في أمريكا نكتة مشهورة, وهي نكتة ليست عادية ولكنها نكتة ساخرة وذكية, كما أنها تترجم بصدق حقيقة العقلية الأمريكية والذكاء الأمريكي, النكتة تقول ان مواطنا أمريكيا دخل قهوة على الطريق لاحتساء قدح من القهوة فوجد صديقا له يجلس في حالة يرثى لها وقد ركبه الهم والغم, فسأله عما يقلقه, فأشار الصديق إلى طاولة قريبة, وقال : هذا الرجل هو سبب همومي كلها. قال الآخر: ولكن هناك أربعة رجال حول الطاولة, فقال الصديق: صاحب القبعة السوداء, رد الآخر: ولكن الأربعة يرتدون قبعات سوداء. وقال الصديق: الرجل الذي أقصده هو صاحب رابطة العنق الحمراء. ورد الآخر: ولكن الأربعة يرتدون ربطات عنق حمراء. أبدى الصديق تبرمه من كثرة الأسئلة وقال : انه الذي يستعمل نظارة طبية, ورد الآخر: كلهم بنظارات طبية, وعندئذ انتفض الصديق غاضبا وأخرج مسدسه وأطلق الرصاص نحو الطاولة القريبة فأسقط ثلاثة من الجالسين حول الطاولة قتلى, ثم أشار نحو الرجل الوحيد الباقي على قيد الحياة وقال: هذا الرجل الجالس هو السبب في همومي كلها!! قتل الأبرياء وأبقى على حياة الرجل الذي هو مصدر همومه وآلامه, لا لشيء ألا لكي يتمكن صديقه من التعرف عليه. ويبدو أن النكتة لا تنطبق على العقلية الأمريكية فقط, ولكنها تعبر في الوقت نفسه عن عقلية بعض جماعات الارهاب! ولا شك ان السياسة الأمريكية تظلم بعض الشعوب وتغيظ عدداً كبيراً من الناس, وهي خبيرة في استفزاز البعض إلى درجة القيام بأعمال انتحارية ضد المصالح الأمريكية, ولكن الذي حدث بالفعل في حادث نسف السفارتين الأمريكيتين في أفريقيا, هو الترجمة الحرفية للنكتة الأمريكية, فالذين قاموا بتفجير السفارتين لديهم بدون شك تبريرات للقيام بعمل انتحاري ضد المصالح الأمريكية, فما الذي حدث بالفعل؟ أرادوا الحاق الضرر بالمصالح الأمريكية فتسببوا في الاضرار بالمصالح الأفريقية, وأرادوا قتل الأمريكان فقاموا بقتل الأفريكان. وليس هناك فرق بين الأمريكان ـ الأفريكان إلا نقطة. ولكنها نقطة كبيرة وخطيرة وتصرخ بالفم المليان.. هناك فرق. فأهل أفريقيا مظلومون ومطحونون وغلابة مثلنا, وربما يقفون في نفس الخندق الذي يقف فيه الأشخاص الذين قاموا بالتفجير. انهم على رأي المثل.. لا ناقة لهم ولا جمل, ولا لهم في العير ولا في النفير. وهم يسألون الله الستر ويبعد عنهم شر الهوتو وجنون التوتسي, وان يحميهم من شر جميع الحيتان من كل صنف. ماذنب الأفريكي الغلبان الذي فقد حياته بدون سبب وبدون ذنب؟ والمريب ان الغرب كله كان حريصا على التأكيد بان الحادث من تدبير (المسلمين) هكذا بدون دليل ودون سند قانوني, وبالطبع توجد أسباب وراء هذه المزاعم على رأسها ان الاسلام ينتشر في قارة أفريقيا انتشار النار في الهشيم. ولا يمكن طبعا الوقوف في وجه انتشار الاسلام أو منع المواطنين من اعتناقه ولكن انتهاز حادث من هذا النوع والترويج لفكرة ان الارهاب صناعة اسلامية سيساعد على وقف انتشار الاسلام في القارة. فعن طريق هذا الحادث يمكن مخاطبة أهل أفريقيا على هذا النحو: هذا هو الاسلام الذي سارعتهم باعتناقه, لقد قتل أخوتكم وأبناءكم وسيقتل أولادكم في المستقبل إذا صار الاسلام هو صاحب الأغلبية في بلادكم. وهناك طبعا فرشة جاهزة في أجهزة الاعلام الغربية عن المجازر في الجزائر وعن المعارك في أفغانستان وعن حادث الأقصر الذي دأبت هذه الأجهزة على تكراره بين الحين والآخر بالرغم من أنه حادث وحيد, ولكنه فرصة ذهبية منحت للمتآمرين لعرضه كلما سنحت فرصة كأسلوب لارهاب المسلمين الذين يمارسونه داخل وخارج حدودهم, أما ابادة شعب البوسنة على يد الصرب, أما التطهير العرقي في كوسوفا فهي أعمال انسانية تتم بأساليب ديمقراطية وليس لها أي مدلول آخر! وأصارحكم القول.. لدى العبد لله شكوك حول مرتكبي هذا الحادث, فأول المستفيدين من ورائه هي دولة اسرائيل, فهي الدولة صاحبة المصلحة في وقف انتشار الاسلام في أفريقيا. كما ان أغلب دول أفريقيا تساند القضية الفلسطينية وتستنكر موقف الحكومة الاسرائيلية المراوغ والعنصري والمستبد. وحادث من هذا النوع يجلب السرور والحبور لاسرائيل, ويبذر بذور الكراهية في قلوب أهل أفريقيا ضد العرب والمسلمين. وقد تقوم اسرائيل بهذا الحادث لحساب غيرها, المخابرات الأمريكية مثلاً, وبذلك تضرب عصفورين بحجر واحد, تقدم خدمة للادارة الأمريكية وتخدم مصالحها في الوقت نفسه, وستبذل جهدها لالصاق التهمة بالفلسطينيين, هذا هو السيناريو المعقول للحوادث التي هزت أفريقيا, لأنني لا أتصور ولا أصدق ان مسلما عربيا, أو غير عربي يسمح لنفسه أن يقتل كل هذا العدد البريء من الأفريكان, انتقاما من اعوجاج وفساد السياسة الخارجية الأمريكية. انها حكاية أشبه بنكتة بايخة من نكت المنولوجست سلطان التي لا يضحك لها إلا سلطان نفسه. العبد لله مثلاِ شديد الغيظ والحقد من تصرفات دولة أفغانستان, فإيه المنطق في القيام بحادث ارهابي في انجلترا يحصد أرواح المئات ويجرح الألوف من الانجليز؟! أفهم ان تكون الضربة موجهة إلى العدو الذي استهدفه, ولكن أن يغيظني الأمريكان فأضرب الأفريكان أو يضربني الانجليز فاقتل الألمان , فهذا هو الفشل الحقيقي حتى في العمل الارهابي! وهذا السلوك إذا صدر من شخص ما, فهو الدليل الأكيد على العجز الكامل. وكان يعيش في الجيزة واحد من هذا الطراز يدعى محمود الحكيم, كان قصيرا ونحيفا ومريضا ومصابا بداء الثعلبة. وكان يحلو للفتوة (ميمون وحش الجبال) ضرب محمود الحكيم علقة ساخنة في بعض المناسبات, وكان الحكيم يبكي بحرقة أثناء العلقة ويركع على الأرض ويتوسل للفتوة ميمون ان يرحمه ويتركه في حاله, فإذا انتهت العلقة وذهب ميمون تحول الحكيم إلى وحش كاسر وتحفز للدخول في معركة ضد عبده بكر المكوجي أو المعلم قطب البقال أو عبد الوهاب الجزمجي, وهم ناس غلابة وليس لهم من أمور الخناق أو الفتوة, يضربه ميمون فيضرب عبده المكوجي أوقطب البقال, لأنه عاجز تماما عن رد الضربة لميمون وحش الجبال. ولو ثبت بالدليل القاطع ان العرب المسلمين أو المسلمين من غير العرب هم الذين ارتكبوا هذه الحوادث المضجعة, فسيركبني الهم والغم وسأصاب بالاحباط والاكتئاب أيضا, لأنه سيكون الدليل الدامغ على أننا وصلنا إلى حالة العجز العام, وأن الهدف غاب عنا والطريق ضاع من أقدامنا وأصبحنا مثل محمود الحكيم, نركع عند أقدام الأقوياء ونتوسل إليهم, ثم ننتقم من الغلابة والضعفاء, وإذا ثبت أننا صرنا من حزب محمود الحكيم, فبطن الأرض عندئذ .. خير لنا من ظهرها!