولوجيا الرأسمالية الامبريالية بنهاية التاريخ بانتصار الرأسمالية تحت شعارات اقتصاد السوق الرأسمالي والعولمة وتشديد العقوبات الاقتصادية على شعوب العالم الثالث من كوبا البطلة الصامدة الى الضغوط على جنوب افريقيا الى البلدان العربية. ومحاولة تطويع كل من يعارض التسوية بالمفهوم الامريكي الاسرائيلي. الآن بعد سنوات من الزلازل التي عصفت بشعوب دول العالم الثالث بدأت من جديد خطوات عودة الوعي الوطني والطبقي, عودة روح التضامن الدولي وخاصة بين شعوب العالم الثالث, عودة روح التضامن مع العالم الثالث في اوساط من الانتلجنسيا الاوروبية والامريكية الشمالية وخاصة في الجامعات وجناح لاهوت التحرير في الكنيسة. ولكن... وبعد كل هذا... علينا ان نقول بصراحة اننا وكل قوى التقدم والتحرر والديمقراطية والسلام في العالم الثالث لا نزال في بداية طريق عودة الوعي وروح النضال المشترك, فنحن جميعا نفتقد وحدة التضامن القاري المشترك في كل قارة, ماعدا خطوات مباركة في امريكا اللاتينية والوسطى والكاريبي, ولكوبا البطلة دور رائد في هذه العملية الوطنية, كما لعدد من دول امريكا اللاتينية دور بارز في الدفاع عن المصالح العليا المشتركة للبورجوازيات الوطنية في القارة اللاتينية التي تتعرض لوحش (عولمة الرأسمالية القادمة من الشمال) . في القارات الاخرى المسألة ما زالت مفككة على المستوى القاري وكذلك على المستوى العالمي, والبدايات متواضعة بين منظمات النساء والشبيبة والاتحادات النقابية العمالية. ان معضلات الحلم النبيل, حلم السعادة الاشتراكية لم يتم حلها بعد ان انهار الموديل السوفييتي وغياب دور الموديل الصيني, فالشباب والنساء, العمال والفلاحون الفقراء والقوى الاجتماعية المهمشة بالبطالة الواسعة في العالم الثالث وحتى داخل بلدان المركز الرأسمالي ما زالت تتطلع نحو تلمس الحلم الاشتراكي, نحو عالم جديد ديمقراطي بين الشعوب والدول, عالم حقوق الانسان بالعمل والسكن والحرية والضمان الاجتماعي والتقدم التكنولوجي ــ العلمي الى امام على طريق تكريس قاعدة (لكل حسب عمله) وبعد حين على طريق المرحلة الثانية من القاعدة (لكل حسب حاجته) بالثورة العلمية ــ التكنولوجية في خدمة طبقات الشعب العاملة المنتجة.