خصصت صحيفة لوموند عدداً من مجلتها الشهرية بعنوان(كفاح التاريخ)الصادرة هذا الصيف لمجموعة من المؤرخين الجدد في الجامعات الاسرائيلية واعمالهم التي تميزت بشيء من الصدق وكثير من الجدية, وقد تعددت الكتب التاريخية التي وضعها هؤلاء المؤرخون الجدد في قلب اسرائيل لكشف ممارسات طرد شعب فلسطين عام 1948 من اراضيه وقراه ومدنه ليحل محله المعمرون ـ او بالاحرى المستعمرون ـ اليهود القادمون من امريكا واوروبا فيما تسميه اسرائيل اليوم(استقلال)اسرائيل في 15 مايو 1948 تاريخ انشاء الدولة العبرية اثر قرار الامم المتحدة بتقسيم فلسطين الصادر يوم 29 نوفمبر 1947. وتلمح صحيفة لوموند على ان المؤرخين اليهود اكدوا ما كان دائما يقوله المؤرخون الفلسطينيون اي الاقرار بحقيقة تاريخية ساطعة كالشمس وهي ان اسرائيل كدولة هي واقع استعماري منذ نشأتها وحتى استقرارها من خلال الحروب العدوانية التي شنتها على الشعب الفلسطيني وعلى جيرانها العرب. وقد نشرت في كتابي (محاكمة الحرية) الصادر هذا العام وثيقة تاريخية هامة تعتبر من الوثائق المؤسسة لدولة اسرائيل (صفحة 21) وهي الرسالة التي بعث بها المؤسس الروحي للدولة اليهودية (تيودور هرتزل) لمنظر الفكر الاستعماري البريطاني (سيسيل رودس) ــ وقد قرأت على محكمة باريس يوم 7 يناير 1998 نص هذه الرسالة ــ الوثيقة ويعود تاريخها الى قرن حيث حررها (هرتزل) يوم 11 يناير 1903 ويقول فيها: فيينا عاصمة النمسا ــ 11 يناير (الى السيد سيسيل رودس (انت اليوم الرجل الوحيد الذي يستطيع ان يساعدني, لان الامر يتعلق بقضية استعمارية وانا لا اطلب منك حالياً ان تعطيني او ان تقرضني المال, ولكنني اطلب منك ان تمنح ضمانك الادبي لمشروع الاستيطان الصهيوني. فقد نجحنا على مدى خمس سنوات وخمسة مؤتمرات في ان نجمع آلاف الاعضاء المنضوين تحت لواء جمعيتنا التي تضم آلاف الفروع في عدة بلدان من العالم. فالصهاينة اصبحوا ينقادون لشعار واحد (command) من منشوريا الى الارجنتين ومن كندا الى رأس الرجاء الصالح والى زيلندة الجديدة. اما اكبر تجمع لمنخرطينا فهو في اوروبا الشرقية, وانا اعتقد انه من بين خمسة ملايين يهودي روسي هناك اربعة ملايين يؤيدون مشروعنا. وقد انشأنا منظمات تتكلم بكل اللغات الحية في العالم, ونحن نحرص على ابلاغ طلباتنا للدول بطريقة ذكية يصعب رفضها... حتى الحكومة الروسية لم ترفض. وفي عام 1898 بلغ حد الدعوة الصهيونية درجة انني تم استقبالي في (اورشليم القدس) مع اربعة من اعضائي كممثل للصهيونية واستطعت ان احرر مذكرة تم ابلاغها للسلطان العثماني... وفي بريطانيا العظمى, لنا اصدقاء مسيحيون عديدون, من رجال الكنيسة ومن رجال الصحافة, وحتى داخل مجلس العموم البريطاني, فنحن كسبنا سبعة وثلاثين برلمانيا يؤيدون الصهيونية ووعدوا بدعمنا...) . الرسالة مثبتة في مذكرات تيودور هرتزل ــ الطبعة الانجليزية صفحة 1193 , وهكذا فحين يتحدث كتابي (الاساطير المؤسسة للسياسة الاسرائيلية) عن الواقع الاستعماري لدولة اسرائيل التوسعية, فانما ينقل للراي العام العالمي حقيقة لم نبتدعها نحن بل اقر بها الاب الروحي للصهيونية ومؤسس مشروع الدولة اليهودية (تيودور هرتزل) وحين يكتب المؤرخون اليهود اليوم ليفضحوا هذه الحقائق فإنما ينخرطون في سلك الحقائق الواضحة الجلية. وعملهم هذا يندرج في ترشيد عملية السلام واخراجها من الدوامة الفارغة التي وقعت فيها باعطاء فلسطين حق تأسيس دولة واعادة اللاجئين الى وطنهم واقرار السلام العادل والشامل في المنطقة والعالم.