عاشت أمريكا اللاتينية لفترة طويلة فريسة للانقلابات العسكرية والدكتاتوريات التي كانت تدعمها الدول الاستعمارية الغربية لضمان استمرار سيطرتها على الثروات الطبيعية التي تحتويها أراضي تلك القارة البكر , وساعدت الحرب الباردة على استمرار هذا الوضع, الذي كانت نتيجته التخلف المستمر الذي أدى إلى ان يعيش سكان البلاد الأصليون (الهنود الحمر) بمختلف أجناسهم في حالة سكون تعود إلى عصور ما قبل التاريخ, ولا يزال جانب كبير من تلك الشعوب يعيش على الطبيعة البكر, بل أصبحت تلك الطبيعة البكر أيضا مهددة بسبب اصرار الشركات المتعددة الجنسية على القضاء على ما تبقى من تلك الطبيعة, لاستخدامها في تغذية احتياجات صناعات العالم المتقدم من المواد الخام التي تنتجها تلك البلاد, أو تحتويها أراضيها وغاباتها وأنهارها وجبالها. نظراً للنتائج السلبية التي خلفتها الانقلابات العسكرية والدكتاتوريات طويلة المدى, فإن زرع الديمقراطية على النمط الغربي في تلك البلاد خلال السنوات العشرين الأخيرة, لم يكن مقبولاً تماما, بل أجرى المشرعون في أمريكا اللاتينية على تلك الديمقراطية العديد من عمليات التجميل, التي تضمن عدم تكرار الانقلابات العسكرية والدكتاتوريات الطويلة المدى, رغم علم المشرعين باستحالة ذلك, بسبب ما تمثله الطبقة العسكرية في تلك المجتمعات من إرث قديم, من الصعب اقتلاعه من جذوره بسهولة. أصر المشرعون على ابعاد المؤسسة العسكرية عن المؤسسات الدستورية, وفصل الحكم المدني عن تلك المؤسسة مع منحها امتيازات معينة مقابل تخليها عن طموحها القديم في الحكم, ووضع المشرعون أيضا دساتير ديمقراطية تضمن عدم تكرار الدكتاتوريات المدنية, وذلك من خلال قصر فترة تولي الرئاسة لفترة واحدة, تنتقل بعدها إلى شخص آخر, ولا يمكن لرئيس الدولة ان يرشح نفسه لفترة تالية ما لم يقض دورة رئاسية كاملة بعيداً عن الحكم. رغم موافقة الأحزاب والطبقة السياسية (المحترفة) على هذا النظام رغم عيوبه العديدة, فإن بعض الشخصيات السياسية الطامحة إلى الزعامة على النمط الدكتاتوري القديم قررت استخدام النظام الديمقراطي للتمسك بكرسي السلطة, وقطع الطريق على من تسول له نفسه ابعادهم عنه. تجلى ذلك في محاولات الرئيس الأرجنتيني كارلوس منعم الذي استخدم فترة رئاسته الأولى في خرق القواعد التي يقررها الدستور لحماية السلطة المدنية من التطلعات غير الشرعية, وفي محاولاته هذه استخدم الأدوات الديمقراطية نفسها, أجرى استفتاء عام 1994 يعرف تماما امكانية تزييف نتائجه لتعديل المادة التي يضمها الدستور, حتى يمكن السماح للرئيس لترشيح نفسه لفترة رئاسية ثانية, وكان تعليله لذلك ان فترة واحدة ليست كافية لتنفيذ برامج سياسية واقتصادية بعيدة المدى. تم اجراء الاستفتاء في لحظة مهمة من تاريخ بلاده, وكانت النتيجة كما هو متوقع, وقام الرئيس كارلوس منعم بترشيح نفسه لفترة رئاسية ثانية, وفاز بالفعل, وبدلاً من التفرغ لتنفيذ برنامجه السياسي والاقتصادي الذي كان ستار بحثه عن فترة رئاسية ثانية, تفرغ الرئيس الأرجنتيني لاجراء تعديلات مهمة على المحكمة الدستورية العليا تضمن له السيطرة على أعضائها, من خلال اختيار الموالين له, حتى يمكن اللجوء إليهم عند الحاجة لاعادة تفسير المواد التي تم تعديلها في الدستور بناء على الاستفتاء. وقبل ان يكمل الرئيس كارلوس منعم فترته الثانية, بدأت أحلامه في الزعامة, وتطلعه إلى ان يكون (بيرون) الثاني, وبدأ يعد العدة لطرح تفسير مادة اعادة انتخاب الرئيس على أعضاء المحكمة الدستورية العليا الموالين أو الخاضعين له, على أساس أن الرئيس منعم طبقا للمادة الدستورية المعدلة يستحق ترشيح نفسه لفترة ثالثة, باعتبار ان فترة الرئاسة الحالية (الثانية) بدأت بعد تعديل الدستور وليس قبله, وأن رئاسته الأولى كانت على أساس الدستور القديم. لكن أحلام الرئاسة التي تداعب بعض أعضاء حزبه بدأت تقف في طريق تنفيذ أحلام الرئيس منعم في الزعامة, وحاول جاهداً ان يتخطى تلك العقبة من خلال اجراء جدل واسع في البلاد, لم تكن نتيجته سوى المزيد من البلبلة, ولكن هذه البلبلة كانت نتيجتها ان بدأ حزب الرئيس يفقد شعبيته, لأنه يحاول التكريس لدكتاتورية جديدة باستخدام الأدوات الديمقراطية المتاحة, اضافة إلى حدوث انقسام خطير في صفوف حزبه. المنتفعون من وجود كارلوس منعم في قصر الرئاسة حاولوا الاستفادة من ذلك لأطول فترة ممكنة, ولذلك أيدوا عرض المادة الدستورية التي تم تعديلها على أعضاء المحكمة الدستورية العليا, لأنهم كانوا يعرفون تماما ان أعضاء تلك المحكمة سوف ينفذون رغبة الرئيس ويطيعون أوامره. لكن منافسه حاكم العاصمة (ادوارد دوالدي) قرر ان يستخدم سلاح الاستفتاء ضد الرئيس منعم, فأعلن ان اعادة ترشيح الرئيس سوف يتم طرحه من خلال استفتاء عام, وان نتيجة هذا الاستفتاء سوف تكون ملزمة, تماما كما كانت نتيجة الاستفتاء الأول الذي تم على أساسه تعديل الدستور, والسماح بترشيح كارلوس منعم للفترة الرئاسية الثانية التي تنتهي مع نهاية عام 1999. أكدت استطلاعات الرأي ان أكثر من 70 في المائة يعارضون اعادة ترشيح كارلوس منعم, عندها أدرك الرئيس الأرجنتيني الخطر الذي يحيق بمستقبله السياسي, فقرر في خطوة تكتيكية التراجع عن ترشيح نفسه للرئاسة مرة أخرى, وطلب من مؤيديه عدم عرض المادة الدستورية الخاصة بذلك على المحكمة الدستورية العليا كما كان مقررا من قبل. يبدو في بيان الرئيس كارلوس منعم ــ الذي أعلنه بنفسه في حركة مسرحية معدة اعلاميا باتقان ــ ان هناك جدية في تنفيذ وعده بتخليه عن محاولاته في العودة لترشيح نفسه لفترة تالية رغم أنف الديمقراطية والدستور, ولكن المراقبين الذين يعرفون تحركات كارلوس منعم وطموحاته, يرون ان هذا الاعلان خطوة تكتيكية نتجت عن ضغوط الرأي العام, اضافة إلى خطر الانقسام الذي يهدد حزبه, ويرون انه قد يتراجع عن تنفيذ هذا الوعد إلى ان تحين له الفرصة. تعيش البيرو أيضا تحت رئاسة فوجيموري المأساة نفسها, هذا المهندس الزراعي الذي وصل إلى قصر الرئاسة قبل عشر سنوات باعتباره البديل المناسب في مواجهة الأحزاب التقليدية, أجرى العديد من التعديلات على الدستور بشكل قسري, بحيث يسمح له بالبقاء لأطول فترة ممكنة, أجرى انقلابا دستوريا, اضافة إلى اعادة العسكريين إلى التدخل في شؤون البلاد رغم أنف الدستور, ويحاول الآن ان يكون المرشح الوحيد خلال الانتخابات الرئاسية المقبلة التي ستجري عام 2000. الحالة نفسها تتكرر في بنما, في محاولات الرئيس الحالي (بيريث بياداريس) للبقاء في الحكم رغم تحريم الدستور لذلك. نجاح هذه المحاولات في خرق قواعد اللعبة السياسية الديمقراطية, يمكن ان يعيد أمريكا اللاتينية إلى حالة عدم الاستقرار القديمة, التي كانت تعيشها طوال العقود الماضية, والتي كانت نتيجتها هذا التخلف الذي تعيشه شعوبها, وربما يدفع عدم الاستقرار السياسي الناتج عن ذلك إلى عودة الصراع القديم على السلطة, وتتحول أمريكا اللاتينية إلى مسرح للصراع بين الدكتاتورية والحركات المتمردة على تلك الدكتاتورية, وعندها تعود الدولة الاستعمارية المتربصة بها إلى لعبة الانقلابات العسكرية القديمة. كاتب مصري مقيم في أسبانيا