احتلت الأنباء الخاصة بتركيا مساحة كبيرة من اهتمام الصحافة الدولية والعربية في الشهور الاخيرة, احياناً لأسباب تتصل بشؤونها الداخلية, واحياناً اخرى بسبب مواقفها الاقليمية والدولية, على المستوى الداخلي, كانت هناك الاحداث المتصلة باستقالة رئيس الوزراء أربكان, وحل حزب الرفاه , والتوترات التي حدثت في بين الجيش والقوى الاسلامية, والتي سعى الجيش لتحجيمها, وعلى المستوى الخارجي, كانت هناك القضايا المعلقة بشأن توزيع المياه بين تركيا وكل من سوريا والعراق, ودخول القوات التركية ــ أكثر من مرة ــ الأراضي العراقية لتعقب أنصار حزب العمال الكردستاني, ثم توتر العلاقات التركية ــ اليونانية بشأن قبرص. ولكن ربما كان اهم تطور, في السياسة الخارجية التركية, اثر على العلاقات مع العرب, هو اتساع دائرة التعاون العسكري والاستراتيجي مع اسرائيل, وقيام الدولتين بمناورات مشتركة في البحر الابيض المتوسط, بمشاركة امريكية وحضور الأردن بصفة مراقب. وقد أثار هذا التطور ردود فعل عربية متفاوتة: فالبعض, وصل الى القول وبوجود تحالف تركي ــ اسرائيلي, وان مثل هذا التحالف لا يمكن الا ان يكون مناهضاً للمصالح العربية, والبعض الآخر, وصل الى ان هذا التعاون التركي ــ الاسرائيلي له دوافعه المرتبطة بالمصالح التركية, وان على العرب عدم الاندفاع الى خصومة مع تركيا, حتى لا تضطر الى الاقدام على مزيد من الخطوات في تعاونها مع اسرائيل. ولعل زيارة الرئيس ياسر عرفات الاخيرة الى تركيا, وما تضمنه البيان المشترك من تأكيد على الالتزام التركي بحقوق الشعب الفلسطيني هو تعبير عن هذا الاتجاه. والحقيقة, اننا عندما نتحدث عن العلاقات التركية ــ العربية, فان علينا ان نتحرك في افق تاريخي ارحب, فعندما يأتي اسم تركيا, يتداعى الى الذهن مجموعة متنوعة ومختلطة من المشاعر والأحاسيس, فهي من ناحية, وريثة (الدولة العثمانية) وهي (الدولة العلية) التي دانت اغلب البلاد العربية لسلطانها بالولاء لقرون عديدة, وهي (دولة جوار جغرافي) وبحكم هذه الصلة نشأت علاقات ومشكلات بينها وبين أطراف عربية مجاورة وهي الدولة التي يتدفق منها الجزء الأكبر من مياه سوريا والعراق. ثم انها دولة ذات وزن اقتصادي, وسكاني, وعسكري مؤثر في المنطقة, لذلك, ليس من الممكن للمحلل السياسي العربي ان يقلل من أهمية الدور التركي في السياسة الاقليمية, ولعل مفتاح فهم تركيا الحديثة يتمثل في أزمة الهوية, أو (البحث عن الذات) , التي نشأت منذ الغاء الخلافة العثمانية, واعلان العلمانية كايديولوجية رسمية للنظام الجمهوري الذي أقامه أتاتورك (أبو الاتراك) لقد أقام كمال أتاتورك سداً منيعاً بين حاضر تركيا وماضيها, وسعى الى الهدف, اتخذ مجموعة من الاجراءات القسرية, مثل: تغيير حروف كتابة اللغة التركية, فحولها من العربية الى اللاتينية, كما فرض لبس القبعة والتشبه بالدول الغربية في سائر مظاهر الحياة. وارتبط ذلك بحملة لاغلاق المساجد, وحث الجيل الجديد على عدم ممارسة الطقوس الدينية. وتحت سطوة القانون والسياسة, قام النظام الجديد بتغيير مظاهر الحياة الخارجية, بهدف دمج تركيا ضمن المجتمع الأوروبي, لذلك لم يكن من الغريب ان تشارك تركيا في حلف شمال الاطلسي, وان تكون جزءا من منظومة (دول الحزام الشمالي) الذي اقترحته الولايات المتحدة, كاطار للدفاع عن الشرق الأوسط, في بداية حقبة الخمسينات, وهو الاطار الذي ضم: تركيا, وايران, وباكستان, وان تصبح عضوا مؤسسا في حلف بغداد عام 1955, وان ينتقل مقر الحلف الى انقرة, بعد قيام الثورة العراقية في يوليو 1958, كما لم يكن من الغريب ان تسعى تركيا الى الانضمام الى الاتحاد الأوروبي, وان تعمل على دمج نفسها في القارة الأوروبية, وهو الهدف الذي ظل من الأهداف الرئيسية لسياستها الخارجية. ولكن الأمم ليست مثل قطع الشطرنج, يستطيع لاعبوه ان يحركوا أماكنها كيفما يشاءون, وهي ايضاً ليست كموارد رخوة, يمكن اعادة تشكيلها حسب الأمزجة والاهواء, فلكل امة ذاكرتهاالتاريخية المرتبطة بماضيها, كما ان لكل منها قيمها الاجتماعية, ومعاييرها الاخلاقية, التي نشأت وتبلورت عبر فترة طويلة من الزمان, وتتطلب وقتا مماثلاً لكي تتغير, وحتى اذا توارت هذه القيم لفترة طويلة فانها تظل كامنة في الافئدة والقلوب, تنتظر الفرصة المناسبة للاعلان عن ذاتها. وهذا هو ما حدث في الاتحاد السوفييتي السابق, الذي مارس ــ لسبعين سنة ــ سياسة منظمة ضد الاديان والقوميات, ولكن بمجرد ان سقطت قوة القمع, التي كانت وراء هذه السياسة, اتضح افلاسها, وبرزت الاديان والقوميات في روسيا, ودول الكومنولث الاخرى, بشكل جلي وواضح. نفس الظاهرة حدثت في تركيا لأسباب مختلفة. كان منها, رفض أوروبا, اعتبار تركيا المسلمة دولة كاملة الأهلية للانضمام الى الأسرة الأوروبية, وكان منها, ادراك جزء من النخبة السياسية التركية للبعد العربي والاسلامي كاطار أوسع لحركتها الاقليمية, فساهمت في اجتماعات وأنشطة منظمة المؤتمر الاسلامي, ونشأ بداخلها عدد من الجمعيات الفكرية والسياسية التي تهدف الى بعث الوجه الاسلامي للوطن والأمة, ولقد ازداد شأن هذه الحركات, فانتخب عمدة كل من انقرة واسطنبول من حزب الرفاه, وفي شهر يونيو 1997, اصبح اربكان رئيساً للوزارة, ولكن سرعان ما دخل في مواجهة مع القوات المسلحة ادت به الى تقديم استقالته, فيما وصفه الكثيرون بانقلاب صامت. ان المواجهة بين أربكان وما يمثله من توجه اسلامي, وقادة الجيش, تعبر عن الصراع القائم في أحشاء المجتمع حول هوية تركيا. فقد جعل كمال أتاتورك العلمانية احدى الركائز الاساسية للنظام الجمهوري وفقاً للدستور, وخول القوات المسلحة مسؤولية حراسة مبادىء وتعاليم الثورة, وقد أعطى هذا للجيش التركي ــ على خلاف أوضاع الجيوش في أغلب دول العالم ــ وضعاً أو دوراً دستورياً, مكنه من التدخل في الحياة السياسية وتغيير الحكومة القائمة في أي وقت, اذا ما رأى الجيش ان ما تقوم به يمثل تهديداً لأمن الدولة واستقرارها, او خروجا عن القيم الأساسية للثورة التركية. وقد حدث ذلك أكثر من مرة. وهكذا يتبلور طرفا المعادلة, دستور يقوم على العلمانية ويعطي للقوات المسلحة دوراً, وتغيرات تحدث في المجتمع تجعل ابناءه أكثر رغبة في التعرف على تاريخهم الاسلامي والاعتزاز به, وهذا ما يفسر حالة (الحرب الداخلية) الكامنة, احياناً تحت الرماد, والظاهرة احيانا اخرى, في أشكال علنية وواضحة. من ذلك مثلاً, ان قرار حل حزب الرفاه وحظر نشاطه, لم يكن القرار الأول من نوعه, بل لقد قام أربكان بانشاء اكثر من حزب بشكل متتال: فعندما تقوم الحكومة بحظر نشاط احد الاحزاب يقوم بتشكيل آخر, وهو ما حدث ايضاً هذه المرة, فقد تم حل حزب الرفاه, وفي خلال اسابيع قليلة, انشىء حزب آخر باسم حزب الفضيلة, ليحمل نفس الافكار والتوجهات. وفي هذا السياق, الذي يأخذ في الاعتبار احوال الواقع التركي الداخلي, ينبغي ان نتعامل مع الاتفاق الاستراتيجي الذي ابرمته تركيا في فبراير 1996 مع اسرائيل, والذي تضمن: القيام بتدريبات عسكرية مشتركة, وتقديم اسرائيل المعونة الفنية لتحديث القوات التركية, والتنسيق في مجال المعلومات والمخابرات, وقد عكس هذا الاتفاق التقاء المصالح بين البلدين فكلاهما يسعى لاحتواء سوريا واضعافها, ترغب تركيا في ذلك, بسبب اتهامها دمشق بتأييد المنظمات الكردية الداعية للانفصال عن تركيا, اما اسرائيل, فهي ترغب في اضعاف الموقف السوري في مفاوضات السلام. كما ان كلاهما يسعى الى اضعاف التنسيق الايراني/ السوري. اضف الى ذلك, سعي تركيا الى تحسين صورتها امام اعضاء الكونجرس الامريكي, الذين يتحدثون كثيراً عن ممارسات انتهاك حقوق الانسان في تركيا. ومما لا شك فيه, ان علاقة وثيقة بين انقرة وتل أبيب سوف تجعل وجهة النظر التركية تجد صدى اكثر ايجابية بين اعضاء الكونجرس الامريكي. وبالطبع, فان العلاقات التركية ــ الاسرائيلية, لا تبعث على الارتياح, ويمكن ان تشكل تغيراً حاسماً في البيئة الاستراتيجية لمنطقة الشرق الاوسط, ويمكن ان تعطي سلاح الجو الاسرائيلي امكانات اكبر للعمل ضد سوريا والعراق. وكل هذه امور محتملة وممكنة, ولكن الحيلولة دون حدوثها لا تكون بتوجيه الاتهامات لتركيا, او بشن حملات اعلامية ضدها, فمن شأن ذلك انهاء ما تبقى من المشاعر الطيبة, وايجاد جو من الاثارة والعداء المتبادل, الذي تستفيد منه اسرائيل بالأساس, والحل يكمن في التعامل الايجابي مع هذه التطورات, وايجاد شبكة من المصالح العربية/ التركية, التي سوف تكون حائلاً دون انفراد اسرائيل بمغانم العلاقات مع تركيا, ثم ان ذلك سوف يدعم القوى والتيارات الموجودة داخل تركيا, والتي ترى مستقبل بلادها في اطارهها الاقليمي, وفي ارتباط مع العرب.