موقعة الدكتور زويل التي عاشتها مصر طوال الأسابيع الماضية تصلح عنوانا لمرض خبيث أصاب حياتنا السياسية والثقافية والعلمية, وجعل كل القضايا تتحول ــ بقدرة قادر ــ إلى معارك شخصية يضيع فيها الهدف وتتوه الحقيقة ويختلط الحابل بالنابل . والدكتور أحمد زويل ــ إذا كنت تعلم حتى الآن ــ مواطن مصري تعلم في جامعة الاسكندرية وحصل منها على درجة البكالوريوس, ثم أوفدته الدولة في بعثة تعليمية لأمريكا حيث حصل على الدكتوراه, ثم أختار أن يبقى في أمريكا ولا يعود لجامعة الاسكندرية كما فعل زملاء له اختاروا الطريق الصعب. وفي أمريكا حقق زويل نجاحا باهرا في مجال (الليزر) استحق عليه تكريم بلده الثاني (أمريكا) وتكريم العالم كله. وقد عاد الرجل لمصر في زيارة طويلة لقي خلالها تكريما رسميا وشعبيا اعتبره البعض زائدا عن الحد, واعتبره البعض شيئا طبيعيا في زمن اختفت فيه الانجازات الوطنية والقومية, وأصبحت الأمة تتعلق بأي إنجاز فردي تثبت به كفاءتها. وبرغم أن زويل زار اسرائيل قبل ذلك وقبل التكريم فيها, وهو ما اعتبره الكثيرون سقطة من العالم الشهير, ووجد له الآخرون العذر في أنه يتصرف كمواطن أمريكي يريد أن يواصل طريقه الناجح ويعرف سطوة اليهود والصهاينة على مراكز القرار في كل المجالات الأمريكية. والنتيجة أن (السقطة) الاسرائيلية لم تلق بظلالها على زيارة القاهرة, ومع ذلك فإن خلافات أخرى برزت على السطح وتركت آثارها على الزيارة بسبب سوء التخطيط وغياب الهدف. لقد تركزت الزيارة على الإشادة بالدكتور زويل وإبراز إنجازه العلمي الكبير. واعتباره مثلا للعلماء المصريين وما يستطيعون تحقيقه إذا توافرت لهم الإمكانيات العلمية والمناخ المناسب. لكن المغالاة في هذا الجانب الاحتفالي حجب الجوانب الأخرى التي كان لا بد من التعامل معها خلال هذه الزيارة: - كان المفروض أن تكون الزيارة مناسبة لإشاعة مناخ من التفكير العلمي, ومهرجان للثقافة العلمية التي تفتح أبواب المستقبل أمام أجيال جديدة لا بد أن تدرك أنها بغير العلم لن يكون لها مكان في العالم الجديد. وكان المفروض أن تكون الزيارة مناسبة يتصدى فيها العلماء لأفكار الجهالة التي تنتشر بين الناس, ولهؤلاء الذين يريدون رد المجتمع إلى ظلام الجاهلية, وكان لابد أن توضع كل الامكانيات الثقافية والإعلامية لاستثمار الزيارة في هذا المجال, ولكن شيئا من هذا لم يحدث لسوء الحظ. - وكان من المفروض أن تكون الزيارة مناسبة لبحث كيفية إقامة أوثق الروابط مع العلماء المصريين في الخارج, ومن بينهم نوابغ في كافة المجالات, وبعضهم لا يقل مكانة عن الدكتور زويل في مجال تخصصهم, وهم ثروة نستطيع الاستفادة بها إذا عرفنا كيف نربطهم بوطنهم الأول, وكيف نيسر أمامهم سبل التعاون مع علماء الداخل دون تعقيدات وبعيدا عن البيروقراطية المكتبية. - وكان المفروض ان تكون الزيارة مناسبة لتفجير قضية البحث العلمي في مصر باعتبارها واحدة من أخطر القضايا التي تحدد مصير مصر والعرب في مستقبل لن يتكلم إلا لغة العلم, خاصة وقد جاءت الزيارة مع اذاعة التقرير الهام الذي أعده الدكتور نادر فرجاني عن الفجوة الهائلة والتي تتسع يوما بعد يوم بين اسرائيل والدول العربية في مجال العلوم والتكنولوجيا, والأرقام المفزعة في هذا المجال تغني عن أي حديث.. فاسرائيل هي الثانية بعد الولايات المتحدة من حيث معاهد الأبحاث والعلوم وشركات الكومبيوتر, وصادراتها من الالكترونيات بلغت أرقاما قياسية, وهي متفوقة على العالم العربي في براءات الاختراع والعلامات التجارية, وما تنفقه على الأبحاث العلمية والتعليم تخجل منه الميزانيات العربية. كان المفترض ان تكون هذه هي قضية القضايا التي تشغلنا, وأن تكون زيارة د. زويل مناسبة لإلقاء المزيد من الضوء على هذه الفجوة العلمية الهائلة وكيفية تجاوزها, وعلى مشاكل البحث العلمي عندنا وكيفة التعامل معها. ولكن شيئا من ذلك لم يحدث , واكتفينا بهوجة الترحيب بزويل, ثم الهجوم عليه, وببعض المقالات التي لخصت بحث الدكتور فرجاني, دون ان نسأل أنفسنا: ما العمل؟ وكيف يتغلب البحث العلمي على محنته في عالمنا العربي؟ - وكان المفروض ان تكون الزيارة فرصة لتكريم العلم والعلماء المصريين, وتسليط الأضواء على انجازاتهم.. خاصة هؤلاء الذين عملوا في أصعب الظروف في جامعات مصر ومراكزها البحثية, حيث الامكانيات القليلة والعقبات التي لا يقهرها إلا أصحاب الهمم العالية والروح المتجردة والاحساس الوطني الدفاق. ومع ذلك انجزوا وأبدعوا وابتكروا ووضعوا أسماءهم في طليعة علماء العالم كل في مجاله. لقد قارن العديدون بين انجاز الدكتور زويل وبين انجاز الدكتور غنيم الذي أقام واحدا من أعظم مراكز الكلى في العالم ببلدته (المنصورة) ووهب له جهده وعلمه وحياته, ويقينا فإن لدينا المئات وربما الآلاف من أمثاله ــ ولكننا لا نسمع بهم في زمن تنشغل فيه وسائل الاعلام عندنا باعتزال الراقصة دينا وبحجاب المطربة منى عبد الغني وبأهداف الكابتن عبد البديع في كرة القدم. كانت هذه فرصة لتكريم هؤلاء العلماء الأفذاذ, ولتسليط الضوء على انجازاتهم, ولتجميع عقولهم في كيان يخطط لنهضة علمية حقيقية .. ولكن ذلك أيضا لم يحدث. --- وتبقى نقطتان هامتان قبل ان ينفض المولد, ويعود كل شيء كما كان, وننسى حديث العلم والعلماء.. - النقطة الأولى.. ذكرها الدكتور زويل نفسه عندما أشار إلى الحاجة إلى (قاعدة علمية) قوية تكون هي أساس النهضة في البحث العلمي. فهذه النهضة لا يصنعها فرد واحد يلمع هنا أو هناك, ولا يقوم بها بعض العلماء النابهين مهما بلغوا من علم, وإنما النهضة تقوم حين تكون هناك قاعدة واسعة من العلماء تتيسر لهم وسائل البحث, وتتضح أمامهم الأهداف ويظلل عملهم مناخ علمي سليم. ولدى مصر الفرصة لتصنع ذلك بلا شك, لو أخلصت النوايا واتحدت الجهود, وتوافرت الامكانيات المطلوبة. - والنقطة الثانية.. تتصل بهذه الامكانيات التي لابد من توفيرها إذا أردنا ان نلحق بالعصر, فلقد سمعت بعد ذلك الاستاذ الدكتور مفيد شهاب وزير التعليم العالي في مصر يتحدث عن هذه القضية, ويوضح الجهود التي تتم في السنوات الأخيرة في هذا المجال, وكيف تضاعفت ميزانيات البحث العلمي, ومع ذلك فما زالت دون المطلوب بكثير. وقد دعا الوزير رجال الأعمال إلى المساهمة في هذا الواجب الوطني الذي يعود عليهم أولاً وعلى الوطن ثانيا بالكثير من الفوائد, ومع ذلك تبدو القضية أكبر من هذا كله.. أكبر من جهد الوزارة, ومن جهد رجال الأعمال, ومن الميزانيات القائمة أو المحتملة. انها قضية تمس أمن الأمة العربية, ومستقبلها, ووجودها في عالم تحكمه قوة العقل والعلم, ويعتمد على البحث العلمي, ويدرك أن حروب الغد يحكمها العلم, وسلام الغد يحدده العلم, ورخاء الغد لن يكون إلا بالعلم. إننا ــ من هنا ــ ندعو إلى انشاء صندوق عربي للبحث العلمي تساهم فيه كل الدول العربية القادرة, وتكون له مهمة محددة.. حشد الطاقات العلمية العربية المبعثرة حول مشروع للنهضة العلمية يستهدف ردم الفجوة بيننا وبين الآخرين, وخلق القاعدة العلمية المنشودة, واقتحام عالم الالكترونيات والكمبيوتر بالثقة المطلوبة, واعداد الوطن العربي للمنافسة التي ستفرض علينا والتي سيتحدد مصيرنا على نتيجتها. ولنتذكر أن أمريكا لا يهمها الخلاص من أسلحة العراق بقدر ما يهمها التخلص من 200 عالم عراقي تعرف أمريكا قيمتهم العلمية. ولنتذكر قصة المطاردة الطويلة على مدى أربعين عاما من اسرائيل ومن يساندونها لعلماء مصر في كل مكان, ولنتذكر أخيرا إن ما قدمناه من مساعدات للغير في السنوات الأخيرة كان كافيا لاحداث النهضة العلمية العربية المطلوبة. .. فليختلف العرب كما شاؤوا.. ولكن فلنتكاتف هذه المرة وراء هذا الهدف الاستراتيجي, وليجمع العلم ما فرقته السياسة, وليكن هذا الصندوق العربي لدعم البحث العلمي هو اعتذارنا للأجيال القادمة عما فعلناه, وعما لم نفعله !!