قبل ايام نشر(بن كسيفت) مقالا في جريدة (معاريف)الاسرائيلية استهله بالحوار الذي دار بين وزير الحرب الاسرائيلي أسحق موردخاي وامين سر اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية محمود عباس(ابومازن) في اللقاء الذي عقد بينهما بعد استئناف المفاوضات بناء على طلب وزيرة الخارجية الامريكية مادلين اولبرايت في مقالة يعتمد (بن كسيفت)على محضر اللقاء الذي وصل الى جريدة (معاريف) من مصادر الوفد الاسرائيلي المفاوض . أسحق موردخاي يبدأ حديثه في ذلك اللقاء قائلا: (طوال تاريخكم حاولتم الحصول على كل شيء وبقيتم بلا شيء, هيا ننهي الامر وتبدي ليونة ونتوصل الى اتفاق) وعندما حاول ابومازن اطلاع أسحق موردخاي على نسخة من المبادرة الامريكية بخط يد وتوقيع الوسيط الامريكي دينيس روس رفض الاخير الحديث في المبادرة وتدخل سكرتيره العسكري يعقوب عميدرور قائلا: (هيا نتحدث كما لو انه لا توجد مبادرة امريكية, هيا اعطنا الصافي) اي (هات من آخر) وترددت عبارة (هيا اعطنا الصافي ـ هات من آخر) على لسان أسحق موردخاي في سياق الحوار, الذي انتهى بعودة طواقم المفاوضات الى العمل حسب الطلب الامريكي. (طوال حياتكم حاولتم الحصول على كل شيء وبقيتم بلا شيء) كلام يتردد على لسان عديد من المسؤولين الاسرائيليين كلما شعروا بأن الانسب من تذليل الصعوبات التي تعترض مواقفهم ومطالبهم هي لغة التهديد, وكذلك هو الحال عندما يتحدث هؤلاء المسؤولون بلغة الغطرسة التي ترفض اضاعة الوقت في الاستماع لوجهة نظر أو مطالب الجانب الفلسطيني, لغة (هيا اعطنا الصافي ــ هات من آخر) . انها لغة الغطرسة الاستعمارية, لغة التعالي ولغة من يعتمد على القوة وسيلة لفرض مواقفه, وقد تعودنا على هذه اللغة ليس فقط من بنيامين نتانياهو واقطاب وزارته بل وكذلك من اقطاب الحكومات التي قادها حزب العمل الاسرائيلي, وهنا يطرح نفسه سؤال مركزي يحتاج الى اجابة من أسحق موردخاي وغيره من المسؤولين في حكومة بنيامين نتانياهو منذ محادثات اوسلو السرية يخضع الفلسطينيون للتهديد والضغط والابتزاز, حاولتم الحصول على كل شيء, وعليكم ان تكفوا عن ذلك وان تقبلوا ما تعرضه عليكم حكومة اسرائيل, ومن المعروف ان المفاوض الفلسطيني قد كف عن المطالبة بحقوق سقفها القرارات الدولية ووافق على اتفاق اعلان المبادىء ووقع عليه في سبتمبر 1993 ووافق على اتفاقية المرحلة الانتقالية ووقع عليها في سبتمبر ,1995 كما وافق على اتفاق الخليل ووقع عليه في مطلع العام ,1997 جميع هذه الاتفاقيات تنطوي على تنازلات فادحة وهي دون سقف المطالب الفلسطينية بكثير, فهي لا تلبي الحد الادنى من الحقوق والمطالب والمصالح الفلسطينية. ورغم ذلك يجيز قادة اسرائيل لأنفسهم مخاطبة الجانب الفلسطيني بلغة الغطرسة, حتى عندما يتعلق الامر بأفكار امريكية حول اعادة الانتشار في مساحة ضيقة من اراضي الضفة الغربية, والتي هي بالاساس افكار اسرائيلية. لماذا يتحدث الطرف الاسرائيلي مع المفاوض الفلسطيني بلغة (هات من آخر) بلغة تنطوي على الغطرسة والتعالي, بلغة تنطوي على الاذلال (ليس لدينا وقت نضيعه في الاستماع للافكار الامريكية حول اعادة الانتشار في الضفة الغربية) , وعليه (هيا اعطنا الصافي) , هل لأن الطرف الاسرائيلي قد اختبر حركته النشطة في الصعود على الشجرة والنزول عنها, حيث تكون الثوابت السياسية في منطقة رمادية, وهل لأن الطرف الاسرائيلي يلعب بأوراق مجلس (يشع) للمستوطنات, ويعتمد على التساوق في المناورات والخدع الامريكية وعروض استدراج المناقصات التي تتعهدها الادارة الامريكية مثلما اتضح في حكاية المبادرة ــ الخدعة. لاشك ان الطرف الاسرائيلي يعتمد على هذا كله واكثر من ذلك, وبالنسبة للمبادرة ــ الخدعة, التي اضاعت فيها الادارة الامريكية ستة اشهر كاملة من وقتنا وجهدنا الفلسطيني يخطىء من يعتقد ان افكارها لم تخرج اساسا من ادراج الحكومة الاسرائىلية, فالادارة الامريكية تخادع حين تدعي ان الافكار المسمومة لمبادرتها من صنعها هي من اجل جسر الهوة بين موقفي الجانبين, فقد سبق ان اعلن ديفيد ليفي وزير الخارجية الاسرائىلي السابق (المستقيل) ان تلك الافكار نوقشت في المجلس الوزاري الاسرائيلي المصغر نهاية العام الماضي وجرى تسريبها من الادارة الامريكية في سياق استدراج الموافقة الفلسطينية اولا وتحويلها الى موضوع تفاوضي في مفاوضات مباشرة فلسطينية ــ اسرائيلية, وقد صدق من وصف دعوة السيدة اولبرايت الجانب الفلسطيني الى عقد مفاوضات مباشرة مع اسرائىل بانها (كوميديا سوداء) خاصة بعد ستة اشهر من الخداع تخللتها اتصالات مباشرة وهاتفية متعددة طلبت فيها وزيرة الخارجية مرة بعد اخرى المهلة الكافية من اجل اقناع حكومة نتانياهو للموافقة على (المبادرة ــ الخدعة) وعندما لم تأت الموافقة لم يجد جيمس روبن الناطق باسم الخارجية الامريكية حرجا في الاعلان (بأن الفلسطينيين واسرائىل لم ينفذوا تعهداتهم السلمية التي قدمها كل جانب للآخر) ولم تتردد الخارجية الامريكية في ارسال رسائل التهديد والضغط والابتزاز بأنها تعتزم اصدار بيان (تعرب فيه عن اسفها لأن الفلسطينيين رفضوا اجراء حوار مع الاسرائيليين بهدف تضييق الفجوات في مواقف الجانبين على رغم مناشدتهم للدخول في هذا الحوار) . حقا ان (المبادرة ــ الخدعة) ليست في احسن حالاتها واوصافها غير (كوميديا سوداء) , كما صرح بذلك وزير فلسطيني, وتذكرنا هذه الكوميديا السوداء بأخرى مشابهة تحدث عنها اوري سافير في مذكراته (1100 يوم غيرت الشرق الاوسط) حيث قال في سياق عرض الموقف الامريكي من مجزرة الحرم الابراهيمي الشريف, التي ارتكبها الارهابي باروخ جولدن شتاين (لقد قرر دينيس روس الضغط على عرفات ملمحا الى ان الولايات المتحدة سوف تفرض الفيتو على قرار مجلس الأمن لإدانة المجزرة اذا لم تعد المنظمة الى طاولة المفاوضات) . لا شك ان حكومة اسرائيل تستطيع في مجمل سلوكها المعادي للسلام ان تعتمد على الادارة الامريكية التي ترى في عدم الاستقرار في هذه المنطقة ما يخدم مصالحها, لا شيء يفسر دعم هذه الادارة لحكومة اسرائيل وصمتها عن مجمل سلوكها المعادي للسلام غير اصرارها على ابقاء المنطقة تعيش في حالة من عدم الاستقرار تمكنها من التدخل المنفرد في شؤونها ومن الهيمنة عليها, ولا يفيد الجانب الفلسطيني في شيء ان يعلن هنا عن استيائه من الموقف الامريكي, لأن هذا الاستياء في غير محله, كما لا يفيده في شيء هذا الصعود والهبوط على الشجرة, فهو تعبير عن عدم الثبات على الموقف, وعدم الثبات على الموقف هو الذي يشجع الجانب الاسرائيلي على التعامل معنا بغطرسة استعمارية, وبلغة تنطوي على اهانة مقصودة, لغة (هيا اعطنا الصافي) وفي الدارجة المصرية (هات من آخر) , كان أجدر بالمفاوض الفلسطيني بأن يرد على ابتزاز الادارة الامريكية بالتأكيد على موقف وزير الخارجية المصري عمرو موسى بأن (مرحلة السلام قد وصلت الى مرحلة خطيرة لا يمكن انقاذها من خلال المفاوضات المباشرة) , وان يثبت على هذا الموقف بدل السقوط في تضارب التصريحات والمواقف الخطابية ويبدل الحديث مع الذات برفع وهمي لسقف اعادة الانتشار والادعاء (اننا سنطالب هذه المرة بأن تغطي اعادة الانتشار 40% من أراضي الضفة الغربية) كما فعل وزير الحكم المحلي, أو 15% على حد تعبير وزير التخطيط والتعاون الدولي وهما يدركان أكثر من غيرهما ان الموافقة على المبادرة الأمريكية اللعينة قد حددت سقف المطلب الفلسطيني. وعودة من جديد للغة الغطرسة التي يستخدمها أسحق موردخاي وغيره من المسؤولين الاسرائيليين ربطا بالسياسة العامة الاسرائيلية, ان حكومة اسرائيل ترفض الاعتراف بالضفة الغربية بما فيها القدس وقطاع غزة أراض محتلة, وترفض مبدأ الارض مقابل السلام, كما ترفض الاعتراف بانطباق اتفاقية جنيف الرابعة لعام 1949 على هذه الاراضي, وتنسجم الافكار التي تقدمت بها الادارة الامريكية, والتي اسميناها مبادرة, مع هذا الموقف الرسمي الاسرائيلي, وتتحول هذه الافكار الى موضوع تفاوضي تحت ضغط هذه الادارة والى سقف للمطالبة الفلسطينية. وبديهي ان يسعى الجانب الاسرائيلي الى خفض سقف هذه المطالب في المفاوضات الثنائية المباشرة وان يستخدم مع الجانب الفلسطيني تكتيكا تفاوضيا وسيلة للوصول الى الهدف, فهل تنجح حكومة اسرائيل هذه المرة ايضا في التوصل الى اتفاق جديد ينطوي على تنازلات خطيرة من شأنها ان تعمق الخلافات والانقسامات في الساحة الفلسطينية وان تقدم غطاء سياسيا جديدا للنشاطات الاستيطانية وسياسة تهويد الارض التي تسير عليها حكومة اسرائيل. الرأي العام الفلسطيني يشعر بقلق حقيقي على الحاضر والمستقبل ويدعو السلطة الفلسطينية الى موقف جاد ومسؤول يستند الى وقف هذه المفاوضات الفنية العقيمة والى سحب الموافقة على المبادرة الامريكية والانتقال الفوري الى مائدة الحوار الوطني الشامل من اجل الاعداد لقرار وطني فلسطيني استراتيجي يؤسس لاعلان بسط سيادة دولة فلسطين على الارض الفلسطينية المحتلة بعدوان 1967 تنفيذا لاعلان الاستقلال الصادر عن المجلس الوطني الفلسطيني عام 1988 ولقرارات الشرعية الدولية بما فيها القرار 181. فالمرحلة الانتقالية تقترب من نهايتها, وقد حان الوقت لوقف هذه المفاوضات الفنية العقيمة وللبدء بمفاوضات سياسية بين دولتي اسرائيل وفلسطين على اساس قرارات الشرعية الدولية ذات الصلة بالقضية الفلسطنية وعلى اساس انسحاب قوات الاحتلال من الاراضي الفلسطينية المحتلة بعدوان 1967 مقابل ترتيبات الامن والسلام, فذلك اجدى من الاستمرار في هذه المفاوضات العقارية, واجدى من الاستمرار في المفاوضات على ارض الوطن قطعة قطعة. لقد حان الوقت لموقف تفاوضي فلسطيني يتصدى لهذه الغطرسة الاسرائيلية بلغة (هات من آخر) ولكن فلسطينية هذه المرة. الأمين العام للجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين*