اذا كان بعض السياسيين في لبنان يفضلون التريث في فتح ملف رئاسة الجمهورية فهذا شأنهم ولسنا من رأيهم هذا واسباب مخالفتنا لهم كثيرة ولا تحصى السبب الاول هو ان الموضوع بالنسبة لهؤلاء ينحصر في اسم الرئيس العتيد وبما ان كلمة السر لم تأت بعد فلماذا فتح البحث . والسبب الثاني ان هؤلاء لا يقولون الحقيقة ذلك ان الاستحقاق الرئاسي مفتوح من كل المداخل فلماذا اغلاقه في وجه الشعب.. والسبب الثالث انه اذا كان استحقاق بحجم رئاسة الجمهورية لا يناقش شعبيا, فأي معنى للحياة السياسية واي مصير.. والسبب الرابع ان التمادي في تغييب الرأي العام اللبناني هو تماد في افراغ الداخل اللبناني من اي مضمون وفصله عن اي دور. والسبب الخامس انه اذا كانت كلمة الشعب غير مسموعة في من يكون رئيس البلاد الذي تختاره معادلات معينة فان كلمة اللبنانيين يجب ان تكون مسموعة في الاولويات والقضايا التي يقع على العهد ان يهتم بها وذلك مدخلا الى تحديد مواصفات الرئيس الجديد. اما سبب الاسباب فهو ان ذلك يقع في باب المساهمة التاريخية في تشكيل المجتمعين المدني والسياسي في لبنان سبيلا الى اخراج البلد من المأزق المتكرر. ويمكن الاسترسال اكثر من ذلك في عرض الاسباب. لهذه الاسباب جميعا نحن مع فتح البحث على مستوى المجتمع الاهلي في لبنان, بحيث يخرج هذا البحث من الشرنقة ومن احتكار جهات معينة له فيما الامر يتصل اتصالا وثيقا بمرحلة مهمة من عمر لبنان. نحن مع التغيير او التجديد في رئاسة الجمهورية اللبنانية والمزاج الشعبي اللبناني العارم هو في هذا الاتجاه الاعتبار في هذا المجال هو ان اللبنانيين فكرة لو دامت لغيرك ما آلت اليك, اما الاعتبار الاساسي في تطلب اللبنانيين للتجديد والتغيير, فهو الحرص على ثبات مبدأ التداول المنتظم للسلطة. التداول المنتظم للسلطة مبدأ ديقمراطي عريق وان كان وحده لا يختصر الديمقراطية السياسية فيما هو وجه من وجوهها فقط. التداول المنتظم للسلطة في لبنان إذن مبدأ ديمقراطي اولا, وتعبير عن ميزة لبنانية ثانيا, لكنه حاجة كيانية ثالثا واساسا, لأنه يتصل بطبيعة الكيان اللبناني التعددي حيث لا يستقيم اي تمديد مع المضمون العميق للديمقراطية البرلمانية في لبنان كصيغة ملائمة للكيان.. حتى اشعار آخر. التمديد السابق للرئيس الياس الهراوي في خريف عام ,1995 كان منافيا لكل الاعتبارات التي سبق ذكرها وان كان قد تم بآلية دستورية يلخصها الدستور نفسه. ومع ذلك فقد برزت حينذاك حيثيات للتمديد. نتفق معها او نختلف, الا انها كانت حيثيات سوغت التمديد. وفي الحيثيات ــ سابقا ــ ان الجمهورية الثانية كانت لا تزال فتية وانه يقتضي لذلك اعطاء فرصة للعهد لاكمال البدايات الضرورية لمعالجة جوانب من قضايا الوفاق اللبناني. وفي الحيثيات ــ سابقا ــ ان الاعتبارات الاقليمية تقتضي التمديد فالمنطقة كانت لا تزال في صميم عملية سلمية مندفعة وواعدة ومفاوضاتها لم تنقطع الا في فبراير 1996 اي بعد التمديد, ومواكبة الرئيس الهراوي بموجب هذه الحيثيات للمعطيات الاقليمية حتى نهاياتها.. ضرورية. المعطيات اليوم صيف ,1998 لا يمكن ان تبرر حيثيات خريف 1995. فعلى الصعيد الاقليمي, من الواضح ان العملية السلمية في مأزق كبير وليست هناك اية استحقاقات ايجابية داهمة, في ظل اللاسلم الساند والمفتوح على شتى الاحتمالات, فهل يمكن القول بأن يستمر الرئيس الحالي في مواكبة شيء لا افق منظورا له؟ وعلى الصعيد اللبناني الداخلي حدث تطور سياسي بالغ الاهمية. المقاطعة التي حصلت للانتخابات النيابية عام ,1992 وهي في اصلها مسيحية في الغالب سقطت مرتين: الاولى في انتخابات العام ,1996 والثانية بشكل حاسم في الانتخابات البلدية هذا العام 1998 والذي سقط بالفعل هو المتعارف عليه المعارضة المسيحية للنظام من خارج النظام ومن الخارج معا. ولكن اذا ذهبنا الى العمق فعلا, نتبين انه بسقوط المقاطعة هذه, انبعث تعاط واقعي ــ او اعتراف ــ بالنظام السياسي اللبناني وبالمرجعية السورية في لبنان.. ولم يعد هناك في الواقع السياسي اللبناني ما يعاكس هذه الوجهة بشكل فعلي. هذا التطور الذي نشير اليه لا يمكن ان ننسبه الى الجهود الخاصة للرئيس الهراوي لأن عوامل متداخلة تضافرت في الوصول اليه.. ومع ذلك اذا كان الرئيس الهراوي يبدو عام 1995 ــ بعد 1992 ــ ضمانة مسيحية بمعنى من المعاني فهل هو الآن عام 1998 (العاشق الوحيد) ؟! نقول إذن اننا مع التجديد والتغيير في سدة رئاسة الجمهورية اللبنانية تمسكا بثبات مبدأ التداول المنتظم للسلطة, لكننا نضيف ان ثمة معطيات لا تزن لمصلحة التمديد, بل تزن في مصلحة مجىء رئيس جديد للجمهورية.. ولذلك يبدو لنا ان امر التمديد قد حسم سلبا. ثم ان الحاجة للتجديد في رئاسة الجمهورية تبدو حاجة ــ ومصلحة ــ لبنانية سورية في آن. نبدأ بالحاجة ــ المصلحة اللبنانية. ان البلد بأمس الحاجة الى دينامية او ديناميات سياسية جديدة فعلا, وانتخاب رئيس جديد للجمهورية هو احد المداخل المهمة الى ذلك والحرص الذي لابد ان يكون للعهد الجديد على صورته السياسية, من المفترض ان يترجم نفسه سعيا الى ترييح البلد, وهذا يتم انطلاقا من معالجة ما درجنا على تسميته (ازمة الوفاق الوطني) في لبنان نحو انتاج تسوية سياسية متجددة تأخذ في عين الاعتبار ما حصل في لبنان خلال السنوات الماضية. الحاجة ــ المصلحة اللبنانية هي تأمين الاستقرار السياسي في البلاد, اي دينامية استقرار سياسي يتم في ظلة بناء مالم يتم بناؤه دولة ونظاما ومجتمعاً. والاستقرار السياسي هو نفسه حاجة اقتصادية ــ اجتماعية ايضا, وعندما نتكلم عن استقرار سياسي لانعني سكينة سياسية مطلقة أو خواء سياسيا, بل نعني وضعا سياسيا طبيعيا, والوضع السياسي (الطبيعي) يعيد الاعتبار لقوانين الصراع السياسي السلمي الديمقراطي, والصراع السلمي الديمقراطي في ظل تسوية متجددة لايعود يمس بالمسلمات الكبرى, بل يفترض انتظام العلاقة الصراعية بين موالاة ومعارضة, ما يستدعي تجديداً في المعارضة بمختلف مكوناتها برنامجاً وأداءً, ان الحديث عن الاستقرار السياسي هو حديث هنا عن حياة سياسية ديمقراطية متجددة محكومة الى قانون طبيعي, وهو يعيد الاعتبار للخلافات المنطقية وينقل الحياة السياسية من المراوحة, في الدوائر المذهبية إلى رحاب (اللبنانية) العامة. والحاجة ــ المصلحة اللبنانية الى كل ذلك تستدعي بحثا ــ مع العهد الجديد ــ في قوانين متقدمة للديمقراطية السياسية في لبنان: قانون (فعلي) للانتخابات النيابية يتحقق معه تطور تدريجي في الديمقراطية, قانون فعلي ايضا للانتخابات البلدية, قانون ديمقراطي للحياة الحزبية, مما يتطلب حوارا يشارك فيه الجميع على (وهج) عهد جديد. والحاجة ــ المصلحة اللبنانية, هي ايضا الى معالجة الشأن الاجتماعي في البلد بواسطة تسوية اجتماعية فعلية بات لابد منها, كما هي الحاجة الى مشروع للبنان ينقله الى القرن الآتي. ثمة حاجة ومصلحة لبنانية الى انتخاب رئيس جديد للجمهورية يشكل مدخلاً الى كل ما سبق ذكره, ونستدرك بالقول ان التوجهات الآنفة الذكر هي التي يوفر اعتمادها تجديدا في الحكم وأدائه من ناحية, وتجديداً في المعارضة وادائها من ناحية ثانية, وعندها (تنتهي المرحلة الانتقالية لعقلية الحرب) كما قال الرئيس رفيق الحريري مؤخراً, لا بل عندها فقط تنتهي المحاصصات وتنتهي عملية نهش الدولة والفتك بالمجتمع وعندها تقوم الدولة, ويتحقق فصل السلطات ــ المبدأ الآخر في الديمقراطية السياسية ــ وتقوم سلطة واحدة منسجمة على مشروع ولايعود أحد يستغرب لا نعرف لماذا, ان يطالب رفيق الحريري بسلطة تنفيذية منسجمة وبرلمان يراقب, ولايعود أحد يتهم الحريري بأنه يريد رئيسا للجمهورية موظفا عنده!! أما لماذا هناك حاجة أو مصلحة سورية في انتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانية, خاصة اذا كان هذا الانتخاب مدخلا الى كل ما ذكرناه؟ الجواب عن هذا السؤال يقتضي صراحة ــ ودقة ــ متناهية, تشكل سوريا مرجعية اقليمية عن لبنان وفيه بغطاء اتفاقات كبرى: الاتفاق السوري ــ الامريكي المستمر منذ الطائف, والاتفاق السوري ــ الفرنسي في الآونة الأخيرة, و(التفويض) العربي لها, هذه الاتفاقات الكبرى مهمة بالنسبة الى سوريا, لكننا نرى ايضا انها مفيدة للبنان, بأي معنى؟ الاتفاقات قامت على اعتراف سوريا بالكيان اللبناني ودولته وعلى أخذ العلم من جانب الاطراف الدولية بذلك, الامر الذي يجعل سوريا ليس فقط بحاجة الى تجديد هذه الاتفاقات بين حين وآخر, بل بحاجة ايضا الى مراعاتها. تشكل سوريا مرجعية اقليمية عن لبنان وفيه على هذا الاساس, غير ان الجوهري هو ان هناك ارادة لبنانية بعلاقات لبنانية ــ سورية مميزة, والاعتراف اللبناني بهذا المضمون لهذه العلاقات هو الذي يشكل المعطى الاكثر رئيسية, والاعتراف اللبناني بالعلاقات المميزة مع سوريا وبمرجعيتها الاقليمية بات الآن غالبا بشكل حاسم, اذ لايستطيع لبناني عاقل ولا نتكلم هنا في أي اعتبار (قومي) ــ ان يتنكر لذلك ثمة وضع لبناني جديد في التعامل مع سوريا هو لمصلحتنا, لكنه لمصلحة سوريا ايضا. ان هذا التطور في علاقة البلد بسوريا, واطمئنان سوريا اليه, لابد ان يشكل حافزاً الى تطوير علاقة سوريا بالبلد في المقابل, وفي رأينا ــ المتواضع ــ ان شيئًا كثيرا منه قد حصل بالفعل, ونعطي مثالاً وحيداً على ذلك هو السياسة السورية (المتنورة) حيال الانتخابات البلدية الاخيرة. (شعب واحد في دولتين) قال الرئيس حافظ الاسد مرارا وكلامه (وثيقة) في ذاتها لانه الاعتراف السوري الرسمي الفريد في بابه بالكيان اللبناني ودولته, على ان اللبنانيين هم المطالبون بتأكيد هذه المعادلة التي اعلنها الرئيس الاسد, بحيث نكون وسوريا شعباً واحداً في دولتين ونظامين ايضا. انتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانية وفق كل المعاني هو تتويج لمرحلة انتقالية لبنانية وافتتاح لمرحلة جديدة, افتتاح لمسار في الوضع اللبناني, ولمسار في العلاقة اللبنانية ــ السورية, لذلك فعند الدخول في مواصفات الرئيس الجديد, نرى ان تكون صفته الاولى مؤمنا بالعلاقة اللبنانية ــ السورية على اساس معادلة الرئيس الاسد, لان العلاقة بسوريا كانت ويجب ان تبقى جزءًا حيوياً من الثقافة الكيانية ــ السياسية اللبنانية, وعلى اساس صفته الاولى هذه لابد ان تكون صفته الثانية الانتماء الى تيار الشرعية اللبنانية التاريخية, غير ان الصفة الثالثة الاساسية, ان يكون الرئيس الجديد مسيحيا قويا تمثيليا وقادراً على اشعار المسيحين بعودتهم الوازنة الى المعادلة اللبنانية الداخلية تمهيدا للمعالجات المطلوبة, وصفته الرابعة ان يكون مؤمنا بدولة القانون, ومؤمنا بأن لبنان بحاجة إلى مشروع كبير يقتضي له البدء من القضايا التي سبقت الاشارة اليها, وصفته الخامسة ان يستطيع المشاركة في قيادة سلطة تنفيذية منسجمة لمصلحة لبنان. سوريا هي الناخب الاكبر في الاستحقاق الرئاسي الآتي, هذا صحيح ومقبول وجيد, لكن اللبنانيين معنيون بأن يقولوا في مناسبته كلاماً واضحاً ومعقولاً!