لا أتذكر ـ على وجه التحديد ـالظروف التي تعرفت فيها على المستشار (طارق البشري) .. ولكن ذلك حدث غالباً في النصف الاول من الستينات . وربما كانت البداية, مقالاً في التاريخ كتبته على صفحات جريدة (المساء) , او رأي في الموضوع نفسه, نشره على صفحة الرأي بـ (الاهرام) , فقد كانت اعادة قراءة ــ وكتابة ــ التاريخ, احد همومنا الفكرية في تلك السنوات, حين بدا ان هناك نوعاً من القطع الغائر في الذاكرة الوطنية, وان المسؤولين عن الاعلام والدعاية, في نظم الحكم الثورية, التي انتشرت ــ آنذاك ــ على خريطة الامة, يصرون على اشاعة الاعتقاد, بأن التاريخ يبدأ بوصول تلك النظم الى سدة الحكم, وان كل ما سبقها لم يكن تاريخاً, لان الامة لم تكن فيه شيئاً مذكوراً. ولأننا كنا نحسن الظن بهذه النظم, ونؤيد أهدافها العامة في السعي لتحرير الوطن, وتنمية اقتصادياته, وتوحيد الامة, والنهوض بها, واقامة قواعد العدل والحرية والمساواة بين ابنائها, فقد كنا ندرك ــ على نحو ما ــ ان افتعال الخصام بين الماضي والحاضر, يظلم احدهما, ويفسد الآخر, ويهدد مسيرة الثورة, ويعرض مصير الوطن والأمة لأفدح الاخطار. وحين لقيته لأول مرة, بدا لي (طارق البشري, في الصورة التي لا يزال عليها حتى الآن: شاب (باعتبار ما كان) هادىء, رصين, فيه حياء وتواضع, يتكلم بصوت خافت, لا يسبق لسانه عقله, كلف بالقاء الاسئلة, اكثر مما هو مندفع الى القاء الاجابات, مهموم دائماً بقضايا كبرى, مشغول بما هو حوله, وبما يدور في وطنه وأمته وعالمه, اكثر مما هو مشغول بنفسه.. وفضلاً عن ذلك, فهو من النوع الذي يرفع النقاش معه (مستوى القعدة) عقلياً وروحياً, فلا تهبط الى نميمة, ولا تنحدر الى غيبة تشفي احقاد الصدور بالطعن على الآخرين, بل تبدأ وتنتهي, جلسة ودودة, تحرك العقل والوجدان, وتثير في الانسان افضل ما فيه.. ولم أتنبه حينذاك, وربما لم يتنبه هو نفسه, الى ان انشغاله بالبحث في تاريخ الفترة بين عامي 1945 و1952, هو اهتمام بالبحث عن أصول المسألة الثورية, أو بمعنى أدق عن جذور الانقلاب السياسي الذي وقع في مصر في 23 يوليو 1952, وسبقه وتلاه انقلابات مماثلة, في افكار اخرى من الوطن العربي, ليس فقط لكي يفهم الحاضر الذي يعيشه, ولكن ــ كذلك ــ لكي ينصف الماضي, الذي كان يتعرض آنذاك لحملة تشويه مقصودة يقودها اعلام ساذج, تصور ــ نفاقاً او جهلاً او كليهما ــ ان تمجيد ثورة يوليو, يتطلب تشويهاً كاملاً, ومسخاً شاملاً للمراحل السابقة عليها.. وكأن مصر لم تولد الا صباح يوم 23 يوليو 1952, وهو ما أساء الى الثورة ذاتها, ووضعها في صورة الظاهرة غير المبررة, التي نتجت من فراغ, وليس باعتبارها, كما هي في الواقع, امتداداً لتاريخ الوطن ولنضال الشعب, وأشاع الاعتقاد بأنها حدث استثنائي في التاريخ, ترتبط حياته, بوجود صناعه على قيد الحياة, ولأنه بلا ماضي, فهو بلا مستقبل! ولعلها مجرد مصادفة, ان (طارق البشري) , قد انتهى من بحثه في اصول المسألة الثورية, في الوقت الذي كانت فيه هذه المسألة, قد وصلت الى مأزق بسبب هزيمة 1967 المروعة, التي لا يتصور احد حتى الآن, مدى التأثير الذي احدثته في قلوب وعقول الذين عاصروها.. لكن الذي لم يكن مصادفة, فهو أنه لم يكد ينتهي من كتابه الهام الاول (الحركة السياسية في مصر بين 1945 و1952) , حتى شرع يؤرخ للعلاقة بين المسلمين والأقباط في مصر, في سلسلة من الدراسات, بدأ نشرها ــ في عام 1970 ــ تحت عنوان (مصر الحديثة: احمد والمسيح) , وظل يستكملها, ويراجعها, ويتأمل في منهج كتابتها, لمدة عشر سنوات, الى ان صدرت ــ عام 1980 ــ في كتابه الهام الثاني (الاقباط والمسلمون في اطار الجماعة الوطنية) . وكان (طارق البشري) قد تنبه خلال تلك الفترة, الى ان هناك عنصراً ذاتياً يربط بين المؤرخ وموضوعه, وبين الزمن الذي يؤرخ فيه, والزمن الذي يؤرخ له, وان التأريخ ــ بالنسبة لأمثاله من المؤرخين ــ هو نوع من الحوار بين الحاضر والماضي, يعكس حاجة كل عصر للعودة الى الماضي, بحثا عن اصول المسائل, واجابات الاسئلة, وكما كان دافعه الاساسي لتأليف كتابه الاول, هو الكشف عن الأصول التاريخية للسياسات الوطنية, قبل ــ وبعد ــ 23 يوليو 1952, والظروف التي دفعت هذه الثورة للابتعاد عن النمط المألوف قبلها, للديمقراطية السياسية, فقد كانت هزيمة 1967, بما كشفت عنه من حقائق, وما طرحته من أسئلة, هي التي دفعته لاختيار العلاقة بين المسلمين والاقباط, موضوعاً لكتابه الثاني. في هذه المرة, كان دافعه لاختيار الموضوع واضحاً تماماً, فقد توقع ان تترك الهزيمة ظلالها على قوة التماسك في المجتمع المصري, وان تفتت من صلابته, واستنتج ببصيرة نافذة, ان العدو سيركز على تفتيت تماسك الجماعة الوطنية, وافساد قوامها, واذكاء الصراعات بين الانتماءات الثانوية, وخاصة الطائفية والدينية, وبذلك تتحول الامة الى شراذم تنشغل بالصراع فيما بينها عن الحرب معه, استرداداً لما سلبه من ارض, وما اغتاله من حقوق, فيضمن الا يكون انتصاره مؤقتاً, وألا تكون هزيمتنا امراً عارضاً. لكن البحث الذي قدر (طارق البشري) انه سوف يقتصر على ثلاث دراسات قصيرة, ما لبث ان توسع, ليس فقط بسبب غزارة المادة التاريخية التي عثر عليها, او بسبب انشغاله ببحوث اخرى, او حرصه على القيام بأعباء عمله القضائي, الذي كان شديد الحب له, والكلف به, ولكن ــ كذلك ــ لان ملامح الزمن الذي يؤرخ فيه, كانت قد اخذت في التغير, وبدأت تطرح اسئلة جديدة, كان لا بد من وضعها في الاعتبار عند تناول الزمن الذي يؤرخ له.. ولانه ــ منذ تفتح وعيه ووجدانه في نهاية الاربعينات ــ كان ابنا للمشروع القومي: الاستقلال الوطني, بأعمق وأشمل معانيه, هو انتماؤه الاصيل, وهو الذي تفرعت عنه انتماءاته الاخرى, من الديمقراطية الى الاشتراكية, ومن رفض التبعية الى الاستقلال الاقتصادي, ومن التنمية الاقتصادية الى الوحدة العربية, فقد كان طبيعياً, ان يتوقف (طارق البشري) امام ملامح تراجع المشروع القومي بعد هزيمة يونيو 1967, وان ينشغل ــ مثل كثيرين ممن تأبى ضمائرهم اليقظة ان ينشغلوا بأنفسهم عن هموم أمتهم, ومستقبل شعوبهم ــ بالبحث عن سبيل لاحياء هذا المشروع او تطويره, او اكتشاف بديل له يستطيع ان يقود خطى الوطن والأمة الى نهضة جديدة, تواصل تحقيق الاهداف نفسها, وتضمن للشعب ما يستحقه من حرية وكرامة وعدل.. وهكذا بدأ (طارق البشري) في مراجعة الأسس العامة لتفكيره, وقاده البحث عن أصل الهزيمة, الى ان يدور بفكره دورة كبيرة, انتهى منها الى ان حركة التاريخ لا تأتي فحسب, من الصراع بين الحركة الوطنية والاستعمار, ولا من الصراع الاجتماعي بين الطبقات ذات المصالح المتباينة, ولكنها تتولد ــ كذلك ــ عن الصراع العقائدي بين الموروث والوافد, بل واعتبر هذا الوجه من اوجه الصراع, هو أساس مسألة الاستقلال الوطني, وأصل المشكلة الحضارية, فالموروث الديني الاسلامي, وامتداداته الحضارية, الذي عشنا في ظله ــ مسلمين ومسيحيين ــ ثلاثة عشر قرناً, هو هويتنا وتميزنا وانتماؤنا وقد ظل ــ كذلك ــ الى ان احتل الاستعمار الغربي بلادنا, وعقد العزم على ان يلحقنا به, ويذيبنا فيه, فاصطحبت معه الوافد في شكل انماط سلوك ونظريات تفكير, واسس تنظيم, ومدونات تقنين, لكي يزرع نفسه فينا ويخلق بيننا وبينه رابطة تبقي احتلاله لنا, حتى بعد ان ترحل جيوشه التي احتلت اراضينا. فالمعركة ليست معركة على ارض, والعرب ليسوا طرفا في صراع مع الاستعمار, ولكنهم ــ كجماعة بشرية ــ هم موضوع هذا الصراع وليس المطلوب هو احتلال ارضهم فقط, بل احتلال ارادتهم, واذابة كيانهم, والقضاء على تميزهم. وقاد هذا التحليل طارق البشري الى الحكم بأن تجربة الاستقلال الوطني التي بدأت في الخمسينات قد هزمت في يونيو 1967 لأنها على الرغم من كل حذرها من الغرب وصدقها في الاستقلال عنه, قد اقامت مشروع نهضتها على الوافد من هذا الغرب, سواء كان رأسماليا او اشتراكيا, فاحتوت بذلك عناصر هزيمتها في داخلها, وانتهى معه الى ان العدو يدرك ان انتصاره الحقيقي لا يتحقق الا بتفتيت الجماعة الوطنية باثارة النعرات الدينية والمذهبية بين المسلمين والاقباط, ليس فقط لأن هذا التفتيت سوف يحولنا الى شراذم تنشغل عنه بالصراع فيما بينها, بل لانه سوف يمكنه من استيعاب تلك الشراذم في اطار انتماء صوري يرسم هو حدوده, فنتوحد فيه, ونخضع لهيمنته, وبالتالي فان اية حركة لمقاومة العدو لا تستند الى تميز لنا في الهوية والانتماء وتقوم على موروثنا الفكري والحضاري, ليس من شأنها ان توجد او تنمو. ولم يكن طارق البشري هو الوحيد الذي دفعته هزيمة يونيو ,1967 الى مراجعة الاسس العامة لتفكيره, والانتقال من المشروع القومي الى المشروع الاسلامي, ولكنه كان واحدا من قليلين, لم يكتفوا باعلان الانتقال, بل حرصوا كذلك على اعلان اسبابه, وعلى التأريخ للعملية الفكرية التي اسفرت عنه, وعلى نقد ما يستحق النقد من ارائه, انطلاقا من ايمانه بقول الامام الشافعي اني لأتدين بالرجوع عما كنت ارى, الى ما رأيته الحق, وهو ما فعله في دراسة نادرة قدم بها للطبعة الثانية من كتابه الاول, اعاد فيها قراءته, وكأنه ليس كاتبه, فأشار الى ما فات عليه, وما اخطأ في تفسيره, بتواضع العلماء, وشموخ الباحثين عن العدل.. الحريصين على الانصاف. ثم انه لم يكتف بذلك بل واجتهد في تأسيس موقفه الفكري الجديد, بالبحث عن حلول فقهية لكثير من المشاكل التي تعترض سبيل المشروع الاسلامي للنهضة, بهدف التوفيق بين الجامعة القومية, والجامعة الاسلامية وبين اقامة الدولة الدينية وحقوق المواطنة لغير المسلمين, وبين الموروث والوافد انطلاقا من رؤية مستنيرة, تعتبر ان الاول هو الاصل وان العثور على الصالح للأمة من الوافد, أو ما يقرب منه, في ثنايا الموروث, امر ليس مستحيلا اذا فتح باب الاجتهاد. والحقيقة انني لم ادهش حين غير (طارق البشري) موقفه الفكري, وتلقيت الامر ببساطة أدهشته هو نفسه, فقد كنت ــ ومازلت ــ ارى ان حرية الانسان في الاجتهاد في شؤون وطنه ولغته, هي ابسط حقوق الانسان, وكنت اثق في انه لم يفعل ذلك, انصياعا لغواية, ولم يأخذه مأخذا سهلا, وانه تأمله ودرسه, وفحص اسانيده, ولأنني عرفته, رجلا ممن يسرهم الله لنفع عباده, فقد ايقنت انه سيكون نافعا للتيار الذي انتقل اليه, وسيكون اضافة كيفية له, تساهم في تصويب مساره, وضبط خطواته, واستنارة افكاره, ليشارك ــ مع غيره ــ في النهوض بالامة. في بداية الشهر الماضي وبعد 44 عاما انتهت ولاية طارق البشري للقضاء التي بدأت عام 1954 وهو مندوب بمجلس الدولة, وانتهت وهو نائب أول لرئيسه, ومع انني شعرت بأسف غير قليل, لأن القضاء قد حرم من قاض مجتهد ونزيه, فقد اسعدني على نحو ما ان اراه يتحرر من القيود التي تحيط بولاية القضاء, وهو ما يتيح له ان يلعب دورا اوسع في العمل العام ــ السياسي والفكري ــ كما يليق برجل, كان طوال حياته مؤسسة ذات نفع عام.