في خطوة يمكن القول انها كانت متوقعة, أعلنت الولايات المتحدة الأمريكية التأهب الأمني في سفاراتها وبعثاتها حول العالم في اطار محاولة لمواجهة ما تصفه الأوساط الأمريكية احتمال عمليات ارهابية ضد أهداف أمريكية عقب عمليتي تفجير السفارتين الأمريكيتين في كل من نيروبي عاصمة كينيا, ودار السلام عاصمة تنزانيا, والتي ذهب ضحيتها آلاف من الجرحى والقتلى . وبطبيعة الحال, فإن للخطوة الأمريكية ما يبررها من معطيات, لكن ما يرافقها من تصريحات أمريكية يجعل منها خطوة غير ذات معنى ودون فائدة. إذ هي تتشابه في هذا مع كل حالات التأهب الذي تعلنه وتنفذه الولايات المتحدة في أعقاب أي عمل مسلح يصيب أية مؤسسة أمريكية في أنحاء العالم, والتي تترافق مع تصريحات تؤكد استمرار الولايات المتحدة في الحرب ضد الارهاب والارهابيين, واستعدادها لملاحقة وانزال العقوبة بمن يقومون بالعمليات الارهابية, وبمن يوفرون الدعم لهذه العمليات من الدول والجماعات والأفراد. ورغم ان عمليات التأهب والتصريحات الأمريكية تتكرر منذ سنوات طويلة, فإن عمليات الارهاب والعنف المسلح ضد المؤسسات والمصالح والبعثات الأمريكية تتكرر بدورها, وتتوزع في أنحاء العالم, لتصل داخل الولايات المتحدة نفسها, والتي لم يوقفها الحذر والتأهب وتصريحات كبار المسؤولين الأمريكيين. وإذا كان ذلك يعني شيئا, فإنه يعني بصورة أساسية ان التوجه الأمريكي, يمضي في اتجاه لا يعالج بصورة جذرية المسألة, بمقدار ما يحاول التعاطي مع ظواهرها, بل ان ذلك الأمر يعكس اصرارا أمريكيا يصل درجة الصلف والتشدد الأعمى لنهج القوة التي تعتقد الولايات المتحدة بقدرتها من خلال ممارسته على وقت ما تسمية بـ (الارهاب) وعملياته المدمرة. وعموما, فإن نهج القوة لدى الإدارة الأمريكية يجد له سندا وامتدادا في سياسة الولايات المتحدة على الصعيد العالمي, بل لعل ذلك أحد سمات السياسة الأمريكية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية, والتي استعملت فيها واشنطن القنبلة الذرية ضد اليابان مدشنة في ذلك نوعا من القوة الذرية, قد لا يتكرر سوى مرة واحدة ويدمر العالم. وقد تواصلت سياسات القوة في الممارسة السياسية الأمريكية عبر العالم, وكان بين محطاتها الهامة والمميزة, تدخلها في الهند الصينية والتي قادت إلى حرب امتدت أكثر من عشرين عاما ما بين أواسط الخمسينات, ووسط السبعينات, لم تنته إلا بهزيمة ساحقة للولايات المتحدة في فيتنام, وإلى ذلك النسق من سياسات القوة, تنتمي التدخلات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط, ومنها التدخل في لبنان وفي الأردن عام ,1958 ثم التدخل الأمريكي في نطاق القوات الأطلسية في لبنان عقب الاجتياح الاسرائيلي للبنان عام 1983 والتدخل الأكثر فجاجة كان في أفغانستان منذ عام ,1975 وقد فتح خراجا قد لا ينتهي من حياة أفغانستان وجوارها. والتدخلات الأمريكية ضد إيران معروفة, ولعل أبرزها عملية الانزال الفاشلة لانقاذ رهائن السفارة الأمريكية في طهران, وهي اضافة نوعية للتدخلات الأمريكية المبطنة في الحرب العراقية الايرانية 1980 ــ ,1987 وبعدها تقدمت الولايات المتحدة لقيادة تحالف دولي ضد العراق في حرب الخليج الثانية ,1991 وصولا إلى ذروة التدخل الأمريكي في الخليج, وقد يحتاج أمر تصفية هذا التدخل عقودا من السنوات. والتدخلات الأمريكية العنيفة والمسلحة, لم تقتصر على آسيا, بل امتدت إلى بلدان أمريكا, وصورة تدخل الولايات المتحدة الأخيرة في هاييتي, وتدخلها في بنما واعتقال رئيسها أورتيجا عميل الـ (C.I.A) بعد محاولة خروجه على الطاعة الأمريكية مجرد مثالان على تدخلات واشنطن في القارة الأمريكية. ولعل الأهم في أمثلة التدخل الأمريكي في افريقيا, التدخل بالصومال تحت لافتة الأمم المتحدة عام ,1992 وهو جزء من تدخلات ظاهرة ومخيفة جوهرها محاولة ازاحة بقايا النفوذ الأوروبي ولا سيما الفرنسي في القارة الغنية, والحلول مكانه. وبطبيعة الحال, فإن هذه التدخلات من شأنها أن تخلق أجواء عدائية لسياسة الولايات المتحدة عبر العالم. عداء يشترك فيه الآسيويون, والأفارقة, الأمريكيون, وربما الأوروبيون الذين يتأذون من سياسة الولايات المتحدة وتدخلاتها, وقد يدفع هذا أشخاصا أو تنظيمات من تلك الأصقاع لاعلان حرب على الولايات المتحدة وعلى مؤسساتها ومصالحها. وربما يؤدي واقع الحال بما فيه إلى تدخلات قوى وجهات ودول لها مصلحة مباشرة أو غير مباشرة في حرب الارهاب, ويمكن أن تكون اسرائيل وأجهزتها, بين الذين يمكن أن يقوموا بعمليات ارهابية من طراز اسقاط طائرة ركاب ليبية فوق سيناء. وبغض النظر عن عدالة تلك الحرب أو عدمها, فإن ما يفترضه العقل والمنطق, ومسؤولية الولايات المتحدة كدولة كبرى ونشطة في السياسة الدولية, أن تتوقف عند الظاهرة بمعطياتها دراسة وبحثا من أجل الوصول إلى حلول جذرية, تأخذ في الأبعد مصلحة العالم كله ومصلحة الولايات المتحدة, لكن ما يحصل خلاف ذلك, إذ تجدد واشنطن في أعقاب كل واحدة من عمليات العنف والارهاب عبر العالم الاعلان عن التأهب والحذر في سفاراتها وبعثاتها, ثم تضيف إلى ما سبق اعلانات حامية عن محاربة الارهاب, وتتبع رموزه, ومحركيه للاقتصاص منهم. وتعكس سياسة واشنطن بهذا الاتجاه حقيقة الصلف والغرور الأمريكي بامتلاك القوة والحقيقة في آن معا, وهي الأهم في ملامح نظام شمولي تخفيه واشنطن خلف واجهتها الديمقراطية, ووراء أحاديثها عن القيم الإنسانية وعن حقوق الإنسان. إن ما سيحصل الآن في تعامل الولايات المتحدة مع نتائج عمليتي تفجير سفارتي واشنطن في نيروبي ودار السلام يبدو معروفا, إذ سيتم دفن الضحايا وسط اتهامات تساق ضد العراق والمسلمين, مقرونة بمظاهر التأثر مختلطة بالصلف والغرور الأمريكي, ووسط استمرار التصريحات النارية الحافلة بالتهديد والوعيد, وفي وقت تستمر فيه حالة التأهب والحذر, سوف يعاد بناء السفارتين المدمرتين ويضاف إليهما ــ وإلى غيرهما ــ المزيد من الاجراءات الأمنية تحاط بها البعثات والسفارات الأمريكية في العالم والتي كانت تتحول قلاعا, وكأن الناس من داخلها وخارجها مجرد وحوش, وكل هذه الاجراءات في ضوء التجربة الطويلة لن تؤدي إلى وقف الأعمال الارهابية, ولن توقف مسلسل الموت الذي يحصد عشرات بل مئات, وربما آلاف من القتلى والجرحى من الأمريكيين وغيرهم من الناس الأبرياء الذين تستغل واشنطن دمائهم لمواصلة صلفها وغرورها وسياستها الشمولية في العالم كله. وتبدو الحاجة ملحة الآن وبعدما حصل في نيروبي ودار السلام لاعادة طرح القضايا والموضوعات المتصلة ليس بموضوع الارهاب في حقيقته وخلفياته, بل من أجل طرح موقف الولايات المتحدة من الموضوع, طبقا لما تفهمه, وعلى نحو ما ترسم سياستها حياله, وفي الموقف الدولي العام من موضوع الارهاب.