كل الشواهد والدلائل تشير الى ان كوسوفا تسير في الطريق نفسه الذي سارت فيه البوسنة من قبل فالمظاهر التي شاهدناها في سنوات الحرب بالبوسنة تتكرر الآن في إقليم كوسوفا المنكوب , المجرم واحد, وهوية الضحية واحدة. حتى ردود الأفعال تجاه المأساتين تتشابه إلى حد كبير, فهذه الأخيرة ــ كما الأولى ــ تحدث في ظل صمت غربي مريب, وتقاعس اسلامي غريب. في الصمت الغربي دلائل قوية على غيبة الضمير, وتهافت شعارات حقوق الانسان والديمقراطية التي تكفل حقوق الاقليات في ثقافاتهم وعقائدهم وغير ذلك. اما في التقاعس الاسلامي, فتجد مشكلة كبرى في تحديد الاهتمامات, وخللا مفزعا في ترتيب الاولويات. اصبح من مظاهرها المحزنة الانهماك في اشتباكات ثانوية لا قيمة لها, هي مفتعلة في كثير من الاحيان أو الانشغال بحفلات الطرب والغناء, وتغطية فعالياتها, ومتابعة أخبار (النجوم) المشاركين فيها. وتشتد التغطية إذا غاب هذا الفنان أو تلك المغنية عن مواسم طرب معينة في سنوات ماضية, فعند ذلك تكون هذه العودة (المظفرة) انتصارا كبيرا لمنظمي الحفلات ومتعهديها, حيث استطاعوا بفضل عبقرية فذة, وجهود حثيثة, تلبية رغبات جماهير المعجبين واسعادهم! ليس في هذا الامر اي مبالغة, فتكفيك وقفة عابرة مع وسائل الاعلام العربية لتكتشف ذلك العبث وتطلع عليه. ويجب ألاّ تنسى في سياق ذلك الخلل, وفي اطار ايجاد الحلول لمشكلاتنا وازماتنا الكبرى, جهود (المخلصين المتفرغين لايجاد بديل شرقي للفياجرا الغربية, يقوم باداء نفس الوظيفة, بل ويتفوق عليه لانه يتميز بامور اهمها انه مستخلص من نباتات واعشاب طبيعية, وتكلفته أقل! هذه اهم فعالياتنا في هذه المرحلة, وهي مقدمة بائسة تنبىء عن نتائج وتفصيلات اشد بؤسا. والافدح من ذلك كله, ان اخبار قضية مثل محنة المسلمين في كوسوفا لاتشكل حيزا ذا قيمة في وسائلنا الاعلامية واذا هي ذكرت فإنما يشار اليها بايجاز وباستحياء شديدين, وكأن الامر لايعنينا من قريب أو بعيد, بل وسمعنا اصواتا (مثقفة) غريبة تدعو الى عدم الانشغال بقضية كوسوفا بحسبانها تآمرا تهدف الى صرفنا عن قضايانا الهامة الاخرى. بسبب ذلك, تبدو ثمة ضرورة اكيدة لكشف حقيقة الصراع الدائر في اقليم كوسوفا. والتركيز على بعض المظاهر المأساوية التي كشفت عنها هيئات دولية ومراقبون غربيون, صادفت ضمائرهم صحوة انسانية هي جديرة بالتنويه والاشادة. مشاهد للعلم فقط! بعد مرور عدة أشهر على بدء العدوان الصربي على مسلمي كوسوفا, اشتدت في الفترة الاخيرة حملة التطهير لاستئصال الوجود الاسلامي من الاقليم وفي مطلع هذا الشهر, تم اكتشاف مقابر جماعية تضم اكثر من 500 جثة بالقرب من بلدة أوراهوفا وذكرت صحيفة نمساوية ان حفاري القبور ذهلوا عندما اكتشفوا مقبرة جماعية حيث احصوا ذلك العدد كان من بينهم 430 جثة لاطفال تمت تصفيتهم والقضاء عليهم بواسطة الصرب ونقلت الصحيفة ذاتها عن بعض السكان الذين بقوا على قيد الحياة ان القوات الصربية قتلت الف مدني خلال الفترة من 18 ــ 21 يوليو الماضي, وقالت ان الجرافات الصربية غطت القبرين الجماعيين بالتراب, ولكن عدة جثث ظلت بارزة فوق سطح الارض, وان رائحة تحلل الجثث يمكن شمها من مسافات بعيدة. لم تكن الصحيفة النمساوية الجهة الوحيدة التي نشرت الخبر, بل شاركتها في ذلك صحف المانية وسويدية عديدة (الخليج 6/8/1998). في فاجعة اخرى, ذكر مراسل وكالة فرانس برس ان الشرطة الصربية قامت بإحراق بلدة البانية في كوسوفا اسمها (ماليشفو) وحولت المحال التجارية بها الى رماد, بل انهم قاموا بالتفرج على عملية الحرق متلذذين ومستمتعين بها!! واليك شهادة غربية اخرى, افادتها عاملة بريطانية في مجال الاغاثة. وقد احتجزها الصرب بسبب وجودها في اقليم كوسوفا لاغاثة المنكوبين الالبان. تقول سالي بيكر في وصف الصرب الذين احتجزوها: انهم ارغموها على الجلوس على مقعد لمدة سبعة أيام وسبع ليال, وحرمها حراس السجن من النوم, إذ كانوا يقرعون بعصا على منضدة بجوار رأسها, واضافت ان اكثر من 100 شرطي صربي كانوا يصطفون امامها ويبصقون عليها. وتختتم قائلة: (لم أر في حياتي كراهية مثل هذه. هذه أمثلة يومية لما يحدث على ارض كوسوفا, ولا يحتاج المرء الى بذل أي جهد لوصف تلك الممارسات, ومدى بشاعتها, ومايجب ان تستدعيه لوقفها وردع مرتكبيها من الصرب ولكن دعونا ننتقل لوصف ردود الافعال تجاه الحدث الاول الذي مر بنا قبل قليل. بين بيانات الشجب وجرافات الصرب في الشرق العربي والاسلامي كان اهم رد فعل ــ اطلعت عليه ــ تجاه تلك الجريمة تمثل في بيان رسمي لدولة عربية كبرى, دعا الى ضرورة وقف الهجمات ضد المدنيين والابرياء والسكان العزل, ووضع حد لأعمال العنف وانتهاكات حقوق الانسان!, ولم يتردد البيان المذكور في مطالبة الدول الكبرى بالتدخل السريع والعاجل لحل ازمة كوسوفا! بعد ان قرآت هذا الخبر, قلت ان الفارق الوحيد بين هذا البيان وغيره من البيانات الاخرى والتي صدرت بشأن الفلسطينيين والشيشان والكشميريين وهو اختلاف اسم المنكوبين لاغير. وهو بيان ينبىء عن ارادة مسلوبة وعجز مشين. هدفه اراحة الذات من المسؤولية, وتوقع الآخرين القيام بها, ولاريب ان عدم اصدار مثل هذا البيان اولى من اصداره بهذا الشكل العبثي الهزيل. اما في الغرب, فربما كان الموقف مختلفا قليلا, وان كانت النتيجة متشابهة الى حد كبير. حيث اعلن الاتحاد الاوروبي انه سيرسل مراقبين الى البلدة الالبانية المنكوبة للتحقق من المسألة!. اما مادلين اولبرايت وزيرة الخارجية الامريكية فقد نقل عنها انها قالت: (ان الهجوم الصربي الحالي والتصرفات غير المقبولة التي حدثت في اطار هذا الهجوم لن تؤدي سوى لزيادة فرض اجراء عسكري من جانب حلف شمال الاطلسي بين استمرار عدوان الصرب على النحو المشهود, وردود الافعال الهزيلة التي مررنا بها, تشهد ساحة كوسوفا استئصالا شاملا للوجود الاسلامي لن تجدي معها بيانات الشجب والاستنكار العربية والاسلامية, ولا أقوال مسؤولي الاتحاد الاوروبي ولا تهديدات حلف شمال الاطلسي. والى ان يفعل الله مايشاء, تبقى مهمة الدفاع عن هوية كوسوفا مسؤولية مسلميها. خاصة وان هناك ادراكا متزايدا لدى المسلمين الالبان هناك بان الصراع مع الصرب ليس صراعا ماديا فحسب, بمعنى انه ليس نزاعا على ملكية ارض, اوتبعية اقليم ونحو ذلك, بل انه صراع على (الوجود) بمعناه العام المشتمل على الارض والكيان والذات والهوية. وللدقة, فان حقيقة الصراع تتمثل بين تعصب صربي متطرف وانتمائه الى اثبات مشروعية وجود هويته, وتستميت في سبيل المحافظة على خصائصها من الذوبان في الثقافة الصربية المحاصرة. أحسب ان هذا الامر هو جوهر القضية, واساس المشكلة, وبدون تبيانه, وبث الوعي بشأنه لا يتوقع أي استجابة ذات قيمة لوقف محنة مسلمي كوسوفا. وهناك وقفة اخرى مع هذه الحقيقة.