حتى الآن لاتزال العلاقة ملتبسة بين الحكام والمحكومين في العالم العربي, ولن نستطيع ارجاع هذا الالتباس لغير العوامل النفسية, والقناعات الشعبية السائدة, إذ هي وحدها لاتزال تفيد بوجود معيار اخلاقي يفرز الحكومات في الجانب القمعي, والشعوب في جانب المجني عليه, اي المقموع . هذه القناعات السائدة ليس من مهمة هذا المقال الغوص في اعماقها, بل الاشارة اليها, لأن الاسباب واضحة, واولها ان آليات التناوب على السلطة لاترتكز الى الخيار الشعبي, وان الوصول الى الحكم يتم بصورة غير سلمية. كلامنا في هذه الناحية كلام مطلق, وفي الوقت نفسه كلام لا يحتمل التعميم, لكن الظاهر عن العلاقة السائدة بين الحكومات وشعبها لايوحي بالود, ولايكفي لايلاء المكانة الاجتماعية للاطراف المتعاونة بشكل تسليمي, فطري وطبيعي. لذلك كثيرا ما نرى ان الاعتبار الاخلاقي, سواء اتصل باعتبار البطولة, او العدالة, يفوز به عادة الخارجون على طاعة السلطة,, أو المعارضون, أو حتى المتحرشون برجالها سواء كانوا منخرطين في الجيش أو في سلك البوليس. وغالبا ما يتأهل الناس لمناوشات مفترضة مع السلطة, ومفاهيمها, من اجل الوصول الى مكانة (البطل) وهو عادة شخصية تنشد العدالة, ونصرة المظلوم, ومحبوبة جدا من الرأي العام. في بلاد كاليمن تبدو هذه الظاهرة شديدة الوضوح للعيان, حيث المجتمع هناك ينضوي, كشرائح, تحت مظلة سلطة القبيلة, ومراجعها, ولم يتحول بعد الى مجتمع مدني, تلقائي الاداء, على الرغم من وجود دستور ومؤسسات دستورية حاكمة, وديمقراطية. فحتى الان لم تدخل في قناعة المجتمع المدني, ان المنهل السياسي الديمقراطي الحاكم, بعضوية الاحزاب فيه, انه ممثل في السلطة, او ان السلطة نابعة من اختياره, أو انها القبيلة الام لسائر القبائل التي ينضوي تحت عباءتها افراد المجتمع. وبحكم ان الدولة اليمنية لم تصبح بعد, في قناعة ووجدان المواطن اليمني, (ام القبائل) او قبيلة الشعب اليمني كله, لذلك نرى ان العلاقة معها علاقة ثنائية, ومحكومة بظروفها, فالدولة مقبولة كوجود اذا سايرت مصالح هذه القبيلة, لكن وجودها مرفوض من سائر القبائل التي ترى ان حقوقها مهضومة, ويجب الوصول اليها بالمنطق القبلي, وقوة القبيلة, لابمنطق القانون وقوة الدولة. الرئيس علي عبد الله صالح, لا ينكر عليه احد انه يمتطي صهوة جواد جامح, فمقعده غير مريح, اذ هو مضطر الى التعاطي مع الخصومية القبلية الطاغية, وفي الوقت نفسه التلاعب بالمفهوم القبلي لجهة الارتقاء به الى مستوى مفهوم الدولة, وذلك عن طريق فتح الحياة السياسية امام مشاركة الجميع, عن طريق الاقتراع الديمقراطي, والكيفية الديمقراطية لتشكيل الحكومات. وفي الوقت نفسه فان الرئىس اليمني, الذي تتجاذبه الحقائق المجتمعية في بلده, ومايجب ان يسود منها, ومايجب ان يتم تعليقه وايداعه التاريخ, يرى نفسه مضطرا لضبط حركة هذا المجتمع, الى اللجوء الى اصدار قرارات يرى انها ضرورية لتصويب علاقة الناس مع الدولة, وتصويب رؤيتهم الى الحقوق, وطريقة الوصول اليها, او الحصول عليها لا فرق. في هذا الصدد اصدر قرارا يقضي باعدام كل من يقدم على اختطاف الرهائن (سواح, أو أجانب يعملون في مرافق الدولة) والمساومة عليهم مقابل تلبية مطالب. وقبل الاشادة بهذا القرار, او هذا القانون الصارم, لابد من التساؤل حول اسباب الاختطاف, ولماذا تلجأ القبائل اليمنية الى اخذ الرهائن, والذين لايتعرضون للمعاملة القاسية في العادة؟! اللجوء الى الاختطاف يدلل بوضوح على استمرار النظرة الى الدولة اليمنية على انها قبيلة من قبائل البلاد, ويجوز, بموجب هذه النظرة, اتخاذ مايلزم من سلوكيات, تلجأ اليها القبائل بين بعضها البعض لتسوية علاقاتها. او للتفاوض من اجل تسوية هذه العلاقة على قاعدة صلبة من الاعتراف بالمصالح المشتركة. فالرهينة في العادة هو من قبيلة الدولة, والقبيلة الخاطفة تغزو على هذه القبيلة وتسبي رعاياها, أو مواليها. فإذا أخذنا بهذا العرف فإن الرئيس علي عبدالله صالح سيكون مرغما على ايلائه الاعتبار الأول, باعتباره عرفا قبليا ناظما لسلوك أبناء القبائل, إنما بالمقياس المدني القانوني فإنه عرف اجرامي يجب أن يتلقى معتنقوه عقوبات القانون. لن يستطيع الرئيس اليمني الذي يبدو كمن يمتطي الليث أن يسقط هذا العرف إلا إذا استطاع اخراج الأهالي من اللعبة السياسية, واخراج القبيلة من عزلة الانتماء الضيق إلى فضاء الانتماء اليمني الفسيح. والرئيس اليمني لن يستطيع بلوغ هذا الهدف النبيل بالشعارات, بل باستخدام صلاحياته لجعل الدولة مرجعا عاما للناس يجدون لديه الحق والعدالة والانصاف. في هذا المجال لم يعد جائزا السكوت عن فساد الجهاز الحكومي, ولا عن قضاء حاجات الناس التي لا تتسنى لهم إلا بعد الرشوة أو اللجوء إلى النافذين, سواء كانوا في الإدارة الحكومية أو في الصدارة القبلية, وفي هذا المجال أيضا أصبح من العسير جدا التغاضي عن اضطراب الخدمة العامة وربطها بالاستثمار السياسي, بحيث يفوز بها كل من والى الدولة ومشى في رحابها, ويحرم منها كل من عارض الدولة, وكانت له وجهة نظر في أسلوب الحكم والإدارة. ولقد ازدادت أثقال المسؤولية على كاهل الرئيس صالح بعد أن توحد شطرا اليمن إذ دخل في الاعتبار السياسي خصوصيات المجتمع اليمني في الجنوب وهي خصوصيات مدنية لا يتمكن العامل القبلي في تشكيلها, اضافة إلى ان الناس في الجنوب تحرروا من رقعة نظام ماركسي شمولي كثير التعقيد والاستبداد, سلبهم كل شيء, اضافة إلى الحرية, أي سلبهم عقاراتهم, وأصولهم, وأراضيهم, وقد باتوا يتطلعون إلى دولة الوحدة كي تعيد لهم هذه الحقوق المسلوبة, وتعيد الأمور في المجتمع الجنوبي إلى نصابها. فالذين يدعون زورا انهم أصحاب الأرض في الجنوب فلا بد من الامساك برقابهم, واحالتهم إلى المحاكم, كما فعلت مصر في الآونة الأخيرة حين أحالت إلى المحاكم العسكرية كل من يدعي ملكية أرض بموجب أوراق مزورة. وفي مجال ابراز اليد الطولى للدولة, كمرجع للعدالة والانصاف, لا تفريق بين الفرقاء ترجح موقف هذا على ذاك, لابد من ملاحقة المعتدين على بيوت الله, الذين دمروا أضرحة الأولياء في عدن, والقبض عليهم, ومحاكمتهم بتهم العدوان واثارة الفتنة, إذ هم الآن يسرحون ويمرحون على الرغم من ارتكابهم جرائم ضد معتقدات الناس وتقاليدهم. جيد من الدولة أن تتشدد لحماية الأمن والاستقرار في البلد لكن الشرط إلى ذلك تطبيق التشدد بالتساوي, وعلى الجميع. إن التراخي في تطبيق القوانين هو الذي يشجع على استشراء مبدأ اللجوء إلى الاجراء الفردي لأخذ الحقوق, فالتشدد لو كان شاملا للأصوليين الذين اعتدوا على المساجد في عدن وحطموا أضرحتها, من دون مراعاة لحرمة الموتى, لما تجرأ طرف على الاختطاف وأخذ الرهائن, ولما تجرأ متنفذ على استغلال مركزه ونفوذه, ولما تجرأ موظف عام على الفساد وتقاضي الرشوة. نعود إلى البداية لنشير إلى ان قانون اعدام المختطفين جيد, شرط أن يكون جزءا من حزمة قوانين تعالج مشكلات المواطنين, وتقضي اليهم حقوقهم بالتساوي, وتلبي مطالبهم العادلة, وتقضي على فساد الإدارة. اختطاف الأجانب في اليمن جريمة مروعة, فهي لا تتسبب فقط في اضطراب الأمن, بل تقضي على كل أمل للبلاد في النهوض والتنمية, وعلى كل فرصة للاستثمار ودخول الرساميل للعمل في الدخل الوطني. وفي كل حال فإن علاقة الدولة في اليمن بالمجتمع لن تكون علاقة صائبة ما لم تخرج هذه الدولة من منطق الطرفية السياسية, إلى منطق المسؤولية عن الجميع.. وليكن قانون الرئيس علي عبدالله صالح, الذي قضى باعدام المختطفين بداية لتشكيل حزمة قوانين تطبق بعدالة, تضع الدولة فوق القبائل, وتنفي عنها صفة القبيلة الموازية التي يجوز غزوها, والاعتداء على حرماتها. صحافي ـ السياسة الكويتية*