اتفقت الحكومة الأردنية ضمن برنامج التطبيع القائم مع دولة الكيان الصهيوني, على ان تقوم الأولى بالاستيراد عن طريق ميناء حيفا, ويبدو ان هذا ليس قرارا مرحليا وإنما هو جزء من استراتيجية بعيدة المدى تقوم على أولوية العلاقة الاقتصادية مع ذلك الكيان , فقد سبق هذا الاتفاق أو على الأقل سبق إعلانه, اعلان اقامة منطقة تجارية حرة في الأغوار الشمالية, ومعروف ان الأغوار الشمالية لا تتصل بأي حدود أو موانئ, وان اقامة تلك المنطقة إنما هو لخدمة الاستيراد عن طريق حيفا, وبقصد توسيع هذا الاستيراد بحيث يصبح اقليميا, وليس فقط محليا, مقتصرا على الأردن, ومعنى هذا ان خطر هذا النوع من التطبيع يطال الجوار العربي, والعالم العربي بأسره في الأطر السياسية والاقتصادية وحتى الاستراتيجية العسكرية ويشكل اختراقا صهيونيا رئيسيا للجسم العربي من باب اقتصادي. وقبل الحديث عن الخطر العربي, نبدأ بالمخاطر التي تتهدد الأردن ذاته, والأضرار الاقتصادية والسياسية التي تلحق به عند قبوله الاستيراد عن طريق ميناء حيفا ذلك ان هذه الأضرار وهذه المخاطر هي أيضا جزء من الأضرار والمخاطر التي تلحق بالعالم العربي, مباشرة كون الأردن جزءا لا يتجزء منه ــ حسبما ينص دستوره ويصر شعبه ــ أو بشكل غير مباشر عبر شبكة العلاقات الخيارية أو الحتمية التي تفرضها الطبيعة الجغرافية والديموغرافية في الأردن وموقعه من الجسم العربي ومن منطقة الشرق الأوسط عامة, وما نشأ عن ذلك حتما من شبكة علاقات وبنى اقتصادية واستراتيجية لا يسهل استبدالها أو اغفالها من قبل الجوار العربي بين يوم وليلة لمجرد ان الحكومة الأردنية قررت بين يوم وليلة فتح كافة أبوابها على الجبهة الغربية والتي كانت مغلقة لما يقارب النصف قرن, واعطاء الكيان الصهيوني مثل هذه الأولوية في العلاقات الاقتصادية, بل والسياسية, إذا قبلنا حكم المنطق وابتعدنا عن المجاملة التي تدعي ان مثل هذا الانفتاح على العدو لا يؤثر على علاقات الأردن العربية!! وبدءًا نذكر بان ميناء حيفا يطرح كبديل لميناء العقبة, والدليل انه حتى البضائع القادمة من جنوب أفريقيا إلى الأردن تم استيرادها خلال الأشهر القليلة الماضية ــ فور الاعلان عن هذا الاتفاق ــ عبر ميناء حيفا وليس ميناء العقبة, رغم ان الثانية أقرب للمصدر, وهذا يعني بالنتيجة القضاء على ميناء العقبة الذي تم انشاؤه في بداية الخمسينات لأهداف (استراتيجية) سياسية وعسكرية, اضافة إلى الهدف التجاري الاقتصادي البحت, كما تقول النصوص الأردنية الرسمية آنذاك. فهل يعني خنق ميناء العقبة الوطني لصالح ميناء حيفا الذي تحتله اسرائيل, تغيرا بهذا العمق وهذه الجذرية في (استراتيجيات) الأردن منذ توقيع اتفاقية وادي عربة؟!! وأول ضرر استراتيجي يتمثل في الأمن الغذائي للأردن وفي أمنه المعيشي عامة بكل أشكاله وتجلياته, بدءا بالحاجة للغذاء والدواء وانتهاء بالحاجة لقطع الغيار وضرورات تشغيل كافة المرافق الحياتية الحيوية, أي أنه باختصار وسيلة لتسهيل حصار الأردن ولو لفترة زمنية محددة, ذلك ان تغيير مصادر ووسائل الاستيراد لا يتم بين يوم وليلة. ولو قررت اسرائيل قطع شريان الحياة عن الأردن في لحظة ما فإن معنى هذا حرفيا ان الأردنيين سيجدون أنفسهم في حال قريب من حال العراقيين حاليا. ولا يخفى على أحد ان اسرائيل قبل ان تقوم بخطوة كهذه ولتحقيق غاياتها من خطوة كهذه, ستتخذ خطوات أخرى سابقة تجعل طرق البدائل, ولو عبر الحدود البرية العربية أقل توفرا, وذلك عن طريق صلاتها الدولية وسيطرتها على القرار الأمريكي المسيطر على معظم القرارات الدولية. والدارس لتفاصيل السنوات السابقة لحصار العراق, أي لأواخر الثمانينات وأوائل التسعينات يعرف كيفية إحكام الطوق على العراق ــ ومثله أي قطر عربي ــ من قبل أمريكا واسرائيل, قبل إقفاله!! والجزء الأوضح في حجم خطر الحصار والتجويع والتركيع للأردن يتمثل في حتمية غياب المخزون الاستراتيجي من أية مادة أساسية عند اعتماد ميناء حيفا كمصدر لاستيراد تلك المادة, وليس هذا فحسب, بل وسيطرة الصهاينة على حجم ذلك المخزون, ذلك ان الاستيراد بالجملة سيتضاءل دوره أردنيا, وسيحل تاجر المفرق محل المستوردين الأردنيين الرئيسيين, وهذه حتمية اقتصادية يمليها أمران, أولهما: انخفاض كلفة المستورد الاسرائيلي عن كلفة المستورد الاردني لأن الأول قادر على الحصول على تسهيلات أكبر بحكم الكميات الأكبر التي يستوردها عند توسع اسواقه باضافة السوق الأردني, اضافة إلى خفض تكاليف الخزن الأوسع والنقل الأسرع عبر حيفا لمعظم التجمعات السكانية الكبرى في الأردن والواقعة في الشمال والوسط, بينما ميناء العقبة في أقصى الجنوب, والأمر الثاني هو ان الأردن قد اتجه نحو (الخصخصة) , أي نحو تحكيم اقتصاديات السوق والعرض والطلب, وزاد على هذا بطلب الانضمام (للجات) وقبول شروط (العولمة) والتمهيد لها بما أسماه ــ في محاولة تجميل اجراءاته واخفاء وجهها البشع ــ بقوانين الاستثمار التي أقر معظمها في مجلس نواب يجمع الجهل الاقتصادي والسياسي إلى الاختراق والتزوير الذي قام به وعليه, وقانون منع الاحتكار الذي سيقر أيضا كما يقر أي شيء قادم من الحكومة في ذلك المجلس!! ولا تضمن هذه القوانين والاجراءات أية حماية للمستهلك الأردني أو أية ميزة قائمة على ذات القواعد ــ أي قواعد العرض والطلب ــ ذلك انه بعد استتباب الوضع للشركات الاسرائيلية لتحل محل الشركات الأردنية والمستورد الأردني الرئيسي, فإن التحكم سيبدأ بسعر المفرق الواصل إلى المستهلك الأردني بما يخدم أي هامش ربح يريده المستورد الاسرائيلي, أو يخدم ماهو أهم, ألا وهو المصالح السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية لاسرائيل ضمن مخطط أبعد وأخطر. ومقابل الاستيراد هنالك الخطر الذي يتهدد التصدير وهو خطر فوري سيبدأ, بل وقد بدأ فعلاً, مع ورود أول البضائع عبر حيفا. وإذا علمنا ان معظم صادرات الأردن الرئيسية هي من المواد الخام, وخاصة الفوسفات والبوتاس, فمعنى هذا ان الأردن يعتمد على البواخر ذات الحمولة الكبيرة. وحين لا تعود ترد إلى ميناء العقبة بواخر ذات حمولات كبيرة, فإن كلفة التصدير عبرها, أو حتى فرصه سوف تتراجع ان لم تنعدم. والنتيجة الحتمية ان هذا التصدير أيضا سيربط بميناء حيفا. ومعنى هذا ان الأردن لن يقيد في وسائل وامكانية صرف مدخوله كل ضرورات الحياة والأمن فيه, بل ان مدخوله هذا قابل للايقاف أيضا, أو للتحكم به بأكثر من وسيلة. وهذا يوازي في الأردن منع تصدير النفط في العراق ولا يقل عنه خطورة!! وإذا جئنا لتفاصيل الوضع الاقتصادي الأردني المتدهور أساسا وانتشار الفقر والبطالة فيه وتراجع نسبة النمو إلى أقل من واحد بالمائة, وانتشار الفساد وسوء الادارة الحكومية إلى حد اخفاء تلك النسبة عمداً والكذب بشأنها.. فإن وقف النشاط الاقتصادي الوطني القائم في العقبة لصالح النشاط الاسرائيلي في حيفا, معناه تدمير الاستثمار في كامل قطاعات النقل والتجارة والتخزين وحتى الانشاءات والسكن واستثمار الأراضي وتطويرها, في كامل منطقة العقبة, مع كل ما يتبع هذا من هدر لرساميل وطنية وإتلاف لموجودات تم دفع قيمتها بالعملة الصعبة, وتسريح لأعداد ضخمة من العمالة الأردنية في وقت وصلت فيه البطالة ما فوق الخط الأحمر فباعتراف الحكومة, تجاوزت البطالة في الأردن نسبة الـ 27%, والواقع انها تجاوزته بكثير!! وغني عن القول ان مثل هذا الاضرار وهذه عينات منه فقط لاغير باقتصاد وأمن دولة عربية هو جرح في الجسم العربي بأكمله, وان أثاره المستقبلية, السياسية والاقتصادية وحتى العسكرية خطرة للغاية ويصعب التنبؤ بها كافة الآن. ولكن نتيجة واحدة مباشرة تعطي مؤشرا واضحا, وهو أثر هذا الاجراء في احكام وابقاء الحصار على العراق, فقد سبق لأمريكا ان فرضت حصارا على ميناء العقبة لا يزال قائما لاحكام حصارها على العراق. وسبق للأردن (الرسمي) انه قبل بهذا الحصار, بل وتم قمع الجماهير الأردنية التي حاولت الخروج في مسيرات ترفض هذا الحصار وبذل في هذا المجال جهد ومهارة ونفقات وتمت المجازفة بمزيد من الانفصام والعداء ما بين الشعب وما يفترض انه أجهزة الدولة التي تقوم على أكتاف هذا الشعب وخاصة أجهزتها الأمنية.. وكل هذا يمكن ان يتكرر وبشكل أسهل إذا أصبحت حيفا موضع البحث وليس العقبة, أي ان الارادة الشعبية الأردنية, وهي التي بقيت وحدها نظيفة وبعيدة عن أيدي الصهاينة التي امتدت إلى كل شيء بعد توقيع وادي عربة, هذه الارادة ستصبح مكبلة بأكثر مما هي الآن, إن لم نقل مشلولة تماما في أكثر من شأن, وفي الشأن العملي التطبيقي بالذات!!! والأردنيون الذين جعلهم القدر على ثغر من ثغور هذه الأمة يعتزون بهذا القدر ولا يشكون منه, ولكنهم يخشون أشد ما يخشون ان تؤتى هذه الأمة أكثر فأكثر, من قبلهم !!