يتفق المراقبون على ان الصيغة التي اختارتها الادارة الامريكية, في التعاطي مع عملية التسوية السلمية, وهي (الابتعاد المؤقت)عن مجريات العملية التفاوضية, تنطوي على قدر كبير من الخبث والانانية والاستهانة بمصالح الاطراف المتضررة من غياب المرجعية الدولية واستمرار الصراع في المنطقة في صورته الراهنة. فواشنطن تؤكد بموقفها هذا, الذي تتجسد فيه كل معاني السلبية والاعاقة المتعمدة, عدم الرغبة في الاعتراف بفشل مبادرتها الاخيرة لتحقيق تسوية اسرائيلية فلسطينية, وكذلك فشل اسلوب الرعاية المنفردة للتسوية السلمية بعد مرور ثماني سنوات على اطلاقها في مؤتمر مدريد. لقد احتفظت الولايات المتحدة, من خلال هذا (الابتعاد المؤقت) بمسافة تتيح لها البقاء على صلة باطراف المشكلة, ولكن من دون ممارسة دور مؤثر في الاتصالات الجارية. وهذا يعني تجنب الانسحاب من العملية السلمية, وفي الوقت نفسه عدم تحمل أية مسؤولية حيال المفاوضات العقيمة التي تجري بين الجانبين الفلسطيني والاسرائيلي, الآن او في المستقبل. على ان الاكثر اهمية في كل ذلك هو ان الولايات المتحدة اعفت نفسها من الضغط على الحكومة الاسرائيلية وتخلت من الاحراج الذي يسببه لها هذا الموضوع. فهي موجودة في العملية السلمية وغير موجودة, وهي على صلة مع الحكومة الاسرائيلية عبر قنواتها الدبلوماسية نفسها لكنها لا تتدخل ولا تضغط من اجل فرض مبادرتها واقتراحاتها التي قبلها الجانب الفلسطيني بينما رفضها الجانب الاسرائيلي. وهي تستمع الى مناشدات الطرف الفلسطيني والاطراف المعنية بالتسوية لممارسة دورها المفترض في الرعاية والتوسط, الا انها لا تعتبر نفسها معنية بالاستجابة لاي مطلب. اي انها تحتفظ بدور المرجعية بالنسبة للعملية السلمية كلها, لكنها في الواقع لا تمارس ما يفرضه عليها هذا الدور من مسؤوليات والتزامات رسمية واخلاقية. ومن الواضح ان الموقف الامريكي السلبي يعيق اي تحرك دولي يهدف الى اخراج العملية السلمية من مأزقها الراهن, فاصرار الولايات المتحدة على البقاء في الساحة وحدها من خلال عدم الاعتراف بفشل مبادرتها ودورها, ينعكس بالضرورة على مواقف العديد من الدول التي تحرص على تجنب الاصطدام بواشنطن. وقد واجه المشروع الفرنسي ــ المصري المتعلق بعقد مؤتمر لانقاذ السلام هذه العقبة منذ البداية, وهو مازال يعاني من آثارها السلبية عليه, فوق معاناته من تحفظات بعض الدول العربية حول فكرة المشروع من اساسها. ولم تتردد الحكومة البريطانية, على سبيل المثال, في التأكيد على هذه المشكلة من خلال الموقف الذي عبرت عنه في اعقاب مؤتمر (باليرمو) للدول المتوسطية قبل عدة اسابيع. اذ اوضح وزير خارجيتها روبن كوك (ان الاتحاد الاوروبي لا يمكنه البحث في تأييد الخطة المصرية الفرنسية الداعية الى مؤتمر جديد للسلام يعالج الوضع في الشرق الاوسط ما لم تفشل الجهود الامريكية) . واضاف الوزير البريطاني: (اذا عقد هذا المؤتمر فسنرغب بطبيعة الحال في انجاحه, لكن جهودنا موجهة في الوقت الراهن لانجاح المبادرة الامريكية للتوصل الى اتفاق بين الجانبين) . وفي هذا الوقت اعادت الادارة الامريكية التأكيد مجدداً على عدم ترحيبها بالاقتراح الفرنسي المصري معتبرة ان لا لزوم له ما دامت مستمرة في دورها, على رغم (ابتعادها المؤقت) عن رعاية المفاوضات الجارية بين الطرفين الاسرائيلي والفلسطيني. وهي اكتفت بالطلب الى الحكومة الاسرائيلية والسلطة الفلسطينية التفاوض مباشرة من اجل تحقيق اتفاق بينهما خارج نطاق الآلية التي اقترحتها في مبادرتها المغيبة) . لقد اكتشف المفاوضون الفلسطينيون بعد مرور ما يقرب من اسبوعين على مباشرة المفاوضات الثنائية, وفقاً للنصيحة الامريكية, ان الحكومة الاسرائيلية تتجاهل المبادرة الامريكية كلياً, كما ان الافتراضات التي تطرحها خلال اللقاءات المشتركة بعيدة تماماً عن المطالب الفلسطينية ولا تلبي اي شيء منها, سواء ما يتعلق باعادة الانتشار في الضفة الغربية المحتلة او بوقف الاستيطان اليهودي المتزايد الخطورة. وتوضح هذه النتيجة الى اي مدى استفادت حكومة بينامين نتانياهو من الصيغة الامريكية المبتكرة, حيث تواصل لعبة كسب الوقت ومنع الطرف الآخر من البحث عن حلول جدية بديلة, خارج اطار التنسيق الامريكي ــ الاسرائيلي. ان أكثر ما يثير الاستغراب حالياً هو استمرار الطرف الفلسطيني في المشاركة في لعبة اضاعة الوقت التي تتم على حسابه, على رغم تأكيداته المستمرة بأن لا جدوى من وراء مسرحية المفاوضات الراهنة التي تكاد تتحول, او هي تحولت بالفعل الى قضية عبثية. لقد حددت السلطة الفلسطينية مراراً بالانسحاب من المفاوضات لكنها لم تنفذ تهديدها حتى الآن, وهو ما يشجع اسرائيل, ومن خلفها الولايات المتحدة على مواصلة اللعبة: لعبة التفاوض من اجل التفاوض فقط, في الوقت الذي تتواصل الخطوات الاسرائيلية لخلق حقائق جديدة على الارض. فاذا كانت السلطة الفلسطينية غير مستعجلة للخروج من هذه الحلقة المفرغة, فلماذا تكون الحكومة الاسرائيلية, او الادارة الامريكية, اكثر حرصاً منها... على انقاذها؟!