أخشى ما أخشاه ان يكون ما قاله لي صديقي صحيحا, وهو ان كل ما نسمعه وما نشاهده من (أخبار) حول المفاوضات الفلسطينية ــ الاسرائيلية ليس سوى ملهاة للفت الانظار وتمضية الوقت بانتظار ما ستنتهي اليه مفاوضات سرية, هي المفاوضات الحقيقية والجادة لوضع صيغة الاتفاق الحاسمة للحل النهائي لقضية فلسطين . وصديقي هذا ليس بعيدا عن مراكز صنع القرار الفلسطيني الرسمي, فهو من اركان منظمة التحرير الفلسطينية الذين آثروا منذ سنوات طويلة البقاء بعيدا عن الصف القيادي الأول والاكتفاء بموقع الراصد والمراقب, فهو لا يدلي بتصريحات ولا يجهر برأيه في الاجتماعات, ولا يتبرع بالرأي الا اذا طلب منه وفي أضيق الحلقات. ولصديقي هذا صلاته العربية والدولية بالعديد من العواصم ذات الاهتمام بالقضية, مما ساهم في توسيع دائرة معلوماته وتعدد مصادرها. التقيته صدفة في العاصمة الاردنية بعد طول غياب, كنت أنا في زيارة خاصة وكان هو في طريقه الى مقر عمله واقامته. وبعد المداولة حول أوضاع المنظمة والسلطة, رأيته يتنهد كمن يحاول ازاحة كابوس عن صدره, ليقول لي: ــ كفانا حديثا وتحليلا عما يقال لنا أو نشاهده على شاشات التلفزة, فالمسرح الحقيقي للاحداث ليس حيث ننظر, انه هناك, وراء جدران مغلقة, وفي مكان غير هذا المكان, ورجاله غير من تسمع عنهم! وصعقني ما سمعت عنه, ووجدت نفسي أقول بصوت مرتفع: ــ هل تعني ان الخديعة تتكرر وان ثمة قناة تفاوضية سرية تعمل على غرار ما حدث في أوسلو عندما كنا نبحلق في واشنطن؟ ــ نعم سيدي, وأوسلو الجديدة هي رودس, وفي نفس الجزيرة التي شهدت على أولى اتفاقيات التنازل العربي عن فلسطين. فجأة توقف صديقي عن الكلام, ثم وقف وسعى الى كوب ماء تجرعه بعد ان بلع أكثر من حبة دواء اختارها من بين كومة من علب الادوية الموجودة فوق الطاولة.. استمر الصمت لحظة خلتها نهارا طويلا ليعود يسألني: ــ ألم تسمع شيئا عن هذه القناة مطلقا؟ وأضاف مبديا عجبه: ــ مع العلم بأن (الجيروزاليم بوست) أشارت اليه تلميحا. ثم عاد ليسألني وكأنه مندهش من دهشتي: ــ ولماذا كل هذه الدهشة؟.. وهل بعد عملية أوسلو والتوقيع على اتفاقيتها ما يمكن ان يثير دهشة أحد؟ وبقيت على صمتي وتركته يحكي: ــ لقد بدأ التحرك الفعلي بهذا التوجه, أي اعتماد القناة السرية للمفاوضات النهائية مع الابقاء على القناة العلنية التي نشاهدها ونسمع عن مفاوضاتها التعيسة, منذ أكثر من ستة أشهر, أي بعد نجاح نتانياهو في اقناع بعض من في السلطة بألا مفر من اللجوء الى السرية وابعاد الولايات المتحدة عن المواجهة تماما كما حدث خلال مفاوضات واشنطن. ثم سارع للقول: ــ ولا تتوهم ان هذا الاتفاق تم من وراء ظهر واشنطن, بل على العكس, فلقد تم بارادتها ومباركتها ورجاء الفريقين على المضي في تنفيذه.. وكان لنتانياهو الدور الأكبر في اقناع واشنطن بجدوى هذه الصيغة كمخرج لها ولتحريرها من مسؤوليتها كراعية, وكفرصة لاسرائيل لتحقيق مشروعها كما تريد. غير ان المشكلة ــ يستطرد صديقي ــ كانت في (تطبيق) قيادة السلطة لخوض هذه المغامرة, وكان لابد من التمهيد للأمر بالدعوة الى لقاءات واجتماعات (غير رسمية) لاستشراف المواقف الاسرائيلية والفلسطينية من (القضايا) المتعلقة بالحل النهائي. ولابد ــ يذكرني صديقي ــ ان ما سمعناه عن اجتماعات عقدها أبومازن وغيره حول مسائل تتعلق بالقدس والأمن كانت في هذا السياق. وكان كل ما حدث بعلم نتانياهو وبتوجيهه, في الوقت نفسه الذي كانت تجري فيه اللقاءات العلنية بين رئيس السلطة وكبير مفاوضيه وغيرهما مع المسؤولين الاسرائيليين وذلك من قبيل التمويه, تماما كما حدث لمفاوضات واشنطن. ــ ولكن هل يعقل ان يكون قد حدث هذا كله, وفي رودس, دون ان يلفت أحدا من رجال الصحافة أو دوائر الاستخبارات؟ ــ حسب معلوماتي تم في رودس اجتماع أو اجتماعان على الاكثر, وذلك من أجل عملية (الاخراج) والقول ان ما سيتم الاتفاق عليه إنما حدث في أجواء حرة وبلد ثالث, بينما واقع الأمر ان معظم هذه الاجتماعات تتم سرا. ــ قلت في بداية القصة ان الاجتماعات بدأت غير رسمية, فمتى أصبحت رسمية وبعلم المسؤولين عن الفريقين؟ ــ حدث ذلك بعد تسليم الفريق الفلسطيني بأن يسقط بندين من البنود المعلقة في الحل النهائي هما مسألة القدس وعودة اللاجئين الى (اسرائيل) التي كانت فلسطين. ــ ولكن هل يعقل ان يسلم هؤلاء باسقاط هذين البندين مجانا لمجرد الدخول في مفاوضات شاءت اسرائيل أم أبت قادمة؟ ــ لقد قيل انهم أخذوا بالمقابل (وعداً) من نتانياهو بعدم رفض قيام دولة فلسطينية. ــ وعاصمتها....؟ ــ قطعا خارج القدس, ربما رام الله أو أية بلدة في الجوار. المقدسات الاسلامية فقط ستكون برعاية عربية ــ اسلامية ــ فلسطينية, ولكن دون سيادة على الارض وبحصانة تشبه الى حد ما حصانة السفارات!! ــ وهل تشمل معلوماتك أسماء الفريق الفلسطيني المتولي لشؤون هذه القناة السرية؟ ولأول مرة وجدت صديقي مترددا, ويطلب اعفائي له من الرد على هذا السؤال, ولكنني ألححت عليه, فاكتفى بالقول: ــ كل ما اعرفه انهما اثنان من (الكوادر) الجديدة, احدهما من المعتقلين السابقين الذين تم الافراج عنهم ونال مؤخرا حظه من التلميع, والثاني لم يسبق لي ان سمعت باسمه حتى اني نسيته. (قالها وهو يضحك الما). ثم استعاد صديقي دهشته وراح يسألني: ــ استحلفك بالله, ألم تسمع بهذه القصة من قبل؟ ولما اكدت له بأني لم اسمع بها, رحت استرجع في ذاكرتي شريط الاداء السياسي للسلطة منذ توقيعها على اتفاقية اوسلو, وما تم انجازه ومالم يتم, واستذكر ما تم قضمه من اراض وما تم تدميره من منازل (اكثر من ستمائة منزل حتى الآن), وما ينطق به الناطقون والمستشارون عن (نعيهم) للمسيرة التفاوضية في الليل لأراهم في النهار مجتمعين مع هذا المسؤول الاسرائيلي أو ذاك واقرأ ما صدر عن لجنة القدس من قرارات, وعن عجز العرب على عقد قمة جادة... و... و.. بعد هذه الغيبوبة عدت لصديقي وقلت: ــ ربما.. ربما سمعت بهذه القصة من قبل.. ولم لا؟ ففي مثل هذه الايام وفي ظل هؤلاء الحكام... كل شيء ممكن.