لا يزال مسلسل الازمات التي يفتعلها النظام العراقي بين فترة وأخرى مستمرا حتى لم تعد تشكل للمتابع الفطن مفاجأة بل هي توقع دائم, وأنا واحد من أولئك الناس الذين كتبوا بعد انفراج ازمة فبراير الماضي بين الامم المتحدة والعراق بتدخل حقق وقتها ضجة عالمية من قبل الأمين العام كوفي عنان, والذين كتبوا متوقعين ان تلك الازمة لن تكون آخر الازمات, وتحت عنوان(ونمهلكم الى حين)قلت بالنص : (وبصرف النظر عن مجمل التحليلات فإنه من المؤكد ان الترتيبات التي وصل اليها الامين العام برغم تعقيد آلية الوصول اليها وكذلك آلية تنفيذها, لم تكن لتتحقق لولا ان سمع النظام العراقي في بغداد قعقعة السلاح وأزيز الطائرات بجانبه, ولولا انه فهم ان هناك اهدافا ربما غير ظاهرة وراء ذلك التكديس للسلاح؟ ولكن السؤال الاهم هو: من هنا الى أين؟ وهل خضع النظام العراقي اخيرا لمتطلبات الدول والعصر وأذعن ليقدم ما كان يجب ان يقدمه منذ هزيمته الدولية سنة 1991, ام ان الذي يقوم به هو مناورة جديدة سوف يتحين الفرص للخروج بها عما تعهد به في وقت قريب ويعود الى ما تعود عليه؟) بالفعل عاد النظام العراقي من جديد, وفي الاسبوع الماضي الى ما تعود عليه من مناورات وحسابات ضيقة, فافتعل الازمة الاخيرة عن سبق اصرار, لأنه لم يعد يسمع فرقعة السلاح من حوله, ولن ينقص المتابع ابدا ان يواجه بابتسامة الشفقة تظاهرة تشغيل النظام العراقي لمؤسساته الشكلية, فقد اجتمع المجلس الوطني العراقي ليتخذ قرارا بــ (الاجماع) لمقاطعة اللجنة الدولية المكلفة بالتفتيش الدولي, كما فعلت اللجان الاخرى في بغداد ومنها مجلس قيادة الثورة ومجلس الحزب الى آخر ذلك من المجالس, وذلك لتحقيق رغبات شخص واحد على رأس السلطة في بغداد هو صدام حسين للدخول في مغامرة اخرى محسوبة خطأ هذه المرة ايضا ولا يحتاج الامر الى كثير من التحليل عندما نقول اليوم ما كررناه في السابق ان هذه المناورة الاخيرة لن تقود الا الى الفشل كسابقاتها, لأن هذه المؤسسات سوف تجتمع من جديد لتبتلع ما قررته. هذا الاستنتاج ليس قولا يلقى على عواهنه ولكنه مؤيد بسلسلة من الشواهد, على رأسها ان هذا النظام في بغداد لم تعد لتعهداته ــ لا لشعبه ولا للآخرين ــ مصداقية تذكر, في كل دول العالم, ولم يعد أحد يثق به, وأكاد أقول حتى كبار موظفيه, فقد وافق على تعهدات دولية واقليمية ومزقها عندما وجد أو تراءى له ان الظروف مواتية لذلك, وسلسلة تلك التعهدات الداخلية والخارجية اشهر وأكثر من ان تعد أو تحصى, وأخيرا وليس آخرا ضربه بعرض الحائط تعهدا شهد عليه العالم منذ ستة اشهر فقط, وأعطاه العراق لأكبر موظف دولي هو كوفي عنان في فبراير الماضي, ولم يمض عليه نصف عام. لقد اعتاد هذا النظام طوال حياته السياسية حتى اليوم ان يوقع الاتفاقات من اجل تمزيقها, ويوافق على امر من اجل نقضه, وأن يعد من اجل ان يخدع, وسيجد الباحثون في الشأن السياسي العربي في المستقبل ان هذا النظام قد خرق تعهداته كما لم يخرقها نظام آخر في القرن العشرين. استمرار العقوبات الدولية على النظام العراقي حتى الاطاحة به مكتوبة على الجدران ومعلنة للجميع حتى وإن قدمت في أطر مراعاة الشكليات والسبب الرئيسي لهذه الكتابة والاعلان هو خرق النظام المتكرر والمتعمد للاتفاقات الدولية, وما المناورات التي يقوم بها من اجل اطالة حياته الا قراءة خاطئة لكل الاحداث الدولية التي عودنا على كل حال على قراءتها قراءة خاطئة في كل الاوقات, وذلك نتيجة حتمية لتركيبة النظام نفسه, لان من يفكر له هو شخص واحد اختلطت في ذهنه الى حد الخبل مصلحته الشخصية بمصلحة يظن انها للشعب العراقي, ويسايره في ذلك من هم في السلطة خوفاً وهلعاً وانقياداً لا عن قناعة وايمان. وليس غريباً اليوم ان ينادي البعض من العرب برفع العقوبات الدولية على العراق, انه سقوط في فخ الدعاية العراقية لا غير, والدخول في (حمى ايديولوجية) تغيب هذا البعض عن الاحساس بالواقع, فمن جهة يتبنى هذا البعض ذلك القول لأسباب ومصالح خاصة بذواتهم عن جهل بالغ بما يحدث في العراق, وترتفع مثل هذه الاصوات ابان نوبات التوتر التي يختارها النظام العراقي, والأسوأ من ذلك ــ من جهة اخرى ــ ان البعض من هؤلاء يتحدثون عن موقف للعراق ضد اسرائيل او غير ذلك من الذرائع غير الواقعية, متناسين ان من حقنا ايضاً ان نطالب بأمن واستقرار بلدنا واقليمنا, والذي لا يبدو ان النظام العراقي يريد ان يفهمه او يقيم له وزنا أو يأخذه هؤلاء المحللون في حساباتهم, فهو يتحين الفرص لاطلاق التهديد والوعيد وكل الاتهامات غير المبررة للآخرين والجيران والقدح والانتقاص من مواقفهم للدفاع عن اوطانهم, وكأن الأمر في رأيه (خناقة في حارة) تعود عليها حكام العراق بسبب نشأتهم وظروف صعودهم السياسي, وليس متعلقاً بعلاقات دولية تنظمها قواعد وقوانين واجبة الاحترام. لقد لعب النظام العراقي حتى الآن على ثلاثة محاور لخداع البعض لرفع العقوبات عنه كي يعود سيرته الاولى, وكلها تدور في دائرة المناورة لا الصدق في الافعال, هذه المحاور هي: اولاً: تقسيم العراق, لقد قيل الكثير عن (المؤامرة الدولية) لتقسيم العراق في السنوات الاولى التي اعقبت سنة 90, واستمر ذلك القول لعدة سنوات من اجل تأجيج الشعور الوطني العراقي من جهة والعربي من جهة اخرى, ولكن هذه الورقة ما لبثت ان يبست وسقطت من جملة حزمة الدعاية التي يتبناها النظام العراقي, فقد تبين اليوم بما لا يدع مجالاً للشك ان العالم ليس مهتماً بتقسيم العراق, وليست هناك مصلحة حقيقية لاحد في ذلك, من قام بالتقسيم النفسي للعراقيين هو الحاكم العراقي نفسه وعلى أرض الواقع, عن طريق الابتعاد عن الوصول الى وفاق عراقي داخلي او مشاركة حقيقية في السلطة التي يتحكم فيها شخص واحد لا أكثر, كما ان اساءة التعامل على كل المستويات الداخلية العراقية ساعدت في الحط من كرامة العراقيين, الى درجة تحويل العراق الى سجن كبير واقعياً ومعنوياً. ثانياً: جوع العراقيين, ولا ينكر احد الضنك الذي يعيشه العراقي البسيط اليوم, ولكنه ضنك اختلف في الدرجة وليس النوع, فلقد كان صدام حسين وعلى الملأ يشاهد ابان الحرب العراقية الايرانية يفتح ثلاجات المواطنين في الزيارات التي يبثها التلفزيون العراقي, ولا يرى المشاهد الا بعضاً من حطام الدنيا, لقد حاول النظام ان يلعب بهذه الورقة (جوع العراقيين) لفترة من الزمن, ولكن الامر قد اختلف بعد اقرار برنامج الغذاء والدواء الذي اقرته الامم المتحدة, ولكن المطلعين على الأمور يعرفون على وجه اليقين كيف اراد النظام ولا يزال يريد ان يستخدم هذا الامر من اجل استدرار العطف الدولي والاقليمي حيث يهدد بوقف هذا البرنامج, فقط لان العراقيين يمكن ان يحصلوا على افضل مما حصلوا عليه حتى الآن من اجهزة النظام. ان هناك من الشواهد الكثيرة التي تجمعت لدى المؤسسات الدولية والخيرية ان ليس بالعراق جوع سببه الحصار ولكن في العراق تجويعاً يقوم به النظام نفسه ضد البسطاء من مواطنيه المغلوبين على امرهم لإذلالهم وتسهيل سيطرته عليهم, والاسماء معروفة للاطباء الذين اجبروا على اتلاف ما لديهم من ادوية وهددوا في حياتهم ان لم يفعلوا ذلك, ويقوم النظام باحتكار ما يصل منها لتوزيعه على الخاصة مع حرمان العامة, ولقد ظهرت احصاءات مؤكدة ان العراق قد استورد بسبب نظام الامم المتحدة المذكور, في سنة 96 من الغذاء والدواء ثلاثة اضعاف ما استورده في سنة ,90 وقد نشر هذا الرقم في احصاءات رسمية دولية وتناولته بعض الصحف العربية ايضا, جوع العراقيين هو فعل عراقي بحت يتلذذ به النظام المتخفف دائما مع المسؤولية السياسية والاخلاقية تجاه شعبه لأنه لا احد يتساءل في بغداد ويبقى حيا يرزق ومن اشكال هذا التخفف او الاستخفاف الاخلاقي الصورة التي نشرتها احدى الصحف العربية لعدي صدام حسين وهو يطعم اسوده في مزرعته اللحم الطازج. ثالثا: الموقف من اسرائيل: ينسى البعض ان مساهمة العراق في الموقف من اسرائيل هي مساهمة لفظية طوال عهوده وتاريخه السابق, كما ينسى البعض ان العصر هو عصر سلام بدليل ان الدول العربية تقول صباح مساء ان خيارها الاساسي تجاه اسرائىل هو السلام لا الحرب, وما ادخال العنصر الاسرائيلي في موضوع العراق الا محاولة من البعض لابتزاز مشاعر العامة لاغير, فهؤلاء المتحدثون قبل غيرهم يعرفون ان تاريخ النظام السياسي العراقي تجاه هذه المسألة هو في أغلبه سلبي على طريقة (اذهب انت وربك فقاتلا) واقحام موضوع اسرائىل في خطاب دعاة تأهيل النظام العراقي انما هو قفز على اهل القضية انفسهم ممثلين في السلطة الوطنية الفلسطينية التي تقابل يوميا ممثلي اسرائىل, فوق ذلك فان هذه الاصوات تأتي ويا للعجب من اشخاص ترفرف في عواصم بعضهم اعلام السفارات او المكاتب الاسرائيلية, وكان اولى بهم ان يتحدثوا عن ذلك الامر, قبل تصدير الوطنيات, ومن اعجب بهلوانيات النظام العراقي بهذا الصدد دعوة صدام الاخيرة لموقف عربي لمواجهة اسرائيل, وكأنه ليس سببا في انقسام النظام العربي بل هو زارع قنبلة الغزو التي نسفت النظام العربي مادياً ومعنويا. يتسلى البعض مع الاسف بعذابات العراقيين البسطاء في الحديث عن رفع العقوبات, وذلك حديث حق يراد به باطل, فلو افترضنا للحظة انه قد رفعت العقوبات عن النظام العراقي بحالته الحالية فان ذلك ليس تماما نهاية العذاب للعراقيين, بل ربما بداية عذاب آخر اطول وامر, فان الاضطهاد والقمع والسيطرة الشرسة والسجون لن تواجه العراقيين في الداخل فقط ولكن النظام وهو في حالة نشوة (انتصار) وشهوة (للانتقام) , سيفرض قوانينه التي يعرفها وسوف يتوجه لعراقيي الخارج والمناطق المتحررة من الاضطهاد اليوم في الشمال العراقي كي يبدأ بهم, ثم يدخل العراقيين من جديد في اتون دورة من الصراع الداخلي غير محدودة النتائج ولا متخيلة الاساليب. كما ان المتوقع في مثل حالة السيناريو المفترض ان يعيد النظام العراقي شهوته لتصدير مشكلاته للخارج, فتبدأ دورة جديدة من العنف في موضوع شط العرب الذي حارب من اجله ثم تنازل عنه اكثر من مرة, فيفتعل صراعا مع ايران, ومن المؤكد ان يعيد طموحاته التوسعية في الخليج بمغامرات عشوائية, فمثل هذا النظام بتركيبته لن يرعوي كما ثبت من كل تصريحاته الحالية والسابقة عن تكرار اخطائه القاتلة والتي من المتوقع ان يأتي بأعظم بمنها واكثر بلاء على شعبه وشعوب المنطقة. متى تتعلم الشعوب من دروسها؟ ذلك سؤال ألح علي ومقارنة ما يحدث في ايران مع ما حدث ويحدث في العراق, فان الاجابة واضحة, ان كانت هناك مؤسسات وآليات تعيد انتاج الحكم وتداول السلطة السلمي يمكن ان يتعلم الحكم من اخطائه, فهناك شعار ايراني واسع الانتشار بين الكثير من الايرانيين ان (ثورة واحدة تكفي) اما في العراق فلم يحدث ذلك, ولن يتغير الموقف فإن حربين ضروسين لاتكفيان ــ مع الأسف ــ ليرعوي النظام العراقي ويتعلم من أخطائه, لذلك فإن المقولة الدولية تبقى صالحة والقائلة إنه في حالة بقاء النظام لا رفع للعقوبات, لأنه ببساطة نظام يكرر أخطاءه القاتلة, لذلك أتساءل ويتساءل كل العقلاء: هل هناك مجرد احتمال أن يعود النظام العراقي عن غيه؟ وهل هؤلاء العازفون على نوتات الدعاية العراقية واعون لأشكال العناء التي يمكن أن تصيب شعب العراق وشعوب المنطقة من فلسفة النظام الديكتاتوري المتسلط, وهل حسبوا حساب ملايين العراقيين الذين سلب صدام حسين حقهم في الحياة؟ إن أمان العراقيين في إطار حياة يومية طبيعية توفر الحد الأدنى المناسب للبشر, لايمكن أن يتحقق واقعيا إلا بانزياح نظام صدام كله عن صدر العراق, حتى يمكن للعراقيين أن يتنفسوا على الأقل, وهذا المطلب يلتقي واقعيا مع استقرار أمن المنطقة الخليجية خاصة في الكويت, ومن قرأ عن آخر التصريحات العراقية قبل فشل مهمة باتلر يدرك أن نظام صدام لن يكف أبداً عن تهديد الكويت بالقول والفعل, فقبل الأزمة الأخيرة صدرت بيانات عراقية تتهم الولايات المتحدة والكويت بالعمل ضد العراق. وهو جمع غريب بين دولة كبرى ودولة صغيرة مثل الكويت, لايفهم منه إلا رسالة تهديد عراقية إلى الكويت, وقد علمتنا السنون المريرة مع نظام صدام أن التهديد المضمر والكلامي سرعان ما يتحول إلى تهديد فعلي بالحديد والنار والأنياب والمخالب الوحشية لنظام قمعي ولد ليكون قمعياً. أمان العراقيين الحقيقي إنسانيا, وأمننا واقعيا, يلتقيان عند نقطة وحدة تستوجب زوال نظام صدام, وبرغم أن الكويت تتبنى بالقول والفعل عدم التدخل في شؤون الغير الداخلية حتى لو كان هذا الغير هو العراق تحت نير نظام صدام, إلا ان الرؤية لا تستطيع تجاهل الحقيقة, حتى لو كانت أمنية فقط لنا وللعراقيين بل للعرب جميعا في المنظور العميق والبعيد. رئيس تحرير مجلة(العربي) الكويتية*