ببطء شديد وعلى مدى سنوات طويلة, اقتربت دول العالم من التوصل إلى اتفاقية لوقف انتاج اليورانيوم والبلوتونيوم المخصب الذي يستخدم في صناعة أسلحة الدمار الشامل, طبعا دول العالم باستثناء اسرائيل التي مازالت حتى الآن تضرب بعرض الحائط النداءات التي وجهتها لها ستون دولة أخرى أعضاء في المؤتمر العالمي لنزع أسلحة الدمار الشامل للحد من انتاج هذه المواد . وتفيد التقارير الواردة من تل أبيب اضافة إلى تصريحات المسؤولين فيها ان اسرائيل تعارض فكرة التوقيع على أية اتفاقية دولية في هذا المجال لأن من شأنه ان يعطي مفتشي وكالة الطاقة العالمية الحق بزيارة وتفتيش ومراقبة المفاعلات والمرافق النووية الاسرائيلية التي مازالت ومنذ ما يزيد عن 40 عاما تنتج اليورانيوم والبلوتونيوم المخصب. السؤال الذي يفرض نفسه هو ما سبب قلق اسرائيل على وجه التحديد, هل تخاف اسرائيل من أن يتوصل المفتشون الدوليون إلى اكتشاف الطاقة الانتاجية الضخمة والتقنيات المتطورة التي تمتلكها؟ أم يخافون من ان اسرائيل لن تلتزم بالمعاهدة ــ في حال توقيعها ــ والاستمرار بانتاج هذه المواد؟ باختصار شديد أعتقد ان اسرائيل تخاف من الأمرين معا. الاقتراح بخفض هذه المواد الأساسية لانتاج اسلحة الدمار الشامل جاء مثيرا للاهتمام وخصوصا أنه ينص على انه بحلول أغسطس الحالي ستوافق غالبية الدول الأعضاء في مؤتمر نزع الأسلحة بما فيها الهند وباكستان اللتان انضمتا مؤخرا إلى النادي النووي, على التصويت عن رغبتهم واستعدادهم للتوصل إلى ابرام مثل هذه الاتفاقية (علما بأن قرارات المؤتمر يجب ان تتخذ بالاجماع). لقد سعت اسرائيل لكسب المزيد من الوقت ولم تحصل عليه إلا بمساعدة الولايات المتحدة الأمريكية التي دفعت باتجاه تأجيل عملية التصويت على الاقتراح ولو لفترة قصيرة, ولكنه نقل عن الدبلوماسيين الاسرائيليين أنهم يشعرون بالقلق لأنهم قد لا يستطيعون الاعتماد طويلاً على دعم ومساعدة الولايات المتحدة وذلك بسبب الخلاف القائم والمستفحل مع واشنطن فيما يتعلق بعملية السلام في الشرق الأوسط. من المؤكد ان هذه ليست الطريقة الوحيدة التي تستخدمها اسرائيل لتوضيح الصلة المباشرة بين وضعها كدولة نووية من ناحية ومسار عملية السلام من ناحية أخرى. دعونا نسترجع تلك الأيام المفعمة بالتفاؤل في بدايات عام 1996 عندما بدا وكأن التوصل إلى اتفاقيات سلام على الجبهات السورية واللبنانية والفلسطينية أصبح ممكنا, عندما أعلن رئيس الوزراء الاسرائيلي شيمون بيريز أنه في حال التوصل إلى سلام مع جميع الدول العربية, فإن اسرائيل قد تكون على استعداد (للتخلي عن الذرة) . هذا هو تصريح بيريز نفسه الذي بذل جهودا مضنية مع الفرنسيين في الخمسينات من أجل الحصول على أول مفاعل نووي لاسرائيل والذي يعتبر الأب الشرعي لبرنامج اسرائيل للأسلحة النووية, يعلن عن استعداده في حال التوصل إلى اتفاق سلام يرضي جميع الأطراف, ليس التخلي عن الأسلحة النووية وحسب ولكن عن مناطق كبيرة من الأراضي العربية التي لا تزال تحت الاحتلال الاسرائيلي. أما الآن, فإن هناك حكومة في اسرائيل لا تنوي تقديم تنازلات لا في مجال أسلحة الدمار الشامل أو الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة. ظهر خلال السنوات الماضية نوع من الاجماع بين صناع القرار في الولايات المتحدة وبين المسؤولين في الحكومات التي تؤيد سياسة واشنطن يؤكد بأنه إذا أردنا للاسرائيليين ان يشعروا بما يكفي من (الأمان) للانسحاب من الأراضي العربية المحتلة, فإنه يجب الامتناع عن ممارسة ضغوط عليها فيما يتعلق بقضية أسلحة الدمار الشامل, وذلك ان هناك افتراضا غير معلن يتصور ان هناك مقايضة لابد ان تتم بين موضوع الأراضي المحتلة وقضية الأسلحة النووية: فإذا مارست الحكومات ضغوطا على اسرائيل لتتخلى عن الأسلحة النووية, فإنها قد تصبح أكثر عنادا وتصلبا في قضية الأراضي, ولذلك إذا أردنا ان تصبح اسرائيل أكثر استعدادا للانسحاب من الأراضي العربية المحتلة, فإنه من الأفضل الامتناع عن ممارسة ضغوط عليها للتخلى عن أسلحة الدمار الشامل. بغض النظر عن جدوى ومصداقية الضغوط التي يمكن ان تمارسها الولايات المتحدة وحلفاؤها على اسرائيل لتتخلى عن الأسلحة النووية أو الانسحاب من الأراضي العربية المحتلة, لابد من التأكيد أن هناك عوامل أخرى لم يأخذها الافتراض السابق, بعين الاعتبار , أحد أهم هذه العوامل يتعلق بنوع العلاقة التي تأمل اسرائيل باقامتها مع دول الجوار, فالحكومة والشعب الاسرائيلي هم أصحاب القرار لاختيار علاقات تتسم بالتعاون أو علاقات تقوم على أساس السيطرة والهيمنة والتفوق. ومن المؤكد ان علاقة تفتقر إلى روح التعاون وتؤكد على الهيمنة والفوقية لن تؤدي إلا إلى مزيد من النزاع والصراع والدمار على جميع الأطراف المعنية بغض النظر عما تملكه اسرائيل من سلاح أو تحتفظ به من أرض. إلا ان الحد من انتاج اليورانيوم والبلوتونيوم المخصب يعتبر خطوة ايجابية في الاتجاه الصحيح, لأنها ستؤدي في نهاية المطاف ليس إلى خفض انتاج اسلحة الدمار الشامل وحسب, ولكن إلى شفافية وادراك عالمي حول نوع وكم المواد التي لابد من الحد من انتاجها. أليس هذا بالتحديد ما يقلق حكومة نتانياهو ويثير مخاوفها؟ كاتبة بريطانية متخصصة في شؤون الشرق الأوسط*