أكبر عبرة نخرج بها هذه الأيام في صيف باريس هي ان رجاء جارودي لم يعد وحده في ساحة الاصداع بالحق هنا في فرنسا وفي أوروبا. فلقد لاحظنا تحولا مباركا في الرأي العام الغربي انطلاقا من أعمال صادرة تؤكد الفاجعة الكبرى التي عاشها التعب الفلسطيني عام 1948 حين ذهب ضحية مأساة المؤرخ الفرنسي الشهير دومنيك فيدال (الخطيئة الأولى لاسرائيل) . وفي الحقيقة فإن عبارة (الخطيئة الأولى لاسرائيل) هي عنوان آخر كتاب صدر لفيدال منذ أسابيع وألفه بالتعاون مع جوزف الغازي (صدر عن مؤسسة لاتلي), وفي هذا الكتاب عرض أليم وصادق وموثق لمأساة مليون فلسطيني مهجّر بالعنف والقوة والقمع ليتحقق للصهيونية حلم العودة الى (أرض بلا تعب) مثلما كانوا يكذبون على الرأي العام العالمي ولايزالون. والى جانب هذا الكتاب ــ الشهادة.. صدرت في الغرب كتب أخرى منها كتاب للمؤرخ هنري لورنس الذي سبق ان كتب كتابا أمينا عن حملة بونابرت على مصر, وهذا الكتاب الجديد للورنس يحمل عنوان (عرض لتحليلات أول صراع عربي اسرائيلي 1948). ولا يخفى ان في اسرائيل ذاتها ولدت حركة اسمها حركة المؤرخين الجدد أسسها شبان اسرائيليون لمعرفة الحقيقة وراء التهجير والسلب والنهب التي ظلت خافية عن الاسرائيليين وعن العالم الى اليوم. ومن هؤلاء المؤرخين الجدد: سمحاء فلابان وتوم سيجف وآفي شلبام وبني موريس وغيرهم.. وهم ينتمون الى مدرسة لا يهمها القناع الايديولوجي بقدر ما يهمها قراءة الوثائق واستنطاق الاحداث. وبالطبع فإن عمل هؤلاء لا يخرج عن اطار الموضوعية التاريخية بالقدر الذي يسمح به مناخ الحرب الذي يحيط بالمجتمع الاسرائيلي, لكنه على كل حال عمل طيب ويفتح الباب للمؤرخين في أوروبا وأمريكا حتى يعرفوا حقيقة ما جرى في دير ياسين وكفر قاسم ويافا من مجازر ارتكبها ارهابيون صهاينة من عصابات شترن وماغانا واريغون ضد شعب أعزل مسالم لايزال يطالب بحقوقه في دولة ديمقراطية مسالمة! ابادة كوسوفو في الصيف صدرت أكثر الصحف الفرنسية انتشارا وهي (لوكانار) تحمل عنوان (الصرب يستغلون عطلة الصيف لتنفيذ ابادة الألبان في كوسوفو).. وهذا العنوان يعبر عن المأساة التي يعيشها المسلمون في وطنهم كوسوفو التي ترزح تحت نير استعمار صربي رسمي غاشم يقوده رئيس صربيا سلوبودان ميلوسيفيتش الذي أصدرت المحكمة الدولية بلاهاي ضده حكما عادلا عند قيامه بابادة ربع مليون مسلم في البوسنة والهرسك. واليوم وفي غفلة الاجازات الصيفية, ينفذ حاكم بلجراد جرائم ابادة دينية تحت اسماع وأنظار أوروبا والعالم الغربي. وقد شاهدنا على شاشات التلفزيون الفرنسي تلك الحرائق المروعة التي يشعلها جنود حكومة صربيا في مدن وقرى بأكملها ثم يتولون تهجير مئات الآلاف من المسلمين من بيوتهم الى الجبال والسهول والأنهار.. انها مأساة حقيقية يعيشها أبرياء المسلمين أبناء ديننا وقرآننا على أيدي الارهابيين ونحن نتفرج دون تنسيق مواقف ولا حتى تحرك دبلوماسي اسلامي.. ان العار يلطخ جباهنا ونحن عاجزون حتى عن التنديد, في حين ترتفع أصوات الكنيسة الكاثوليكية ومناضلي حقوق الانسان في فرنسا لتطالب بايقاف حمام الدم. ان اخواتنا المسلمات والشيوخ والاطفال يموتون في الحرائق يوميا ومن ينجو من ألسنة اللهب يأكله رصاص الرشاشات وبارود المدافع, ومن يسلم بجلده تتقاذفه الطرقات الجبلية والمجاعة والعراء.. أين الضمائر المسلمة تجاه هذا الجرم الرسمي الذي تقوم به دولة عضو بالأمم المتحدة تحلم بصربيا الكبرى ورفع الصليب على كامل البلقان؟!.. أين الأصوات الحرة المؤمنة لترتفع من خليجنا المجاهد وقادته البررة لتقول.. لا للابادة الدينية والتطهير العرقي... أين أمة الاسلام؟؟!! استاذ بقسم الاعلام ـ جامعة قطر*