في خريف ,1977 وبعد عشرة أشهر من المطاردة, قبضت عليّ الشرطة لأجد نفسي في أحد عنابر سجن ليمان أبي زعبل, بين فريق من المتهمين مثلي بالتحريض على مظاهرات الطعام التي حدثت في 18 و19 يناير من ذلك العام, كان معظمهم من الطلبة .. ولاحظت انهم رغم مرحهم, وربما بسببه يشيعون جوا من الفوضى في مرافق العنبر, وحياته الاجتماعية, فهم لايكفون عن الضجيج والجري, حتى ساعات متأخرة من الليل, بصرف النظر عن حاجة الآخرين, للنوم أو القراءة, ولايكفون عن تبادل السباب فيما بينهم على سبيل المزاح, بعبارات وألفاظ بذىئة. وما كاد يحل عليّ الدور لكي أتولى خدمة العنبر, حتى أعلنت أن يوم نوبتجيتي ـ الذي يأتي مرة كل 15 يوما ـ سيكون يوما للأخلاق الحميدة وأنني أرجوهم أن يمتنعوا خلال هذا اليوم فقط, عن تبادل الألفاظ البذيئة, وأن يتعامل كل منهم مع الآخر بتهذيب ويحترم حقه في الراحة, وحريته في أن يتسامر مع من يشاء في جو هادئ, وعلى سبيل التذكرة, رفعت شعارا ظللت أردده طوال اليوم, بطريقة اعلانات التلفزيون, يقول (يوم واحد للأخلاق الحميدة .. لا يضر القلب ولا المعدة) . وأردت أن أهيئ مناخا لنجاح يوم الأخلاق الحميدة, فاستيقظت مبكرا, ونظفت الحمام ودورة المياه والمطبخ, وأعدت ترتيبه, وخدمني الحظ فوجدت عددا من معلبات الكاكاو واللبن وعسل النحل والخضروات والأجبان والعصائر, كانت ملقاة بإهمال, وقد نسيها الجميع, بسبب الفوضى التي يعيشون فيها, وفي الثامنة أيقظت الزملاء بهدوء, ليجدوا افطارا دهشوا لتنوع أصنافه, فهتفوا بحياة يوم الأخلاق الحميدة, وعادوا من طابور الفسحة ليجدوا العنبر مكنوسا وممسوحاً ومنسقا وليجدوا تل الأحذية الذي كان يشغل أحد أركانه, قد رتب في صفوف متراصة, وبعد نصف ساعة كان أمام كل منهم كوب من الكاكاو باللبن. ومرت ساعات (يوم الأخلاق الحميدة) بين خدمة ممتازة شملت غداء وعشاء فاخرين, وحوافز تصرف لأول مرة من الميزانية العامة للعنبر كان من بينها سيجارة للمدخنين, وحبة فاكهة لغير المدخنين, وكوب شاي اضافي في العصر للجميع, ومن ناحية أخرى التزام صارم بأدب الخطاب, وصل إلى حد المبالغة, فالزملاء لا يتنادون إلا بعبارة (يا باشا) أو (يا مون شير) أما العبد لله, فهم لاينادونه إلا بعبارة (يا إكسلانس) ! ومع أنني أدركت أن هذه المبالغة تتضمن في ثناياها سخرية مما يجري ولاحظت ان آخرين كانوا ــ كلما مررت بهم ــ يتبادلون الهمس ويتضاحكون, واستنتجت أنهم ينفسون عن أنفسهم بتبادل بعض الشتائم, وان صبرهم على الالتزام بالأخلاق الحميدة, يوشك على النفاد, إلا انني وجدت من الحكمة أن أتجاهل ذلك, حتى ينتهي اليوم على خير, أو على أخلاق حميدة! على أنني ما كدت اكتشف ــ بعد العشاء ــ انهم انتهزوا فرصة غيابي عن العنبر, فسطوا على المخزون الاستراتيجي من العصائر والكاكاو, الذي كنت أنوي أن أصرفه لهم مكافأة على التزامهم بالأخلاق الحميدة طوال اليوم, وما كدت أجد فوطة وجهي الضائعة ملقاة على صفوف الأحذية, وقد مسح بها أكثر من واحد حذاءه, حتى استفزني الغضب, بعد يوم طويل من العمل الشاق, فوقفت على باب المطبخ متسائلا عن الزميل غير المحترم الذي فعل ذلك, وامام تجاهلهم للسؤال الذي كررته أكثر من مرة, تصاعد غضبي, فما كاد أحدهم يقول لي بهدوء: خلي أخلاقك حميدة (يا إكسلانس) حتى انفجرت, في فاصل من الردح ولعنت سنسفيل جدودهم, واسمعتهم طائفة من الشتائم البذيئة, هللوا لها, إذ كانوا ــ كما اكتشفت فيما بعد ــ قد تراهنوا فيما بينهم على استفزازي, لكي أكون أول من يخرج عن الأخلاق الحميدة, وجاهروا لأول مرة, بما كانوا يتهامسون به من خلف ظهري طوال النهار (خالتك اسمها حميدة يااكسلانس) . تذكرت هذه الواقعة في ختام ثلاث حلقات تلفزيونية, من برنامج (يا هلا) ــ الذي تقدمه (د. هالة سرحان) في محطة الايه - آر - تي الفضائية اشتركت فيها مع آخرين من الصحفيين والفنانين ورجال القانون والأطباء النفسيين, ودارت حول ظاهرة الكتب العشوائية التي انتشرت أخيرا في أكثر من عاصمة عربية, على رأسها القاهرة. والكتب العشوائية ــ وحق التسمية للبرنامج التلفزيوني ـ هي نوع من الكتب السريعة, التي تصدر حسب التساهيل, وتؤلف وتطبع وتنفد خلال اسابيع, ومنها كتب تدعي انها من كتب التراث, وتضع على اغلفتها اسماء مؤلفين ينتمون للقرون الوسطى, ويدعون انهم من علماء الازهر, تعتمد على اقوال مدسوسة او ناقصة, او افكار متخلفة, وتشيع نوعا من التدين يعتمد على الخرافات والاساطير, ويغيب عقل قارئه, بل ويعمل على ارهابه وتخويفه من الحياة, ويؤهله لاعتناق الافكار المتطرفة, وتدور حول موضوعات من نوع اهوال القيامة وعذاب القبر ونعيمه ولدغة الثعبان الاقرع. ومن بينها كتب تهتم بالسحر والشبشبة, وفتح المندل وضرب الرمل وقراءة الفنجان, واحضار الجان وصرفه وتسخيره, والزواج منه, وقهر العفاريت, يؤلف بعضها دجالون ينشرون على صفحاتها أنباء المعجزات الطبية التي قاموا بها في مجال علاج الامراض المستعصية بالقرآن الكريم, ويعلنون في ثناياها عن عناوين عياداتهم التي تستعين بفريق من الجن المؤمنين يزيدون على ملياري عفريت سوبر ستار, مزودين بأشعة الليزر والموجات فوق الصوتية ويهدون قارئها على سبيل الدعاية عدة وصفات مجانية من السحر العجيب الذي يجلب الحبيب ويحل المربوط, ويفسد العمل الشرير. وليس هناك عمل اشر من تأليف هذه الكتب, الا تأليف الكتب التي تتخصص في نشر الفضائح الجنسية والاخلاقية للفنانين والفنانات, وهي اكثر انواع هذه الكتب العشوائية رواجا, حتى ان بعضها قد طبع عشر طبعات خلال اعوام قليلة, وقد اتعسني أن أتعرف خلال هذا البرنامج التلفزيوني, الى عدد من مؤلفي هذه الكتب, فاذا بهم من شباب الصحفيين الذين تحولوا الى مؤلفين عشوائيين لهذه الكتب العشوائية, تحت اغراء ناشرين عشوائيين مثلهم, بحثا عن المكاسب المالية الضخمة التي يحققها الطرفان من تأليفها ونشرها. وهي كتب ترتكب جنح وجرائم قانونية واخلاقية لا اول لها ولا آخر, فهي تنصب على القارىء وتدلس عليه, وتستولى على نقوده دون وجه حق, فالكتاب الضخم الذي يقع في 200 صفحة, يتخمض عن 50 صفحة من الكتابة, تصف ببنط العناوين لتحتل ثلاثة اضعاف مساحتها, ولا تحتوي الا على اخبار سبق نشر معظمها في الصحف, اما الباقي فهو ورق ابيض وصور من الافلام والمسرحيات. والعنوان المثير الذي يتصدر الغلاف لا علاقة له على الاطلاق بما يتضمنه الكتاب ولا توجد كلمة واحدة عن الفنانات اللواتي تحتل صورهن الغلاف في محاولة لايهام القارىء ان المؤلف العبقري قد دخل غرف نومهن وجلس تحت اسرتهن ليؤلف كتابه اثناء ممارساتهن لمباذلهن الجنسية. وهي كتب يمليها خيال مريض لشخصيات ملوثة تسعى لتلويث كل شيء.. وكل شخص ولا هم لهم سوى جمع المال من اي سبيل, وهم لا يجسرون على نسبة واقعة واحدة لشخص محدد, حتى لا يقعوا تحت طائلة القانون, لذلك يكتفون بالحروف الاولى من الاسماء أو بتلميحات يفهمها القارىء دون عناء, ويمكن ان يفهمها القاضي كذلك فيحكم عليهم بالسجن لولا ان الدعوى العمومية في مثل هذا النوع من القضايا لا تتحرك الا بناء على شكوى من المتضرر, وهو ما يعزف عنه الفنانون حرصا على عدم وجع الدماغ. ولا احد يعرف لماذا تسكت نقابة الصحفيين على اعضائها الذين يؤلفون هذا النوع من الكتب مع انه يتضمن مخالفة صريحة للقانون ولميثاق الشرف الصحفي, الذي يحظر التعرض للحياة الخاصة للمواطنين. او استغلال حياتهم الخاصة للتشهير بهم او تشويه سمعتهم, ولماذا يسكت اتحاد الناشرين على الذين ينشرون هذه الكتب ومعظهم ليسوا اعضاء فيه, ولماذا تسكت النقابات الفنية على هذا العدوان الفظ على اعضائها ولماذا لا تدخل في مفاوضات مع نقابة الصحفيين واتحاد الناشرين, لوقف هذه الموجة من الكتابات, التي تنتهك حرمة الحياة الخاصة للفنانين, والتي يتخذ منها المتربصون بحرية الصحافة والنشر ذريعة لاستصدار مزيد من القوانين التي تضيق على هذه الحريات, بل وتعصف بها. ما ادهشني واغاظني هو اعتقاد مؤلفي هذه الكتب بأنهم يمارسون حقهم الدستوري في النشر والتعبير, وادعاؤهم بأن الفنانين من الشخصيات العامة التي يجيز القانون التعرض لمسلكها الشخصي, وبصرف النظر عن ان احدا لم يعرف لأمثالهم رأيا او موقفا في اية قضية عامة, تتعلق بالحريات السياسية وانهم مما يفعلونه يحرضون على العصف بهذه الحريات, فان ما يقولونه يؤكد ان جهلهم بالقانون يفوق جهلهم بقواعد التأليف, ذلك ان قوانين النشر المعمول بها في كل البلاد العربية تأخذ بمبدأ الحق في الخصوصية, وتصون حرمة الحياة العائلية, وتحمي الحرية الشخصية ولا تجيز نشر اسرار الاشخاص او العائلات او التشهير بهم, وهذه القوانين لا تعرف شيئا اسمه (الشخصية العامة) ولكنها تعرف فقط الموظف العام او المكلف بخدمة عامة او الشخصية النيابية العامة, وهذا الموظف العام وحده, هو الذي يجيز القانون التعرض لمسلكه الشخصي وبشرط ان يكون لهذا المسلك صلة وثيقة بعمله! اما الذي استفزني قبل ان يضحكني فهو زعم هؤلاء المؤلفاتية الاوغاد, أنهم يقاومون الفساد, وانهم يدافعون عن الفضيلة, ويؤلفون كتبهم ليعظوا الفنانين, وقد ذكرتني هذه الطريقة (في الدعوة للفضيلة بممارسة رذيلة النميمة والافتراء على عباد الله) بواعظ في بلدنا كان يعظنا فيصرخ في وجوهنا.. (أتزنون وتسرقون وتبصبصون للنسوان. وعاوزين تروحوا الجنة.. يا أخي الله يلعنكم..) وما كاد احدهم يقول انه يؤلف هذه الكتب دفاعا عن سمعة الوطن ومقاومة للفساد, ونشراً للاخلاق الحميدة, حتى هممت بأن ارد عليه, بذلك الفاصل الذي انهيت به, يوم الاخلاق الحميدة في مثل هذه الايام منذ عشرين عاما, اختمه بعبارة (خالتك اسمها حميدة يااكسلانس) !