التفتيش على اسلحة الدمار العراقية اصبح ملهاة, فصولها تتكرر كل يوم وكل سنة على نحو مضحك مبك, فيما يدفع ملايين العراقيين من دمهم ودموعهم وحساب ايامهم المقبلة . ولا يبدو أن ثمة أحدا باستثناء العراق طبعا راغبا في ايقاف هذه الملهاة او وضع حد لها. الامريكيون مرتاحون للحصيلة المفجعة الناتجة عن الحصار الظالم, وهم يكررون القول بتثاؤب وتثاقل ان المسؤول عما يحدث هو النظام العراقي. مجلس الامن بدوره مأخوذ بقوة السوط والصوت الامريكي, ويحجم عن اتخاذ اية خطوة تعيد الاعتبار لدوره كمؤسسة دولية يفترض انها تمثل مصالح جميع دول العالم وليس مصالح واشنطن ولندن فقط. ويخيل الى أن موت المزيد من المواطنين العراقيين بسبب الحصار لم يعد يعني او يؤثر في أحد. فالعيون والحواس قد الفت وتكيفت مع مناظر الموت والمرض والجوع ونقص الدواء.. تلك المناظر التي لايرد من العراق سواها. ولن يفيد بغداد ان تنشر المزيد من الحقائق والوثائق عن الآثار الكارثية للحصار أو ارقام الموتى التي اصبحت تقترب من المليون ونصف المليون انسان عراقي. فمن لم يستشعر حجم المشهد الدامي والموت المجرد في ملجأ العامرية, او على اسرة المستشفيات وفي مدن وقرى العراق في العام الاول من الحصار, لن يستشعر ذلك في العام الثامن منه. الارجح انه قد اكتسب مناعة.. مناعة ضد المشاهد وضد الارقام وضد تلك النظرات الحيرى التي يرسلها طفل عراقي مريض وجائع. في ظل هذا الجو الكئيب والشاذ يصول باتلر ويجول ويعربد ماشاء له زمانه أن يعربد.. فهو يزور الصين ليفاوضها على مواقفها من العراق وكأنه زعيم سياسي وهو يزور بغداد لينفش ريشه هناك ويفتعل مشكلات وقضايا, ثم يقطع زيارته بعد ان اوصد العراقيون الباب في وجهه هذه المرة. ليخرج بعدها ويقول (بعد أن رأى التردد الدولي في الانسياق وراء قصصه واحابيله) انه لا يصدق ما يسمعه من بغداد لانه ــ حسب كلامه ــ لم يبق سوى اربعة اشواط ونصف من اصل خمسة اشواط في سباق انهاء التفتيش! وبالتالي فانه لايفهم لماذا يغلق العراق, بالذات هذه المرة, الباب في وجهه, ولماذا يرفض مواصلة المشي في الطريق الذي سبق له ان مشى فيه ولم يتبق منه سوى فراسخ قليلة! كان حريا ببغداد ــ والكلام لباتلر ــ ان تستمع اليه هذه المرة ايضا وتعطيه مايريده كما فعلت في كل مرة! بكلام آخر يريد باتلر ان يقول انه اكثر حرصا من العراقيين على مصالحهم وهو ادرى بما يضرهم وما ينفعهم. غير انه لا يفسر ولا يقول ماذا فعل بالفرص التي حصل عليها في المرات السابقة؟ وكان يقول فيها ايضا انه على وشك انهاء عمله. ثم يفاجىء العالم بان هذا العمل انما قد بدأ للتو, وان الامور سرعان ما تعود في كل مرة الى نقطة الصفر؟ ولماذا كان يسمع العراقيين في بغداد شيئا ثم ينقضه ما ان يصل الى نيويورك أو حتى قبل ان يصل اليها احيانا؟ مشكلة باتلر اذن انه يطلق الكذبة ثم يصدقها بنفسه ويطلب من الآخرين ان يصدقوها ايضا. وهذا مافعله في قضية القصور الرئاسية وما يفعله اليوم ايضا. غير اننا نتساءل من اعطى باتلر وهو في التعريف السياسي والقانوني مجرد موظف تابع للأمم المتحدة, كل هذا الحق وكل هذه الصلاحيات؟ لقد كان يقول عن نفسه بعد تسلمه منصبه من سلفه ايكيوس انه تقني وفني وليس سياسيا. لكنه اخذ يتصرف منذ ذلك الوقت على انه المتحكم الفعلي بملف الاسلحة العراقية والوكيل الاممي للولايات المتحدة في العراق. ربما دفعه الى ذلك الدعم الامريكي اللامحدود الذي قدم ويقدم اليه. لكن الحقيقة تظل في ان تفرد باتلر واستهتاره بالآخرين ــ ظهر ذلك جليا مؤخرا حين قطع مباحثاته في العراق دون الرجوع الى الأمم المتحدة ــ هذا الاستهتار سببه هو سلبية المنظمة الدولية وتخاذل العرب. وان يكون للولايات المتحدة سياستها واستراتيجيتها تجاه العراق فهذا أمر مفهوم.. كل الدول الكبرى لها استراتيجيات وسياسات. غير ان مايحدث اليوم تجاه العراق لايدخل في هذا التصنيف او هذا الباب. فنحن لم نر حتى الان أية سياسة أو استراتيجية, كل ما نراه عبارة عن ملهاة, ربط طرفها بمهرج اسمه باتلر, فيما المتفرجون عاجزون عن تبين مواقع اقدامهم جيدا. انهم يتخبطون ومع ذلك يسمون هذا التخبط سياسة. وكان الامر سيهون لولا ان التخبط انما يتم في الدماء.. الدماء العراقية العربية! كاتب وصحفي بحريني*