لعل أعظم وربما انبل, ما يمكن ان يميز حرفة الصحافة ومهنة الصحف مبدأ اسمه الموضوعية, ولعل اخطر ما يتهدد هذا المبدأ النبيل هو غلبة المصالح المادية سواء كانت مصالح افراد او مصالح جماعات. هذا الخطر اصبح ماثلا ومحيقا بمؤسسة الصحافة في بلدان شتى في الشرق وفي الغرب, واذ كنا نميل اكثر الى الاحوال السائدة في بلد مثل الولايات المتحدة, فربما يعود ذلك الى أسباب عدة منها مثلا ما يلي . 1 ــ ان الولايات المتحدة اصبحت القطب الاكثر تأثيرا والاوسع نفوذا في المحيط العالمي وتلك حقيقة واقعة قد نراها سلبية وقد لا نراها كذلك ولكنها ظاهرة حالة (بتشديد اللام) في كل حال. 2 ــ ان التقدم التكنولوجي الامريكي قد بلغ حدا مذهلا وبات يرتاد تخوما وآفاقا غير مسبوقة وخاصة في وسائل الاتصال الفضائية (الاقمار الصناعية) او التواصل الالكترونية (الحاسوب ومشتقاته) وهذا يضفي على الوسيلة, او الواسطة الاعلامية الاتصالية فعالية هائلة لم يسبق لها مثيل في التاريخ. 3 ــ من حق الولايات المتحدة ان يشهد لها المراقب السياسي والاعلامي بأنها مجتمع مفتوح الى حد كبير بحيث يتيسر على المرء ان يرصد الاتجاهات السائدة ويتابع التيارات المتنوعة التي تخلف تأثيراتها في مجالات الثقافة والاعلام وعلى ساحات العمل العام. وبمعنى اخر قد ادت لعبة التوازن الديمقراطي القائم على نظرية فصل السلطات في امريكا الى (فرز) المؤسسات والشخصيات ومن ثم الى تصنيف او فلنقل (توسيم) ما يرصده المرء من سلوكيات هذه المؤسسات والشخصيات. وليس معنى هذا ان تقتصر الدروس المستفادة التي نحاول استقاءها على الساحة الامريكية بالذات... بل يستوجب الامر متابعة ما قد يسعفنا متابعة ورصد مجريات أموره من ساحات اخرى في الغرب وفي الشرق على السواء. ونقصد بالغرب اقطار غرب اوروبا الى بعض اقطار وسطها ونقصد بالشرق جيراننا الاقربين أو الابعدين من شبه القارة الهندية الى الصين واليابان على ضفاف الباسيفيك ــ ولم نقصد بالشرق مثلا بلدا مثل روسيا التي لم تعد تصلح مثلا يحتذى بقدر ما اصبحت أمثولة جديرة الاجتناب ولم تعد سيرتها وكسبها نموذجا امام الشعوب النامية بقدر ما اصبحت عبرة مفعمة بالمرارة في الزمن المعاصر. (قبيل الصحافة في العشرينات) ولقد نرجع في حديثنا عن الموضوعية الى جيل الآباء المؤسسين للصحافة الحديثة ــ المعاصرة مع بدايات هذا القرن العشرين. هذا الجيل الذي كان يضم قيادات تتمسك أساسا بأن الصحفي مهنته الأساسية هي استقاء الأخبار دون تلوينها أو تحويرها أو التعليق عليها, ثم إذاعة ونشر هذه الأخبار أو المعلومات دون ابداء رأيه فيها. في هذا المقام يمكن أن نستعيد مقولة ما زال الدارسون يتعلمونها في معاهد الصحافة وهي منسوبة إلى مدير وكالة اسوشيتدبرس الدولية للأنباء وقد جرت على لسانه عام 1925 العبارات التالية التي وجهها إلى مساعديه ثم إلى جمهور المتلقين بشكل عام: ــ إذا ما جاء حين من الدهر ونسيتم فيه كل شيء قلته لكم.. فأنا أرجوكم أن تذكروا شيئا واحدا وأساسيا أيضا وهو: ان وكالة اسوشيتدبرس لا تعلق قط على الأخبار التي تنشرها. في تلك الفترة المبكرة كان الشعار المرفوع لضمان نقاء الخبر هو شعار (النزاهة) , وبعدها أصبح اسمه (الموضوعية) , وكانت تلك مرحلة بدا فيها صوت العلم مسموعا وقيمة أمانة المهنة محمودة ومبدأ الانضباط مندوبا إليه كما يقول الفقهاء. بيد ان هذه المرحلة لم تطل للأسف الشديد بل حلت محلها دعوة, ومن ثم مدرسة صحفية رفعت شعارا مغايرا, شديد الجاذبية, بالغ الخطر على السواء شعار الموجة الصحفية الجديدة التي ظهرت في الثلاثينات وما بعدها وهي: ــ الصحافة التفسيرية. ومؤاده ان العالم يزداد تعقيدا, وان قضاياه ومؤسساته تزداد تشابكا, ومن ثم بات القراء والمستمعون (لم يكن التلفزيون قد ولد بعد) بحاجة إلى تفسير ما يتلقونه من أخبار. وقد أفرخ هذا الشعار الجذاب طروحات أخرى قالت بها مدرسة (والتر لبمان ــ عميد الصحافة الأمريكية المعاصرة وحواريوه) ومؤداها ما يلي: ــ إن مهمة الصحفي ان يساعد قارئه, لا على أن (يعرف) من خلال الخبر فحسب, بل على أن (يفهم) أيضا من خلال التفسير أو التعليق. ولم يطل الأمر الا ودخلت الصحافة معمعة الحياة الحزبية ومن ثم صارت طرفا ضالعا في اللعبة السياسية ولم تعد مراقبا محايدا خارج اطار هذه اللعبة وأصبح قادتها نجوما في المجتمع وأصدقاء للكبراء والوزراء والرؤساء بعد أن كانوا بمثابة عين الجماهير المفتوحة التي ترصد, وضميرها المعبر في موضوعه عن آرائها. انهيار الحدود الفاصلة وليس معنى هذا أن اشترت السلطة ذمم الصحفيين ولكن معناه ان ثمة خطوطا فاصلة, أو كان ينبغي أن تظل فاصلة قد اضطربت رسومها واهتزت معالمها وتميعت ثم بهتت ألوانها في حين أنها كانت تفصل بين السلطة الصحفية الرابعة وبين سائر السلطات الثلاث وزاد على ذلك ــ في رأينا ــ ان استجدت في أمريكا مثلاً ظاهرة الرئيس المخطط مثل روزفلت, أو الرئيس المثقف ــ المفكر مثل جون كيندي, وهذان النمطان من الحكام بحاجة دوما إلى علاقات فكرية ووشائج ثقافية بل وجسور في مجال الخبر والمعلومة يتواصل بها مع الشأن العام. وفي ظل هذا المناخ بالذات نمت ظاهرة العلاقات الودية الحميمة بين الرئيس والصحفي, بين رجل السلطة ورجل الاعلام, أو بين السيف أو القلم, كما يقولون في تراث العرب في أمريكا كان أبرز نجوم الصحافة ممن ربطتهم بالبيت الرئاسي الأبيض علاقات وثيقة والتر ليمان وزميله جيمس رسترن. وقد أميط اللثام عن ان ليمان شارك في كتابة خطاب التنصيب الافتتاحي الشهير الذي ألقاه جون كيندي في عام 1960. ومن عجب ان يكتب ليمان بعد ذلك معلقا على خطاب فخامة (رئيسنا) الشاب قائلا: (انه كان تحفة مرموقة من أساليب التعبير عن الذات) . وكذلك فعل الكاتب الأمريكي المعاصر (جورج ويل) الذي لم يتورع عن تحضير بل تلقين رونالد ريجان في المناظرة المتلفزة التي حسمت نجاح ريجان ضد خصمه جيمس كارتر. ويومها استخدم ريجان أساليب هوليوود في حفظ الدور (المكتوب سلفا) وفي أدائه بتلقائية ممثل محترف وبعدها لم يتورع الكاتب (الموضوعي) جورج ويل عن كتابة تعليق امتدح به في رونالد ريجان حسن الأداء ونموذج شهير من مصر ربما نشير إلى حالة مصر العربية في هذا السياق بالذات في العهد الملكي السابق على ثورة 23 يوليو, لم يؤثر لا عن الملك فؤاد (المتوفى عام 1936) ولا عن ولده فاروق (المخلوع عام 1952) ان صداقة فكرية أو عقائدية قد ربطت أيا منهما وبين واحد من حملة الأقلام أو الأفكار صحيح ان محمود التابعي أستاذ الأسلوب الصحفي الحديث والرشيق في أخبار اليوم وآخر ساعة وروزاليوسف كان صديقا للأسرة المالكة في مصر,وقد سافر معها في رحلات إلى أوروبا ولكنه لم يسافر كصاحب قلم أو صاحب فكر أو صاحب رأى أو رؤية وصحيح ان حاشية الملك فاروق كانت تضم صحفيين من امثال كريم ثابت او ادجار جلاد ولكن الرجلين, عفا الله عنهما, كانا يتصرفان بوصفهما اعضاء في البطانة ولم تكن بطانة خير في كل حال. ولم يكن دواعي فخر احدهما ان يؤثر عنه انه من اصحاب الاقلام او الاراء او الافكار بقدر ما كان اهتمامه ان يكون من اصحاب العمولات والعمارات والحظوة على موائد القمار والاسهم الرابحة في البورصات. اشكالية ناصر ــ هيكل تكتسب الاشكالية في حالة مصر تعقيدا مع جمال عبد الناصر الذي جاء في اطار حقبة يمكن ان تحمل لافتة مكتوبا عليها.. مرحلة الحاكم ـ المفكر او الرئيس ــ المثقف او الزعيم ــ الكاتب والداعية. ولم يكن عبد الناصر بدعا في هذا كله, فقد كان الامر كذلك بالنسبة لمن عاصروه منذ مطالع الخمسينات جواهر لال نهرو وكتب (لمحات من تاريخ العالم) وكوامي نكروما كتب (اني اتحدث عن الحرية) واحمد سيكوتوري كتب (استقلال افريقيا) دع عنك ما كتبه ستالين في القومية ووحدة السوق وماكتبه ماوتسي تونج عن الثورة الثقافية في الصين.. الخ علينا ان نتذكر ان تشرشل الزعيم والسياسي وضع واحدا من اروع الكتب بالانجليزية بعنوانه الشهير (الحرب العالمية الثانية) ونال عنه جائزة نوبل في الآداب ولقد استهل عبد الناصر الامر بكتابه البكر (فلسفة الثورة) الذي حدد فيه كما هو معروف معالم الدوائر التي يتحرك فيها النضال المصري وهي الدائرة العربية او الاسلامية او الافريقية. ومن بعد كانت مشاركته في اطر ومؤسسات ذات نزعة ايديولوجية وشعارات مستحدثه صادرة عن عقول مفكرة ومبتكرة في ان ومن ذلك مثلا (حياد الايجابي, وعدم الانحياز والوحدة الافريقية والعالم الثالث والدول النامية ومؤتمر التجارة والتنمية (اونكتال) . لم يكن غريبا اذن ولا كان صدفة ان يقترب من السلطة الناصرية الجديدة والشابة اصحاب اقلام كان لكل منهم تاريخه في ميدان الصحافة والفكر في مصر وفي العالم العربي ونستطيع ان نسرد عليك اسماء حسين فهمي وحلمي سلام ومصطفى امين واحسان عبد القدوس وسليم اللوزي وسعيد فريحه. كان لكل منهم عطاؤه ولكل منهم درجة اقترابه او ابتعاده ازاء المحيط الناصري. لكن مقعد الصداقة المتواصلة والحميمة ظل محجوزا كما هو معروف باسم محمد حسنين هيكل الذي اجاد يوما وصف علاقته الطويلة بجمال عبد الناصر بانها كانت علاقة حوار لم ينقطع في الخامسة والنصف من مساء 28 سبتمبر 1970 يوم الرحيل الجليل والحزين وكم جاهد هيكل مرة ومرات كي يؤكد للناس ان صداقته مع عبدالناصر لم تقيد قلمه ولا حالت بينه وبين ابداء رأيه, يعني انه كان يصدر عن سلطة الصحافة, وليس من موقع صحفي السلطة بل يذكر الاستاذ هيكل في هذا المقام ايضا ان عبدالناصر كان يضيق احيانا من مقاله الاسبوعي الشهير في اهرام الجمعة (بصراحة) انهما اتفقا كصديقين على ألا يجعلا المقال مثارا للنقاش. بل لقد عمد هيكل يوم ان ساقه أنور السادات متهما امام المدعي الاشتراكي ــ ان يضمن حافظة الدفاع مجموعة من مقالات كتبها في نقد تجاوزات حدثت في عهد عبدالناصر وكانت قد كتبت ونشرت وجمال عبدالناصر علي قيد الحياة. ثم يعلن هيكل قائلا: (... وأمام الله والرجل في رحاب الله, لا أذكر ان صدره ضاق مرة بشيء كتبته. (ولكن) مرة واحدة في تاريخ علاقتنا كلها عاتبني (ناصر) على مقال نشرته بعنوان (هل تحقق التغيير؟) وكان ملخص المقال: انه اذا لم يكن النظام (الناصري) قادرا على ان يغير فإنه لابد ان يتغير وتلك طبائع التطور (محمد حسنين هيكل ــ كتاب بين الصحافة والسياسة, 1984, بيروت). ونظن ان مجرد اختيار الاستاذ هيكل عبارة (بين الصحافة والسياسة) عنوانا لكتابه الذي ذكرنا, يكاد يلخص الازمة التي ذهبنا اليها في ان تصاب الصحافة بآفة اللاموضوعية حيث يفتقر القلم الصحفي الى الخبرة المهنية المطلوبة مهما حسنت نواياه, مع ما يتفرع عن ذلك من ادوار التحيز والهوى والكتابة المغرضة وتوخي المصالح الفردية أو الفئوية أو الطبقية بدلا من مصالح المجتمع العريض التي تصدر الصحافة بكل اشكالها وعلى تنوع وسائطها كي تشارك في تنويره وتثقيفه وتربية اجياله على وجه قويم. وليس في هذا دعوة الى عزل الصحفيين عن التواصل مع دوائر السلطة عبر مراتبها المختلفة فالصحفي اولا وقبل كل شيء انسان وعواطف وانفعالات. ثم هو بحاجة دوما الى مصادر ومحكات ومحفزات كي يتشمم الخبر ويفتش عن المعلومة ويقرأ ما يدور من حوله من احداث وأحاديث. تحذير الى قيصر لكن التحذير مطلوب, وكما كان قيصر الرومان يواجه جماهير المؤيدين ومن خلفه رجل يصيح به محذرا يقول: (قيصر... تذكر انك بشر) فقد يجوز للصحفي ان يوطن ضميره الاخلاقي والمهني ايضا على ان يهتف بين جوانحه قائلا: كل شيء زائل يا صديقنا الكاتب أو المعلق أو المندوب, السلطة والثراء والعلاقات وبدلات السفر السخية والنزول الفخم الوثير في معية صاحب المعالي أو الفخامة أو الجلالة أو قل ما شئت من القاب التعظيم, لا يبقى من هذا كله سوى كلمة حق تقال, ورأي مستنير يساق, ومعلومة جديدة تضاف الى ذخيرة الوطن فتثري تجربته وتعمق خبرته ناهيك عن نقد شجاع بغير تجاوز, نزيه بغير تحيز قد يجرح دون ان يدمي, وقد يقسو دون ان يصل الى مهاوي التشهير أو الارهاب الفكري أو الابتزاز ساعتها تكون الصحف قد قالت كلمة تمكث بحق في الارض وتقنع الناس.