تطور الوطن العربي عبر التاريخ من وحدة طبيعية في صدر الاسلام الى حالة التجزئة الى دويلات في عصور الانحطاط, ثم عاد الى الانضواء تحت مظلة الدولة العثمانية حتى نهاية الحرب العالمية الاولى التي انتهت بانتصار الحلفاء الغربيين واستيلائهم على جملة تركة(الرجل المريض) .التي منها الوطن العربي, شعر العرب بمرارة الغدر والخيانة وخيبة الامل تجاه خداع الانجليز الذين لم يوفوا بوعودهم التي قطعوها للشريف حسين بمساعدة العرب على تحقيق الاستقلال والتحرر وتقرير المصير بعد ان نالوا ما كانوا يحتاجون اليه من دعم بشري واستراتيجي وغذائي أثناء الحرب العالمية الأولى. وقد فوجىء العرب بعد ان خمدت نار مدافع الحرب بمعاهدة (سايكس ــ بيكو) التي مزقت الوطن العربي ارباً ارباً ورسمت فيه حدوداً مصطنعة, وفرقت بين غربه وشرقه وشماله وجنوبه, ووزعت الاجزاء فيما بين الدول المنتصرة. وكانت حقبة ما بين الحربين العالميتين ساخنة في أغلب بقاع الوطن العربي, فكان الوطن العربي تحت وطأة الشعور بالغبن ورفض الاستعمار بركاناً يغلي ويتفجر غضباً وانتفاضات وثورات بين الحين والآخر. وعندما اندلعت الحرب العالمية الثانية لم ينخدع العرب بعد التجارب المريرة مع دهاقنة الاستعمار البريطاني والفرنسي بوعود المستعمرين, وأخذوا يطالبون بالاستقلال والتحرر. في تلك الاثناء بدأت محاولات ألمانيا النازية لجر العرب نحوها بحجة ان الانجليز والفرنسيين خدعوا العرب في الماضي وعليهم ان يحاربوهم الآن وينضموا الى المانيا للحصول على استقلالهم, غير ان اكثرية القادة العرب على الرغم من تعاطف بعضهم مع المانيا وفقاً للقول المأثور (عدو عدوك صديقك) , لم يسيروا بحماس مع الألمان تنفيذاً للقول المأثور:(لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين) , فكان ما كان وانهزمت دول المحور ــ المانيا النازية وايطاليا الفاشية واليابان ــ وانتصر التحالف الغربي مع الولايات المتحدة الامريكية, وانعقدت مؤتمرات السلام, وانشئت منظمة الامم المتحدة ومؤسساتها, وتغيرت مفاهيم الاستعمار وأساليبه, فمنحت غالبية البلدان المستعمرة استقلالها وانسحبت جيوش الاحتلال من أغلب بقاع الوطن العربي, ودخلت بدلاً منها جيوش غير منظورة وغير مسلحة بالمدافع والدبابات لتحتل مكانها وتسير البلدان لمصلحة المنتصرين. فاحتل الدولار مكان البندقية ونشأت الامبريالية الجديدة. صحيح ان البلدان العربية تحررت في ذلك الوقت من الاستعمار العسكري المباشر (ما عدا الجزائر), ولكنها وقعت في مصيدة التبعية الاقتصادية للدول المستعمرة سابقاً نفسها. ان المعادلة الاستعمارية منذ نشأة الاستعمار بقيت سارية المفعول وهي (شفط) الثروات من دول الجنوب المتخلفة ونقلها الى دول الشمال المتقدمة, وبقي الوطن العربي على الرغم من جميع الانجازات التي حققها وجميع الثروات التي يملكها مسلوب الارادة الاقتصادية, وفي بعض الاحيان الارادة السياسية ايضاً, ولم يتمكن كغيره من بلدان العالم الثالث من التحرر من قبضة الاستعمار الاقتصادي والتبعية للمراكز الاستعمارية المعروفة على الرغم من تعاطف المعسكر الاشتراكي معه ومساندته له. وبعد انتهاء الحرب الباردة وانهيار المعسكر الاشتراكي وانفراط عقد منظومته, اصبح العالم وحيد القطب تحكمه الولايات المتحدة الامريكية التي نصبت نفسها حارساً وموجهاً وزعيماً على العالم أجمع, فحققت بذلك احلام مفكريها وقادتها الاوائل, واصبح الوطن العربي بثرواته وعمقه الاستراتيجي والاجتماعي مباحاً للولايات المتحدة الامريكية ومرتعاً خصباً لترويج بضائعها وافكارها, وبخاصة بعد مؤامرة حرب الخليج الثانية التي سيظهر المستقبل انها كانت من تأليف وإخراج الولايات المتحدة الامريكية لتحقيق اغراضها في احكام قبضتها على نفط العرب والتحكم فيه لاستعماله سلاحاً ماضياً ضد معارضيها في أوروبا وآسيا والسيطرة على السوق الاستهلاكية العربية الممتدة من الخليج الى المحيط, ولم تخف الولايات المتحدة الامريكية نياتها, اذ طالبت الجميع برفع الايدي عن المنطقة العربية وعدم التدخل في شؤونها ليبقى لها وحدها القول الفصل في ادارة مقدراتها, وقد لمس العالم اجمع ذلك, وبخاصة بعد الاعتداء الاسرائيلي على قانا في لبنان, اذ طلبت الولايات المتحدة الامريكية من المجموعة الاوروبية علناً الا تتدخل في الشؤون العربية ــ الاسرائيلية لانها منطقة نفوذ امريكية بحتة. وقد ساهمت عملية اجتياح العراق للكويت وما تلاها من أحداث في شق شرخ كبير في جسم الوطن العربي وتكريس انهيار النظام العربي وانكشافه امام العالم, حتى وصلنا الى ما نحن عليه الآن من ضعف وتخاذل وتنافر. فالوطن العربي اليوم هو عالم مجزأ منهوب مغلوب على أمره مصاب بالاحباط تسيطر على ثرواته ومقدراته الولايات المتحدة الامريكية, ومما يزيد (الطين بلة) أن الشعب العربي تسيره حكومات مفروضة عليه فرضاً بشكل أو بآخر, ولا تعبر بالضرورة عن رغباته وآماله وطموحاته, لأنه في أغلب الحالات لم يتسن للشعب حرية اختيارها. وعلى الرغم من هذه الصورة المأساوية لا يخلو الأمر من وجود بوادر ايجابية خيرة. ان المتنورين من المفكرين العرب الملتزمين بقضايا أمتهم قد أخذوا على عاتقهم تنوير الشعب العربي لشحذ الهمم والنفوس والعقول وتوضيح المسار المستقبلي لعملية النهوض بالأمة من حاضرها المتعثر وصياغة مشروعها الحضاري واستنهاض الرأي العام العربي ودعوته إلى المشاركة في تحقيق هذا المشروع. ومن أجل ذلك فقد تنادى المخلصون وأسسوا لجنة تحضيرية لعقد المؤتمر القومي العربي الذي ظهر إلى الوجود في شهر مارس من عام 1990 وأقر على مشروع الأمة العربية الحضاري في مجابهة التحديات المتمثلة في : ــ الوحدة في مواجهة التجزئة. ــ والديمقراطية في مواجهة الاستبداد. ــ والتنمية المستقلة في مواجهة التخلف والتبعية. ــ والعدالة الاجتماعية في مواجهة الظلم والقهر والاستغلال. ــ والاستقلال الوطني والقومي في مواجهة السيطرة الأجنبية. ــ والتجدد الحضاري في مواجهة الجمود والانعزال الحضاري عن العالم كما ظهرت بوادر على الطريق السليم في بعض الممارسات الديمقراطية الحضارية في بعض الأقطار يرجى لها ان تتعمق لتصل إلى مداها في إحداث نقلة نوعية كبرى نحو الأعلى لتحقيق تحررها من عقلية الاستبداد بالرأى والتفرد في صنع القرار. إن واقع التعاون الاقتصادي العربي المشترك مخيب للآمال لأنه بدأ نظريا منذ منتصف الستينات ولم يطبق على أرض الواقع. والجهود التي بذلت لجمع الصف العربي منيت بالفشل, حيث لم تتمكن جامعة الدول العربية من حل أية مشكلة عربية حتى أنها قد أعلنت افلاسها وتركت المجال للولايات المتحدة الأمريكية وتحالفها لمعالجة الشؤون العربية, وبهذا انهار ما يسمى بالنظام العربي, مما شجع أعداء الأمة على طرح أنظمة جديدة لملء الفراغ, والتي تمثلت بمشروع (نظام شرق أوسطي) ومشروع (نظام شرق متوسطي) , وفي كلا النظامين المطروحين غيبت الهوية العربية واستعيض عنها بهوية شرق أوسطية. كما استكملت أركان النظام العالمي الاقتصادي الجديد بانشاء المنظمة العالمية للتجارة التي حلت محل اتفاقية الجات وبدأت منذ أول عام 1995 بالسيطرة على التبادل التجاري وحماية الملكية الفكرية وتبادل الخدمات وغيرها من الأمور والمصالح الدولية. إن هذه المستجدات السريعة على الساحة الدولية في المجالات الاقتصادية والاجتماعية تجعل الوطن العربي اليوم أكثر من أي وقت مضى بحاجة مصيرية إلى العمل سوية وبجدية وحزم واخلاص نحو التكامل الانتاجي والتجاري والمالي والخدمي, لتكوين كتلة اقليمية ذات أهمية, ولتوظيف امكاناتها الجغرافية والاستراتيجية, واستخدام مواردها الطبيعية والمالية والبشرية في خدمة هذا التكتل لتدخل القرن الحادي والعشرين بخطوة جبارة تفرض وجودها تحت الشمس بين الكتل الاقتصادية العالمية العملاقة, وقد هيأت نفسها للدخول إلى عتبات القرن القادم مجهزة بوضوح الرؤية والأهداف ونجاعة الوسائل للحفاظ على مكانتها في التبادل التجاري الذي يؤمن لها مكاسب هائلة ويساعد أجهزتها الانتاجية على التطور المستمر, مما يؤمن لشعوبها فرصا هائلة للعمل ويدر عليها دخولا عالية تساعدها على المحافظة على مستويات معيشية ورفاهية أعلى, كما تؤمن لها المحافظة على مكانتها الدولية في السيطرة والتحكم في تسيير دفة العالم. لهذا سنعالج في هذا البحث تطورات الاقتصاد العربي ومحاولات العمل العربي الاقتصادي المشترك والأسس التي قام عليها, ونعرض تطوراته وانجازاته ومعوقاته بالمقارنة بغيره من التكتلات الاقليمية والدولية. كما سنناقش موضوع النظام العالمي الجديد للعلاقات التجارية الدولية ومنعكساتها على الاقتصادات القطرية والقومية العربية, لنتوصل إلى استخلاص الدروس والعبر التي يمكن ان تفيدنا في تذليل الصعوبات والمعوقات التي تجابه العمل العربي الاقتصادي المشترك, وسنركز على مدخل التجارة في هذه المناقشات, مما يتمم الصورة لدراسة أحوال وتنظيمات التجارة الدولية ومنعكساتها على أوضاع الوطن العربي. ان العالم يتجه بتسارع مذهل نحو التكتل والعمل المشترك, وإن القرن القادم سوف لا يرحم المتخلفين عن ركب الحضارة الذين مازالوا يضعون رؤوسهم في الرمل ويعيشون في عقلية القرون السابقة. أولاً: النظام العربي والعمل العربي المشترك 1 ـ النظام العربي ان الوعي القومي الذي ولد قبيل الحرب العالمية الأولى, وترعرع في ظل التحدي الاستعماري, وظهر إلى الوجود واضحا قويا بعد الحرب العالمية الثانية, بعد ان حصلت أغلب البلدان العربية على استقلالها السياسي, كان القاسم المشترك لما يمكن ان نطلق عليه (النظام العربي) الذي يشمل الوطن العربي من الخليج إلى المحيط, والنظام العربي هو التعبير عن القومية العربية وعن ضمير الشعب العربي وطموحاته في التكامل والوحدة, فأي نكسة تصيب التكامل والوحدة تنعكس سلبيا على النظام العربي وتعمل على اضعافه وتهديمه. وقد رأينا كيف أن أحداث زيارة السادات لاسرائيل واجتياح العراق للكويت فرقت صفوف العرب وأضعفت النظام العربي وكادت ان تقضي عليه نهائيا. لقد سعى الاستعمار منذ انهيار الامبراطورية العثمانية للحيلولة دون تفتح الشعور القومي العربي وقيام نظام عربي قوي موحد. وكانت خطط الاستعمار دائما تهدف إلى تفتيت المجتمع العربي إلى دويلات ومشيخات ووضعها تحت قبضته لعرقلة توحيدها. ان لهذه الاستراتيجية الاستعمارية جذورا تاريخية تعود إلى صدر الاسلام, حيث تم طرد الجيوش الرومانية من أراضي العروبة والاسلام, وفي أيام صلاح الدين الأيوبي تم طرد الفرنجة الغزاة من بيت المقدس وتحرير أرض العروبة والاسلام. ان هذا العداء التاريخي المتمركز في الفكر الغربي يظهر في جميع محاولات الغرب لاعادة الاستيلاء على المنطقة العربية واخضاعها لمشيئة المستعمرين, ولا ينسى الغرب أبداً صوت سيوف أبطال وفرسان العرب والمسلمين تقرع أبواب بواتييه, وإن هذا الصوت يقلقهم, ولهذا فإن أي عمل لتوحيد كلمة العرب والمسلمين يقض مضاجعهم خوفا ورعبا, نلمس ذلك بوضوح في جميع تصرفات الدول الغربية وفي سياسات حكامها تجاه الوطن العربي والاسلامي. والهدف كان ولا يزال دائما الحيلولة دون توحيد كلمة العرب. ان معاهدة سايكس ـ بيكو بعد الحرب العالمية الاولى اكبر تعبير عن خوف الغرب من توحيد كلمة العرب, فقد ضحى الانجليز بشرف تعهدات مليكهم التي قطعها للشريف حسين (اتفاق حسين ــ مكماهون) , واقتسموا مع الفرنسيين والايطاليين الوطن العربي بعد ان قطعوه إربا إربا, واقاموا الحدود والحواجز المصطنعة بين اجزائه وفصلوا شرقه عن غربه, وبعد الحرب العالمية الثانية غير الاستعمار من استراتيجيته, فانسحبت جيوشه المسلحة لتحل محلها جيوش غير مسلحة عن طريق السيطرة الاقتصادية والثقافية وتكريس التجزئة والتخلف والتبعية, وذلك حفاظا على الهدف الاستعماري العام الا وهو الحيلولة دون توحيد كلمة العرب والاسلام. وعندما نشأت بلدان عربية مستقلة سياسيا في الحدود التي وضعها الاستعمار لكل منها انشغلت كل دولة بعمليات تأسيسها وترتيب احوالها الداخلية, وفي هذه المرحلة عملت الدول الاوروبية على تضميد جراحاتها لاصلاح الدمار الذي لحقها بدعم من الولايات المتحدة الامريكية التي ظهرت بعد الحرب العالمية الثانية كقوة عظمى تجر وراءها الدول الاوروبية وتقود المعسكر الرأسمالي العالمي وتسعى للسيطرة على العالم في وجه المعسكر الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفييتي. وهكذا اصبح العالم يدور حول قطبين, وبدأ التنافس بينهما في حرب باردة معلنة يسعى كل منهما لاضعاف نفوذ الاخر ويعمل على كسب الانصار والمؤيدين, وعلى الرغم من هذا الجو المشحون بالتوتر لم ينس الغرب اهدافه التاريخية, فعمل بالتنسيق مع الولايات المتحدة الامريكية لصياغة استراتيجية جديدة بالنسبة إلى الوطن العربي تؤمن تحقيق الهدف التاريخي القديم في عرقلة الوحدة العربية, وكانت هذه الاستراتيجية تقوم على ركيزتين: الركيزة الاولى هي زرع جسم غريب في قلب الوطن العربي يقض مضاجعهم ويشوش عليهم لياليهم ويستنزف قدراتهم, فأنشأوا اسرائيل وساعدوها في الاستيلاء على اراضي فلسطين وجعل القدس عاصمة لها, ولكيلا يساعد هذا الاعتداء الصارخ على توحيد كلمة العرب وتكتيل جهودهم من اجل التصدي لهذه الهجمة الاستعمارية الاستيطانية الجديدة, عمل الاستعمار على اقامة الركيزة الثانية, وهي كيان عربي هزيل يسد الطريق امام العمل العربي الوحدوي الجاد سمي جامعة الدول العربية, لقد توافق انشاء الجامعة مع اهداف الاستعمار في تكريس التجزئة بين البلدان العربية, وهذا يفسر لنا مباركة بريطانيا وتشجيعها لعدد من الحكومات العربية التي كانت لا تزال تسيطر عليها بشكل أو بآخر على تبني فكرة إنشاء الجامعة, وذلك لامتصاص نقمة الشعب العربي من الخليج إلى المحيط على الغرب لمساعدته في انشاء دولة الصهاينة, ودغدغة شعور الشارع العربي التواق إلى التكامل والوحدة, ومحاولة لنقل المبادرة من الشعب إلى الحكومات لتصبح جامعة الدول العربية التي ترمز إلى الوحدة العربية جامعة دول تحرص على سيادة كل عضو فيها, وبالتالي تعزز النزعة القطرية وتكرس التجزئة التي رسمها الاستعمار. 2ــ العمل العربي المشترك إذا كان النظام العربي هو التعبير العملي للشعور القومي في التكامل والوحدة, فان العمل المشترك هو الاداة للوصول إلى هذا التكامل والوحدة وبناء النظام العربي وتعزيزه باستمرار, فالعمل المشترك هو في الاصل تلاقي مجموعة من الارادات لتحقيق اهداف واحدة تعود بالنفع على الجميع, وبهذا المعنى يكون العمل المشترك هو بداية الطريق نحو التكامل والوحدة, ويوجد في الادبيات الاقتصادية تدرج في العمل المشترك المؤدي إلى الوحدة بدءا من اتحاد جمركي, فمنطقة تجارة حرة, فاتحاد اقتصادي وسوق مشتركة لتبادل السلع والخدمات, ثم الاندماج الاقتصادي, فالتكامل, فالوحدة, ويتطلب هذا الجهد المشترك الكثير من التعقل والصبر, كما يتطلب من كل جهة مشتركة فيه التنازل الجزئي عن الاستقلالية والسيادة القطرية لتعطي للعمل المشترك ومؤسساته الصلاحيات اللازمة التي لابد منها لتطوره وتدرجه وتحقيق اغراضه للوصول إلى الغاية المنشودة, وقد عملت البلدان الاوروبية بهذه الروح في انشاء المجموعة الاوروبية, بينما لم يستوعب العرب أو لم يسمح لهم بأن يستوعبوا هذه الحقيقة, فأختزلوا عملهم العربي المشترك في حدود التعاون العربي المشترك الذي لا يتطلب الشمولية ولا الالتزام, ويبقى أي اتفاق للتعاون تحت مشيئة السلطات القطرية تصادق عليه أو تنسحب منه في أي وقت شاءت, إن مفهوم التعاون الاقتصادي المشترك إذا يختلف اختلافا جوهريا عن مفهوم العمل التكاملي المشترك ولا يؤدي إلى تحقيق التكامل والوحدة, بل على العكس ربما يساعد على تكريس التجزئة والتفرقة. وهذا يفسر لنا تعثر العمل العربي الاقتصادي المشترك وعدم توصله إلى تحقيق اغراضه, لانه نشأ في ظل جامعة الدول العربية التي تقوم على مفهوم التعاون الطوعي, وعلى أسس احترام سيادة واستقلال الدول الاعضاء, واتخاذ القرارات بالاجماع, واعطاء كل دولة صغيرة وكبيرة بالتساوي صوتا واحدا, على أن أي اتفاق يحصل في مجلس الجامعة لا يعتبر اتفاقا مبرما ما لم تصادق عليه الدول الاعضاء طبقا لاجهزتها الدستورية. ان هذه الاسس غير العملية كانت من اهم الاسباب في تعثر وفشل محاولات التعاون والعمل المشترك الاقتصادي والسياسي, وفي تعزيز النزعة القطرية وتكريس التجزئة بدلا من العمل على التكامل والوحدة, كما سنرى في اقسام هذا البحث عندما نعالج مؤسسات العمل العربي الاقتصادي المشترك ونتائج الاتفاقيات المعقودة بهذا الشأن, وبخاصة المعوقات التي حالت دون تطبيق الاتفاقيات وتطور العمل العربي المشترك. ثانيا معوقات العمل العربي المشترك من المفترض ان تتلاقى عدة ارادات وطنية لانجاز عمل مشترك لمصلحة هذه الارادات جميعا, ويتطلب ذلك في الاساس وجود قاسم مشترك بين هذه الارادات تعمل جميعها على تحقيقه كمصلحة مشتركة عليا, كما يتطلب ذلك ان تتخلى كل ارادة وطنية عن جزء من سيادتها لصالح تشكيل شخصية جديدة تمثل السيادات المتعاونة جميعا, ويتدرج هذا التخلي إلى ان يصل في النهاية إلى درجة الوحدة, وتصبح الشخصية الجديدة ارادة تفوق الارادات الوطنية وتستمد شرعيتها من شعوب هذه الارادات, وقد ساعد هذا المفهوم البلدان الاوروبية على التوصل إلى التكامل والوحدة, بل اخذ منحى ومفهوم التعاون مع تمسك الارادات الوطنية بسيادتها الكاملة وعدم التخلي عن جزء منها لصالح العمل العربي المشترك, فبدلا من تحقيق التوحيد والتقارب تكرست التجزئة, وحصل التنافر والتقاتل وتبعثرت الجهود وحلت النكسات والنكبات في ارجاء الوطن العربي. ويرجع المفكرون اسباب تعثر العمل العربي المشترك إلى مجموعتين من العوامل: داخلية وخارجية. 1 ــ المعوقات الداخلية يمكننا لضرورة البحث والتوضيح تقسيم هذه المعوقات الى عوامل فنية واخرى بنيوية, تشمل العوامل الفنية المعيقة للعمل العربي المشترك مدى كفاءة كل مدخل من مداخل العمل المشترك في الوصول الى النتائج التكاملية المنشودة, وعدم صحة القواعد والاسس التي وضعت لسير هذا المدخل والمشكلات والتناقضات التي حصلت اثناء عمليات تطبيق الاتفاقيات والقرارات التابعة لكل مدخل على حدة. فقد اخفق العمل العربي المشترك فنيا في مجال تحرير التجارة وتحقيق تبادل تكاملي فيما بين البلدان العربية, حيث ان السوق العربية المشتركة تعتبر من الناحية الفنية منطقة حرة لازالة الحواجز الجمركية والقيود الكمية بين الدول الاعضاء التي لم يتجاوز عددها خمسا وتحتفظ كل منها بجدارها الجمركي تجاه الدول الاخرى ويشكل هذا من الناحية الفنية نقصا كبيرا ولهذا فإن اتفاقيات العمل العربي المشترك في المجالات الاقتصادية والمشروعات المشتركة لم تحقق التجمع الاقتصادي العربي, وكانت تنقصها صفة الشمولية وصفة الالزام منذ تأسيس جامعة الدول العربية في عام 1945 وجميع المؤسسات والمنظمات التي تمخضت عنها فيم ابعد. اما المعوقات البنيوية, فتتمثل في الخصائص الرئيسية لكل بلد, والتي تشمل البنى الاجتماعية والسياسية والفكرية التي تميز هذا البلد من الاخر, وتعتبر هذه المعوقات اخطر من المعوقات الفنية التي يمكن السيطرة عليها واصلاح خللها بسهولة نسبية, اما هذه المعوقات البنيوية فانها اكثر صعوبة وتعقيدا لانها تتعلق بالقوى الاساسية الفاعلة في صنع القرار والتي يصعب جدا احداث تغيير فيها او ازالة اثارها السلبية في عملية التكامل والوحدة الاقتصادية ان غياب الارادة السياسية الضرورية للتعاون والتكامل تعتبر في حد ذاتها سببا رئيسيا لاعاقة مسيرة العمل العربي المشترك. وكان للتفاوت في الحجم والامكانيات المادية والمصالح الخاصة بكل قطر عربي الاثر الكبير في مسيرة العمل المشترك, اذا شكل خوف الاقطار الصغيرة من ان يؤدي العمل المشترك الى ضياع كيانها الخاص واحتوائه من قبل الاقطار الكبيرة كما شكل خوف الدول الغنية بالامكانيات النفطية من ان يؤدي العمل المشترك الى انفاق اموالها لمصلحة الاقطار الفقيرة, لانها تظن ان ذلك قد ينعكس على مستوى دخلها وقدرتها, وعلى تحسين اوضاع شعوبها وقد ساهمت حالة عدم الاستقرار السياسي في الدول العربية الفقيرة في تخوف الدول الغنية وجعلها اقل حماسا للمغامرة في توظيف اموالها في مشاريع واعمال مشتركة مع هذه البلدان. 2 ــ المعوقات الخارجية أ ــ يأتي على رأس هذه المعوقات الخارجية الاستعمار الغربي في الماضي, ثم الاستعمار الجديد الغربي ــ الامريكي في المرحلة الحالية الذي عمل ويعمل على تكريس التجزئة وتنمية النزعة القطرية التي بدأت منذ استلام بعض الحكام زمام الامور في اجزاء الوطن بمساعدة المستعمرين وتخطيطهم. ان خوف الاستعمار منذ البداية من وحدة العرب وتقاربهم يظهر دائما في سياساتهم وتعاملهم مع الوطن العربي فقد عمل الاستعمار على: 1 ــ التشكيك في الجهود العربية المشتركة في محاولة لهدم الاسس التي تقوم عليها هذه الجهود. 2 ــ ربط القوى الاقتصادية العربية بقوى السوق الرأسمالية. 3 ــ السيطرة على الثروات الطبيعية وعلى رأسها النفط (وقد تكرس ذلك بعد حرب الخليج الثانية) . 4 ــ استثمار الفوائض المالية العربية في البلدان الاستعمارية والحيلولة دون وصولها الى الدول العربية المحتاجة اليها اكثر. 5 ــ اغراق الاسواق العربية بالسلع المصنوعة في البلدان الصناعية (بلدان المجموعة الاوروبية ــ الولايات المتحدة الامريكية واليابان) وربط الاسواق العربية بأسواق هذه الدول وبالمواثيق والمعاهدات التي تضمن مصالح الدول الصناعية وتزيد من صادراتها. 6 ــ السيطرة الفكرية والاعلامية على المنطقة العربية. 7 ــ تقوية وتعزيز الولاءات القطرية وتعميقها لتكون حائلا قويا تجاه العمل العربي المشترك المؤدي الى التكامل والوحدة. 8 ــ تكريس الخرائط الحدودية بين الاقطار العربية وخلق النزاعات والازمات الحدودية حولها بحجة السيادة القطرية, مما يعمق الخلافات العربية ـ العربية ويحول دون تعاونها وتكاملها وتوحيدها. 9 ـ ربط الاقطار العربية بتحالفات عسكرية بحجة حمايتها بعضها من بعضها الاخر (كما حدث مؤخرا بعد اجتياح العراق لاراضي الكويت) . ب ــ ان محاولات الغرب والدول الاوروبية واسرائيل لخلق نظام متوسطي او شرق اوسطي يكون لاسرائيل الدور القائد فيه ليحل محل النظام الاقليمي العربي المتداعي, تشكل عاملا سلبيا تجاه العمل الاقتصادي العربي المشترك فمن جهة, تكرس التبعية التامة للغرب, وتعزز سيطرة اسرائيل في المنطقة, وتربط السوق العربية الواسع باسواقها وتلغي الهوية العربية لقد تطور مفهوم النظام الشرق اوسطي على يد شمعون بيريز وتطور مفهوم النظام المتوسطي من خلال مباحثات الشراكة الاوروبية التي تعقد مؤتمرات واجتماعات متعددة الاطراف وثنائية من اجل التوصل الى تحقيق اغراضها. هذا من جهة, ومن جهة ثانية فإن هذه التحديات حركت الشارع العربي وبدأ المفكرون المخلصون من أبنائه بفضح مخططات الاستعمار الجديد والصهيونية على مصير الأمة العربية وقضاياها المصيرية في التكامل والوحدة, ويعتبر هذا التحرك الايجابي على النطاق الشعبي الأمل القوي المتوفر حالياً لشحذ الوعي العربي بأهداف الأمة في الوحدة والديمقراطية والتنمية الاقتصادية والاجتماعية المستقلة وتحقيق الاستقلال الوطني وتطبيق العدالة الاجتماعية والتجديد الحضاري. ج - كان زرع اسرائيل في قلب الوطن العربي في عام 1947 - 1948 لتحقيق أهداف عديدة منها الحيلولة العملية دون تكامل أجزاء الوطن العربي وتقدمها ووحدتها, وبدلاً من أن يكون التحدي الصهيوني حافزا للتكامل وتوحيد الجهود العربية كان حافزاً للتفرقة, حيث استطاعت إسرائيل بالتعاون مع القوى الاستعمارية, وبخاصة الأمريكية منها, الانفراد بالدول العربية واحدة تلو الأخرى, فأحدثت شروخاً في جسم الأمة وأعاقت محاولات التعاون والتكامل الاقتصادي العربي المشترك, فنجحت بعقد اتفاقية كامب ديفيد, ثم اتفاقية أوسلو, واتفاقية وادي عربة. ثالثاً: مقارنة الجهود العربية والجهود الأوروبية نحو التجمع والتكامل الاقتصادي 1- الجهود العربية مضى أكثر من نصف قرن على تأسيس جامعة الدول العربية التي بدأت بتنظيم العمل العربي المشترك, فأقامت عددا من المنظمات الاقتصادية, وأشرفت على تأسيس عدد من صناديق التمويل والاتحادات المهنية, وعقدت مجموعة من الاتفاقيات الاقتصادية, ووضعت منظماتها مشروع استراتيجية العمل العربي الاقتصادي المشترك وميثاق العمل العربي الاقتصادي, كما أقرت عقد التنمية الاقتصادية. جرت خلال نصف القرن الماضي أحداث جسام كان لها انعكاسات سلبية وايجابية على النظام العربي والعمل العربي المشترك, كان أبرزها نكسة يونيو ,1967 وحرب التحرير 1973 وانعزال مصر السادات, ومعاهدة كامب ديفيد, والصلح المنفرد مع إسرائيل, وحربي الخليج الأولى والثانية, واجتياح العراق للكويت, ومؤتمر مدريد ومباحثات السلام مع إسرائيل, بعد كل هذه الأحداث ماذا كانت النتائج والانعكاسات على فكرة التجمع الاقتصادي العربي؟ هذا ما سنتعرض له في الفقرات التالية: أ- يدلنا تاريخ المنطقة العربية على أنها خضعت لنوع من الاتحاد الجمركي في فترة خضوعها للامبراطورية العثمانية, فكان يتم انتقال السلع وعناصر الانتاج فيما بينها من دون عوائق أو قيود, كما كان يوجد جدار جمركي موحد تجاه تدفق السلع من الخارج, غير ان هذا التوحد الجمركي لم يترتب عليه تحقيق نمو اقتصادي تكاملي, وبعد استيلاء الدول الغربية على الوطن العربي في أعقاب الحرب العالمية الأولى أخذ الاستعمار يعمل على ربط اقتصادات الوطن العربي بعجلة السوق الرأسمالية, وفرض على البلدان العربية نوعاً من التخصص الدولي للعمل في انتاج المواد الأولية اللازمة لسد احتياجات الانتاج الصناعي في أوروبا (عملية تشجيع زراعة القطن في مصر والسودان لصالح مصانع النسيج في انجلترا) فقضت على صفة الاتحاد الجمركي الذي كان يتمتع به الوطن العربي تحت ظل الدولة العثمانية, وقسمت الوطن العربي إلى دويلات وزعت بين القوى الاستعمارية الانجليزية والفرنسية والايطالية, ووظفت التعليم والثقافة لتأكيد وتكريس التمايز بين أجزاء الوطن العربي, كما أنشأت التنظيمات النقدية والجمركية المختلفة, وفرضت القيود والعوائق على انتقال السلع والأشخاص ورؤوس الأموال بين البلدان العربية. ب- بعد حصول البلدان العربية على استقلالها السياسي بعد الحرب العالمية الثانية استمرت تلك السياسات الاستعمارية وتولدت أربعة عوامل لتكريس هذه التجزئة: (1) تزايد اختراق الولايات المتحدة الأمريكية للوطن العربي واتخاذه شكلاً معادياً للقومية العربية والوحدة. (2) نجاح الامبريالية بدفع النظام الحاكم المصري في عهد السادات إلى الانعزال عن الوطن العربي بعقد معاهدة صلح منفرد مع إسرائيل. (3) تزايد آليات التبعية العربية وامتدادها إلى المجالات الاقتصادية جميعها. (4) الفورة النفطية العربية منذ عام 1973 وما ترتب عليها من الناحية الفعلية في غياب حركة قومية عربية من انقسام الوطن العربي إلى مجموعتين: مجموعة غنية, ومجموعة فقيرة. وقد تكرس ذلك أكثر في إنشاء جامعة الدول العربية على أسس التعاون الاقتصادي للحفاظ على أوضاع كل دوله الخاصة وسيادتها القطرية بدلاً من السير في طريق التكامل والوحدة, بحيث لا تتمتع الجامعة العربية بأية سلطة وطنية تخولها اتخاذ قرارات ملزمة للأقطار العربية الأعضاء من دون حاجة إلى رجوع ممثلي هذه الأقطار إلى بلدانهم للحصول على موافقة المؤسسات الدستورية القطرية عليها لإعطائها قوة تنفيذية, وبهذا أصبحت جامعة الدول العربية بمثابة أداة اختيارية للتعاون بين أعضائها, بحيث لايقوم التعاون إلا في الموضوعات التي يناقشونها, ولا تنفذ هذه القرارات إلا في حق البلدان التي توافق عليها طبقا لأجهزتها الدستورية. وقد شكل هذا التوجه عقبة أمام جهود التجمع الاقتصادي العربي, وكرس واقع التجزئة, وقيد إلى حد كبير فرص التكامل والعمل العربي الاقتصادي المشترك, لهذا نجد أن الجهود الكبيرة التي بذلتها جامعة الدول العربية ومجالسها ومنظماتها في سبيل تحقيق حد أدنى من أشكال التعاون الاقتصادي كان يمكن لو أتيح لها المجال تنظيميا ومبدئىًا أن تتطور, كما تطورت جهود التكامل الاقتصادي في المجموعة الأوروبية, لولا اصطدامها دائماً وفي جميع مراحلها وفروعها بجدار الحرص التام على السيادة القطرية وجدار النصوص المؤسسية للجامعة وميثاقها. كاتب وباحث من سوريا*