مهما تحدثنا في شأن الصراع والسلام, ذلك الأمر المطروح اليوم بين الفلسطينيين والاسرائيليين, فهناك معادلة من الصعب تجاوزها, فبعد مائة عام على بدء الصراع وبعد أكثر من 50 عاما على قيام اسرائيل وبعد أكثر من 30 عاما على احتلال الضفة الغربية وغزة والقدس الشرقية هناك في فلسطين التاريخية قرابة الثلاثة والنصف مليون عربي موزعين بين الضفة الغربية وغزة وبين اسرائيل الرسمية, وهناك بنفس الوقت قرابة الأربعة ملايين اسرائيلي يهودي هم نتاج هجرات متتالية على مدى مائة عام , وبينما تميل معادلة القوة العسكرية واستخدام أدوات العنف لصالح اسرائيل, إلا ان الاستقرار والارتقاء الاقتصادي والأمن الذي تبحث عنه اسرائيل لن يكون ممكنا من خلال أدوات العنف هذه, بل ان الاساس سوف يبقى في طريقة تحقيق الأمن من خلال بناء حل يساهم في تأمين احتياجات الطرفين. ان الجانب الاسرائيلي يشترط الأمن والجانب الفلسطيني يبحث هو الآخر عن الأمن, ولكن احتياجات وضرورات الأمن لكل طرف تختلف , فبينما الأمن بالنسبة للفلسطينيين يعني انسحاب اسرائيل من الأرض وضمان السيادة الوطنية المستقلة وتأمين مستقبل للنمو الاقتصادي والاستقرار للفرد والمجتمع, نجد ان الأمن بالنسبة لاسرائيل يتضمن عدم الشعور بالتهديد الناتج عن ضخامة المشروع الذي نفذته وضخامة الألم الذي أحدثته لضحاياها العرب. وبينما تمتلك اسرائيل الآن ممثلة بنتانياهو الكثير من القوة إلا ان استغلال هذه القوة لفرض شروط صعبة لن يكون ممكنا وذلك من خلال قدرة الفلسطينيين على مقاومة الضغوط الاسرائيلية وبالتالي رفض التوقيع وفق شروط شديدة الاختلال. ان المفاوضات المتقطعة القائمة اليوم تعكس حالة دقيقة بين اسرائيل والفلسطينيين, فقضيه 13% التي يصر عليها الجانب الفلسطيني تعكس الحاجة إلى ادخال كل الوجود المدني في الضفة الغربية تحت حكم السلطة الفلسطينية, وتعكس بنفس الوقت السعي لتعزيز مواقع السلطة وسيادتها وسعيها للتقليل من فرص نجاح اسرائيل في ابتزازها في مفاوضات الحل النهائي الخاصة باللاجئين والمستوطنات والسيادة والقدس. وبنفس اللغة يواجه نتانياهو وضعا مفاده ان كل محاولة للانسحاب والقبول بالضغط الأمريكي تعني امكانية انهيار حكومته اليمينية اضافة لامكانية تراجعه عن وعوده وشعاراته الانتخابية. وتتداخل الحالة الفلسطينية الاسرائيلية بطريقة تبدو مثيرة للمتابع, فمن جهة يبدو حزب العمل ذلك النصف الثاني في اسرائيل متعاطفا مع الموقف الفلسطيني في تصادمه مع حكومة الليكود وذلك على أمل ان يساهم هذا الوضع في اسقاط الحكومة اليمينية, وبنفس الوقت يبدو وايزمان رئيس الدولة أكثر تعاطفا مع شروط المبادرة الأمريكية وأكثر تذمرا من سياسات الليكود, بل خرج مؤخرا عن البروتوكول عدة مرات ليضع الضغط على نتانياهو ويحذر من سياساته. ويعكس هذا الأمر وضعا جديدا في الحالة الفلسطينية الاسرائيلية, فهناك كتلة اسرائيلية كبيرة ضد السياسة الرسمية في اسرائيل, وهذا يعود لافرازات عملية السلام والتي أدت إلى شقوق في البنيان السياسي الاسرائيلي تجاه حقوق الفلسطينيين, وهذا يعني ان استمرار تشدد نتانياهو سوف يؤدي إلى مزيد من التفاعل بين الضغوط الداخلية الاسرائيلية والفلسطينية وبين الاطروحات الأمريكية, ان نتانياهو لن يستطيع والليكود لن يستطيع ان يصمد طويلا أمام هذه الضغوط بلا ثمن, فقد يؤدي إلى سقوط الحكومة أو إلى خسائر في انتخابات عامة يقترب موعدها كل يوم. وكيفما كان تقيمنا لقوة اسرائيل المسلحة, فاسرائيل كظاهرة مسلحة وكقوة عسكرية توسعية في حالة تراجع تاريخي, ان تراجعات السنوات الماضية في الأراضي الفلسطينية بل والخسائر الاسرائيلية في جنوب لبنان تعني ان المشروع الاسرائيلي بالشكل الذي عرفناه قد بدأ ينحسر. وفي هذاالاطار انتقل الصراع الفلسطيني الاسرائيلي من حالة الصراع المسلح إلى صراع على ملكية هذه التلة أو على الحقوق في ذلك المعبر والممر أو حتى على من يمتلك الهواء. ولكن الصراع الذي نراه اليوم هو أصل الصراع, فبينما كان الصراع عبر البندقية صراع على الأرض وهو لم يحقق نتائج في تحرير الأرض, يمكن القول بان الصراع اليوم في المفاوضات وخارجها هو أيضا صراع على الأرض ولكنه صراع حقق نتائج ومكاسب أساسها الانسحاب الاسرائيلي من جزء هام من الأراضي المحتلة, ووضع الأساس للانسحاب الاسرائيلي من بقية الأراضي في ظل شرعية دولية تؤكد حقوق الفلسطينيين. وهذا يعني أن هوية الدولة اليهودية القائمة على احتلال أراضي العرب وأخذ حقوقهم وعزلهم مطروحة على المحك, والمطروح أيضا اعادة تعريف هوية هذه الدولة بما ينسجم مع متطلبات الاقتصاد الذي لا يستوي والاضطهاد واحتلال الأرض والتوسع الاستيطاني. ان سياسة نتانياهو هي في الجوهر محاولة للتمسك باطروحات المرحلة السابقة القائمة على التوسع والاعتداء, وقد يكون نتانياهو ضرورة تاريخة تعبر عن آخر محاولة لليمين المتطرف في اسرائيل للوقوف أمام الحقيقة الانسانية والتطور الطبيعي. وقد يكون نتانياهو أيضا ضرورة تاريخية تساهم في جعل اليمين الاسرائيلي أكثر واقعية وأكثر انسجاما مع متطلبات المرحلة. ان عملية الفرز الناتجة عن مواجهة مشروع نتانياهو ستؤدي حتما وعلى مراحل ووسط تراكمات بطيئة إلى انهيارات في عقلية اليمين وبالتالي إلى تعزيز فرص السلام القائم على العدالة واعادة الحقوق. استاذ العلوم السياسية, جامعة الكويت