بعض الدول تتحكم في مصيرها عوامل جغرافية وتاريخية خارجية خاصة لا ارادة لها فيها, مثل موقعها الجغرافي وتاريخ المنطقة المحيطة بها, وتطلعات جيرانها أو أطماع القوى الكبرى التي تتحكم فيها أطماعها دون النظر الى حاجات الشعوب الاخرى في ان تكون صاحبة قرارها , ومثل هذه الدول تنتشر في العديد من مناطق العالم, وبشكل خاص تلك التي تقع عند مفترق البحار, أو تربط بين القارات اليابسة المختلفة, أو تتحكم في ممرات مائية أو جبلية. من تلك الدول كولومبيا, التي انتقلت فيها السلطة قبل قليل من رئيس ينتمي للحزب الليبرالي الى رئيس جديد من الحزب اليميني المحافظ, ولكن يبدو ان الرئيس الجديد كانت عوامل فوزه لها علاقة بالتاريخ والجغرافيا ايضا مثل العوامل التي تتحكم في بلاده, وليس لها علاقة بالسياسة أو توجهاتها بعد ان سقطت الحواجز, ولم تعد هناك عوامل تفرق بين حزب وحزب سوى ما يقدمه هذا الحزب أو ذاك من حلول حقيقية لحاجات ماسة تحتاجها الشعوب. كولومبيا التي يعرفها العالم بأنها اكبر منتج للمخدرات في العالم, والتي يبلغ عدد سكانها حوالي الاربعين مليون نسمة, يتحكم في مصيرها موقعها الجغرافي, فهي شهيرة بالمخدرات, رغم انها تعتبر احدى الدول المنتجة للبترول, لكن مشكلة المخدرات والعنف توقف امكانياتها في استغلال الطبقات البترولية التي تحتويها أراضيها, لذلك تعتبر احدى الدول التي تضعها استراتيجيات الطاقة على خارطة الاحتياطيات بالنسبة لهذه المادة الاستراتيجية المهمة. وموقعها الجغرافي كالخطر الذي يجعلها في ازمة دائمة مع نفسها ومع الآخرين, تحتل كولومبيا على الخريطة موقعا استراتيجيا تحسد عليه, حيث تحتل موقعا هاما على البحر الكاريبي, وتجاور فنزويلا التي تعتبر مصدر البترول الأول القريب من الولايات المتحدة, اضافة الى انها تجاور بنما التي تضم في اراضيها القناة الاستراتيجية التي تعتمد عليها الولايات المتحدة اعتمادا استراتيجيا, خرقت بسببها كل القوانين الدولية, بما فيها قوانين احترام الاتفاقات الدولية التي تضمنها الامم المتحدة, وقامت بغزوها تحت ستار حماية الديمقراطية التي لم تقم لها قائمة منذ الغزو الامريكي, وخرقت اتفاقية تسليم القناة التي وقعها الرئيس الامريكي السابق جيمي كارتر. اضافة الى ان كولومبيا لها حدود مع البيرو, مما يضيف الى اعبائها عبئا جديدا, لأنها تعتبر ممرا طبيعيا للكوكايين البيرواني في طريقه الى الاسواق الاستهلاكية في الولايات المتحدة الامريكية, وكذلك الحال بالنسبة لدولة بوليفيا المجاورة التي تستخدم كارتيلات المخدرات الكولومبية في تسويق منتجاتها من المخدرات في الاسواق الامريكية والاوروبية. تتقاسم كولومبيا مع كل من البرازيل والاكوادور جزءا كبيرا من غابات الامازون, التي تعتبر رئة العالم الحيوية, والتي تثير شهية الشركات الكبرى والمتعددة الجنسية, التي تحاول اختراق حصار الحماية الدولية لتلك المنطقة, من خلال رشوة الحكام المحليين, مما حول البلاد الى هدف لكل أنواع الفساد الاداري الممكن. وجود تلك الغابات المشتركة مع تلك البلاد تجعل الجانب الكولومبي هدفا لتجار المخدرات, الذين يهربون من تدمير مزروعاتهم الى استغلال تلك الغابات في زراعة المزيد من الهكتارات الموجهة لانتاج مادة الكوكا المطلوبة في صناعة الهيروين. لكل هذه الأسباب تعيش كولومبيا منذ أكثر من نصف قرن حربا أهلية سرية غير معلنة لا تتوقف, يصل عدد ضحاياها سنويا أكثر من ثلاثين ألف قتيل, وتشارك فيها الحكومة بجيشها الرسمي, ونصف دستة من المنظمات الثورية, التي تتنقل تحت ستار الاحراش وتسيطر على أكثر من أربعين في المائة من أراضي الدولة, اضافة الى المنظمات العسكرية الارهابية التي ينظمها الجيش ويسلحها ويطلق يديها لترويع الأهالي, وبشكل خاص في الريف, في محاولة لوقف تعاونهم مع المنظمات الثورية التي تحاول السيطرة على البلاد. هناك أيضا الجماعات المسلحة التي تمولها كارتيلات المخدرات في ميديين وكالي, والتي وصلت قوتها الى حد تمويل الحملات الانتخابية لأعضاء البرلمان, بل انها مولت حملة الرئيس السابق ارنست سامبر, الذي سلم الاسبوع الماضي كرسي الرئاسة للرئيس الجديد اندريس باسترانا, بعد فترة حكم تعتبر من أسوأ فترات الحكم التي تولاها رئيس كولومبي متهم بحماية مافيات المخدرات والخطف, وهو الأمر الذي أنكره طوال السنوات الأربع الماضية, ولم يعترف به الا قبل أيام قليلة من نهاية فترة رئاسته. التركيبة الاجتماعية لدولة كولومبيا تجعلها ضحية لطبقاتها المختلفة, التي تحاول كل منها الانتقام من الطبقة الاخرى, فالاثرياء من تجارة المخدرات حلوا محل الدولة في تحديد الأجور وتقديم الخدمات في دولة تعتبر الأرخص في الأيدي العاملة الموسمية, التي تحتاجها المافيا في جني أوراق الكوكا, وزراعة عشرات الآلاف من الهكتارات من تلك الشجيرات, التي تنتج المادة الأساسية لمخدر الهيروين. اضافة الى طبقة الاقطاع التي لاتزال تسيطر على الحياة في الريف, رغم اقامتها الدائمة في المدن, هؤلاء الاقطاع في أكثرهم ينتمون الى الجنس الأبيض الذين يتحكمون في السكان الأصليين ويستخدمون لارهابهم الجماعات الارهابية المسلحة. في أسفل القائمة من كل هذه التركيبة الاجتماعية الغريبة التي تنتمي الى القرن الماضي أكثر من انتمائها الى القرن العشرين يقف الهنود السكان الاصليون للبلاد, والذين يسقطون فريسة لارهاب الدولة, التي تعتقد انهم يحمون الجماعات المتمردة, وهم ايضا فريسة الجماعات الارهابية لمافيا الكوكايين التي تستخدمهم في مزارعها بأرخص الأسعار, اضافة الى ارهاب الجماعات المسلحة التي يمولها ويدربها الجيش, في النهاية هم ضحايا الجميع. سكان المدن يقعون ضحايا الفقر المدقع الذي يلف المدن الرئيسية في البلاد, حتى أصبحت الهوامش المحيطة بتلك المدن اضعاف ما يمكن ان تحتمله مدينة مثل العاصمة (بوجوتا) , ويسيطر على تلك المدن الارهاب المتمثل في عمليات الخطف شبه اليومية, والتي تقول الاحصائيات الرسمية انها تحدث بنسبة ألفي عملية خطف سنويا, أكثرها لأسباب مالية, يطالب الخاطفون فيها بفدية مالية كنوع من فرض الاتاوة على بعض الاثرياء.