أجمل تهمة يمكن أن توجه الى رجل هي انه يحب . ولا فرق ان يكون الرجل الذي يحب غفيرا أو أميرا.. رئىس بلدية أو رئىس جمهورية.. فالحب جزء من مكونات الدم في عروق الرجل.. ولايمكن ان ينزع الرجل قلبه ويضعه في مغسلة او يهوي عليه بمقصلة بمجرد ان يصبح حاكما.. والا دفع الناس الثمن غاليا.. قسوة.. ووحشة.. ورهبة.. وليل أسود طويل.. وشمس مخنوقة بالدخان والسحاب.. فصاحب السلطة العليا.. بلا قلب. لكن.. المشكلة ان الاضواء الكثيفة.. والعيون المفتوحة.. والصور المتزمتة الشهيرة تجبر الحاكم ان يغير تركيبة دمه.. فوراء كل حلم مخبر سري.. ووراء كل حب جهاز تسجيل.. وسيارة مباحث..ومندوب عن الموساد أو وكالة المخابرات المركزية.. الامريكية... مهمته أخذ الجيتار الذي يعزف عليه الحاكم العاشق.. ومصادرة قصائد الحب التي تطربه.. وتحويل الموسيقى الرومانسية التي تذكره بحدود الانسانية الى احراز.. وجنايات..ومنشتات.. فيبدأ في تحنيط مشاعره.. وتجميد عواطفه.. وينتهي بانه يصبح تمثالا من الشمع والرخام. وقد كنت اتمنى ان يكون الرئىس الامريكي بيل كلينتون عاشقا.. لا (بلاي بوي) .. كنت اتمنى ان تكون علاقته بالساحرة الصغيرة مونيكا لوينسكي علاقة عاطفية لا نزوة جنسية.. تدبرها أو على الأقل ترصدها الاجهزة الاستخبارية.. فلو كان عاشقا لما سيطروا عليه.. وماكانوا اغرقوه في (النفتالين) اليهودي حتى تفوح رائحته نفاذة.. ليظل هو ورجاله وسياساته وخزائنه وجيوشه تحت السيطرة. ان الدنيا رقصت في الفرح لان مانديلا يحب.. لم يأخذوا عليه هذ الحب.. لم يعتبروه نهاية العالم.. أو بداية سقوط جمهوريته.. على العكس اعتبروا ارتباطه بامرأة هو ولادة موسيقية ملونة... وعناق رائع بين عرش الهوي وعرش السلطة. وقد حاول اليهود في ربيع 1974 بعد شهور قليلة من عبور اكتوبر ــ ان يلعبوا نفس اللعبة مع الرئىس الفرنسي في ذلك الوقت فاليري جيسكار ديستان عقابا له على انحيازه للعرب.. فكشفوا عن علاقة عاطفية كان ينتمي اليها.. ويسعد بها.. وراحوا يضربونه في اعز مايملك.. مشاعره. واتذكر ان نزار قباني سيد شعراء هذا الزمان أرسل اليه ورقة في لون قلب حبة الفستق عليها خطاب شخصي تمنى فيه ان تكون تهمة الحب صحيحة.. وان يكون (الشعر الأشقر الذي يستريح عليه من هموم الرئاسة حقلا حقيقيا من الذهب والقمح) .. ثم.. تساءل: (لماذا يفهمون ان قصر الأليزية ليس (مدرسة داخلية) يزرب فيها الرؤساء صيفا وشتاء, وليلا ونهارا) , ولايسمح لهم بالخروج الا برفقة الناظر.. أو الراهبة؟.. وتساءل: (هل يصبح رئىس الجمهورية بمجرد انتخابه شمعدانا من فضة نعلقه من رقبته بسلسلة في سقف قصر الرئاسة ولا نسمح له أن ينزل من السقف الا بعد موته أو عزله أو انتهاء ولايته؟.. ثم.. طالبه ان لا يفزع من اقاصيص الهوى التي يفصلها اليهود عليه كل يوم حسب اتجاه الريح في السياسة الخارجية الفرنسية) . وعرفت من نزار قباني انه تلقى شكرا من قصر الاليزية (على هذا الدعم العاطفي المباشر) .. ومع الشكر وردة حمراء.. وعبارة بخط الرئيس ديستان تؤكد ان معركة العشاق في العالم معركة واحدة.. وقضية واحدة.. و(الجمهورية التي يحاولون تأسيسها جمهورية واحدة) . لكن ..اللعبة التي لعبها اليهود مع الرئىس كلينتون مختلفة.. فالجريمة جنسية لا عاطفية.. والمؤامرة محبوكة ومتقنة.. فهم يعرفون عنه كل شيء.. من (الداية) الى الرئاسة.. يعرفون طفولته القلقة.. وتربيته مع رجل غريب غير الأب.. ودرجات امتحاناته في الحضانة.. ونزواته المجنونة التي انساق وراءها منذ المراهقة.. ولعابه الذي يسيل على اي فستان ضيق يمشي على قدمين... فالملفات محفوظة.. ونقاط الضعف ظاهرة.. وليس من الصعب دفعه الى الهاوية وهي هاوية ساحرة وجذابة ومغرية اسمها مونيكا لوينسكي.. ولم يكن من الصعب التدبير والتورط وجمع الاحراز والادلة أولا بأول.. بما في ذلك الثياب التي جمعوها على الفور والتقطوا منها أثار الفوران والعنفوان وارسلوها الى المعامل الجنائية.. والطب الشرعي. ولانهم يقتلون القتيل ثم يمشون في جنازته فقد سارعوا بتقديم الفضيحة قبل ان تبرد في فيلم سينمائي اختاروا له عنوانا مناسبا هو (هز ذيل الكلب) .. دلالة على فرح الكلب وهز ذيله كلما صادف في الطريق انثى من نوعه.. مهما كانت.. وهي حرية مذهلة في توقيت الفيلم.. والعنوان الذي أتصور انه تجاوز كل حد متوقع. والفيلم اخرجه باري ليفنسن ببساطة وسلاسة ودون لف ودوران.. فهو يحكي قصة رئىس امريكي قاربت فترة رئاسته الاولى على الانتهاء.. ويستعد سرا بخطة ترشيح نفسه لفترة رئاسية اخرى.. وأخيرة.. لكن فجأة يجد اسرار علاقته الجنسية بموظفة جميلة في البيت الابيض على صدر الصفحات الاولى للصحف الكبرى... وهو ما يضعه في مأزق سياسي حرج لا يهدد طموحاته القريبة وانما وجوده الحالي في الحكم ايضا. وبدأ رجال الرئىس في السعي لانقاذه من الورطة باساليب متنوعة (تتعاون فيها قوى سياسية واقتصادية وعسكرية لحماية مكاسبها ومصالحها في البيت الابيض قبل حماية الرئىس الذي لايزيد في كثير من الاحيان عن واجهة لجماعات شرسة) .. ان الرئىس هنا مجرد دمية في مسرح للعرائس.. يحركها باصابعهم هؤلاء الذين يحركون ايضا المسؤول الاعلامي للبيت الابيض (يلعب دوره روبرت دنيرو الذي يريد تحويل انظار الرأي العام عن الفضيحة باختلاق مصيبة أكبر ولو وهمية ينشغل الناس بها فينسون مغامرات وغراميات الرئىس. ويستدعي المسؤول الاعلامي خبيرا من هوليود في الخدع السينمائىة (يلعب دوره داستين هوفمان) ويطلب منه فبركة معركة نووية وجرثومية وتفجيرات وقتل في البانيا.. بحيث تتحول هذه المشاهد الى مواد اعلامية تثير مشاعر الناس وغضبهم وتوزع على وسائل الاعلام بعد ان تدفع الحكومة اموالا طائلة لتمريرها.. وينخلع قلب الرأي العام مما يراه من دمار وخراب.. ويصبح جاهزا للتحول عن الفضيحة..بل ويكون مستعدا لتجديد ثقته بالرئىس الذي يتدخل في الوقت المناسب ليعلن الحرب على الجماعات الارهابية التي فعلت كل هذه المآسي.. وامام هذا القرار (البطولي) يتحول الرئىس الى نجم سياسي وبطل قومي ويسترد سلطانه الذي كان يهوي من الفضيحة. انه الاعلام الذي يغري ولا يتجمل..ويعبث بعقول الناس..و يحبسها في قبور رخام.. ويجعل الفاسق زعيما جماهيريا.. والفاسد نصف اله يعبده الشعب.. والرئىس (الدون جوان) منقذا للبشرية وحاميا للسلام. والملفت للنظر هنا هو اختيار البانيا تحديدا.. في وقت تجري فيها حرب اهلية.. ومذابح عرقية.. تحصد فيها ارواح المسلمين بالجملة والتقسيط.. في حين يرتدي الضمير العالمي طاقية الاخفاء. والملفت للنظر ايضا هو الاشارة الخفية لمنظمات (الجهاد) المتطرفة التي حولت البانيا الى فحم مشتعل في ليالي المعارك والمذابح.. وهي المنظمات الارهابية التي يقرر الرئىس الامريكي اعلان الحرب عليها لانقاذ العالم من شرورها حسب سيناريو الفيلم. لكن.. المذهل ان يأتي هذا الفيلم في هذا الوقت بهذه المعالجة وآثار الانفجارين في سفارتي الولايات المتحدة الامريكية في نيروبي ودار السلام لم تخفت بعد.. والجثث التي تحت الانقاض لاتزال الكلاب البوليسية المستوردة والمدربة في اسرائىل تبحث عنها.. ان الانفجارين جاءا والرأي العام الامريكي والكونجرس والبيت الابيض مشغولون بفضيحة كلينتون الجنسية.. وفي الوقت الذي كانت فيه مونيكا لوينسكي تعترف بتعدد اللقاءات الجنسية بينها وبين الرئىس الامريكي كانت ساعة صفر العملية تقترب.. وبعد ساعات دوت الانفجارات في عاصمتي كينيا وتنزانيا.. ودون حاجة الى خبير في الاعلام والفبركة والخدع السينمائية والمشاهد التلفزيونية الوهمية تحول الرأي العام الامريكي بالكامل وفي ثوان من الانفجارات الجنسية الى الانفجارات الافريقية.. فتراجعت صورة مونيكا وبرزت صورة بن لادن.. واختفت الفضيحة ولو مؤقتا فاسحة المجال لاوجاع الكرامة الامريكية التي تبعثرت في عز النهار! وعلى مايبدو ليست البانيا ــ التي تجري فيها احداث الفيلم ــ بعيدة عن مسرح الاحداث التي جرت في الواقع.. فقد نشرت الصحف الامريكية ان اجهزة المباحث الفيدرالية تدخلت في البانيا وقبضت على بعض زعماء (الجهاد) المتطرفين وسلمتهم الى بلادهم.. وهو ماجعل هذه المنظمة الارهابية ــ الاشبه بتنظيم دولي ــ تقرر الانتقام.. وهددت في بيان لم يعره احد اهتماما بنسف اهداف امريكية في بعض البلدان العربية.. وكان ذلك على سبيل التمويه والتضليل والخدع كما اتضح فيها بعد.. فبينما تركزت الحماية على السفارات الامريكية في الشرق الاوسط, كانت اطنان المتفجرات تدس في جدران سفارتي الولايات المتحدة في كينيا وتنزانيا..و في ايام قليلة عقب الحادث كانت ارقام الضحايا بالآلاف. ولو صحت التكهنات التي شاعت عن تورط التنظيمات الدينية المتطرفة في الحادثين فلابد من الاعتراف بان الضربة كان موجعة الى حد الصراخ والاغماء.. وانها جرت بمناورة ومراوغة وصلت الى حد العمى... كذلك فانها تمت بتدبير محكم.. محترف.. في اماكن غير متوقعة.. وفي بلاد الفساد فيها على كافة المستويات ويسهل فيها شراء الذمم بارخص الاسعار.. ولا يمنع ذلك ان الاهداف الامريكية هناك كانت مكشوفة.. واكثر من ذلك فان لا أحد على مايبدو كبيرا على الارهاب.. فالكل امامه يمكن ان يكونوا ضحايا. على أن الاكثر اهمية والاشد خطورة ان الذين نفذوا العملية هم تلاميذ مجتهدون للمخابرات المركزية التي جندتهم ودربتهم واستخدمتهم في افغانستان.. وهم الذين نعرفهم بالافغان العرب وهؤلاء حسب مصادر المخابرات الامريكية وباعترافها لايقل عددهم عن 20 الف شاب .. عاد بعضهم الى بلاده للقيام بعمليات الاغتيال والتفجيرات وقيادة السيارات المفخخة .. والبعض الآخر استقر في الدول الديمقراطية متمتعا بحقوق اللجوء السياسي.. مشكلا مايسمى بالتنظيم الدولي للجماعات المتطرفة. وقد شربنا من كأس الافغان العرب في مصر والجزائر وتونس.. ويبدو ان الوقت قد حان ليعرف (الامريكان) مدى المرارة التي تجرعناها... وليعرفوا ماجنت ايديهم.. انهم لم يقدموا زهرات حمراء وأقماراً بنفسجية وحروفاً تنبض كقلوب العصافير الصغيرة.. وانما قدموا قنابل ونيراناً حارقة وطرقاً متنوعة للموت والخراب. كما انهم لم يصدقوا ان الرهان على التطرف هو رهان فاسد.. خاسر.. وان الارهاب الذي قد يأخذ شكل مسدس في ايديهم قد ينقلب الى جمرة حمراء.. تحرقهم وتشويهم وتخلف وراءهم الشياط والغبار.. فالارهاب هو الارهاب محكوم عليه بتكوينه وخصائصه.. ولن يغيرها اذا ما انتقل من خانة الصديق الى خانة الخصم او العكس.. ان الذي يركب الارهاب كالذي يركب الاسد..يخيف الاخرين بزئيره وانيابه ومخالبه.. لكن لايستطيع ان ينجو منه.. لقد ركب الامريكيون الاسد ولعبوا بورقة عمر عبد الرحمن وافغانستان.. وفتحوا مكتبا رسميا لجبهة الانقاذ الجزائرية في نيويورك.. وكان في الخارجية الامريكية من يدعم القيادات المتطرفة ويعتقد هؤلاء انهم يركبون على موجة المستقبل في الشرق الاوسط..ولم يستوعب هؤلاء الدرس الذي دفع الرئىس انور السادات حياته ثمنا له علنا امام كاميرات البث المباشر.. فقد كان اغتيالا على الهواء .. ولم يستوعبوا ماجرى ومايجري الان في افغانستان. وليست صدفة ان تتداخل وتتنافس وتتزاحم اخبار ما يجري في افغانستان مع أخبار التفجيرات في كينيا وتنزانيا فالخميرة واحدة.. والعجينة واحدة.. وفطيرة الارهاب التي يقتسمها العالم ــ الغني والفقير, القوي والضعيف, المتطرف والمعتدل, المسلم وغير المسلم ــ واحدة. انني أومن بان الناس والسماء اصدقاء.. لا سماسرة بينها.. لا وسطاء.. لا مسابح تنقلب الى مشانق.. لا جريمة يمكن ان ترتكب باسم الشريعة, وتعلق الناس على ابواب المدينة, ساحبة من الايمان كل قيمة. ان السماء تبكي ان بكى البشر, وتضحك ان ضحكوا وتزداد نجومها بريقا ان عشقوا.. ومن ثم لا تفسير ولا تبرير لما يجري تحت غطاء السماء في باكستان او لبنان.. في تنزانيا أو البانيا.. في كينيا أو الجزائر.. لا تفسير ولا تبرير لما يفعله الذين يدعون أنهم اولياء الله.. ووكلاء الله في الارض.. انهم يصرون على ان الحياة بلا عيون.. فيقتلون.. ويذبحون .. ويحرقون.. ويفجرون .. ويخربون! لكن.. اذا كنا نرفض ذلك فنحن ايضا نرفض الذين حكموا العالم بعين واحدة.. فقلبوا من لايعجبه,.. وحاصروا من لم ينفذ ارادتهم.. وعاقبوا من لم يمش على هواهم.. ووضعوا كل البيض في سلة واحدة.. فكان من السهل على ارهابي ان يكسره فوق رؤوسهم. نحن لا نقبل الارهاب باسم الدين ولا الارهاب باسم النظام الدولي الجديد.. لا نقبله باسم الجهاد ولا باسم التبعية. والى ان يقتنع (الامريكان) بانهم مثل باقي خلق الله فليس امامنا سوى ان نشاهد مسلسل الفضائح الجنسية.. مقطوعا من باب الاثارة والتشويق باكشن التفجيرات الارهابية.. ولايزال العرض مستمرا.