لم يكن بوسع الشيخ احمد ياسين الزعيم الروحي لحركة حماس ان يقوم بجولته العربية لولا انه تلقى ضوءا اخضرا من كافة الدوائر الرسمية التي قام بزيارتها. ولاشك ان الشيخ ياسين بكل ما يملكه من رمزية (العنف المشروع) اضافة الى الشعبية الجارفة التي تتمتع بها حركته لا تجعلان استقباله لدى الرؤساء والملوك والامراء العرب... يمر مرور الكرام بداية, لابد من الاقرار بأن حركة حماس ورديفها حزب الله هما الخطابان (الارضيان) الوحيدان اللذان لا يزالان يحفظان ماء الوجه العربي من الاراقة (الاخيرة) امام الرأي العام العربي والاسرائيلي, وذلك في ظل الاداء السياسي العربي الباهت. والفرق بين الخطابين هو من الاهمية بحيث لا يمكن اغفاله, فحزب الله ينطلق من رغبة تحرير باقي التراب اللبناني وهو بالتالي مصبوغ بــ (مشروع حدودي) في حين ان حركة حماس تستمد ثقلها وخطورتها من كونها تدافع عن قضية شعب مشرد وأرض مغتصبة وحلم اقامة دولة فلسطينية وهي بالتالي تنتزع لمشروعها صفة (المشروع الوجودي) . والفرق الثاني الذي يعزز وجود حركة حماس في معادلات القضية الفلسطينية بكل محاورها العربية والاسرائيلية والدولية هو انها مزروعة في قلب حدود اسرائيل مما يمكنها من ضرب مصالح اسرائيل الحيوية أو على الاقل اثارة الفزع في اماكن شتى. كانت هذه بداية لابد منها رغم انها ليست بمنأى عن اي قارىء أو راصد لتفاعلات الوضع العربي الاسرائيلي. اما لماذا هذه الحفاوة في استقبال الشيخ ياسين فضلا عن الدعم (الملاييني) لحركته؟ فهو سؤال يفتح الشهية لمقاربة كافة الاحتمالات التي (تتداخل) بشكل أو بأخر لتحرمنا من الاجابة الحامسة والآنية. أولا: ان اختيار العرب للسلام كخيار استراتيجي مع صك مصطلح (ثقافة السلام) لتفريغ الوجدان العربي من الاحساس بالغضب والمرارة تجاه تعنت اسرائيل وصلفها جعل اصحاب هذا الخيار محاصرين بموجة عارمة من الاستياء الجماهيري العربي, لاسيما, بعد ان تبين ان (قبض الريح) نتاج وحيد لهذا الخيار وانه على طريقة (مجبر اخاك لا بطل) فالبعض منكفىء على مشاكله الداخلية والطائفية, والآخر مشغول باشتباكات سياسية وإعلامية, وهذا منهمك في اصلاحاته الاقتصادية ورأسملة أوضاعه... الخ لكن يبدو ان ثمة اتفاقا ضمنيا او صريحا يلوح في الافق لترحيل المواجة الارضية الى حركة حماس, لذلك نعتقد ان دعم حركة حماس غير المسبوق سواء في دلالة استقبال الشيخ ياسين أو الدعم المادي بمثابة (حصان طروادة) الذي يبدو ان العرب انتووا ان يدخلوا به كورقة ضاغطة على مسار المفاوضات اذ ستمنح حركة حماس في هذه الحالة صفة (رأس الحربة) في جسد التصلب الاسرائيلي. ثانيا: ان العرب بصفتهم اوصياء على القضية الفلسطينية عبر تاريخها سواء بالدعم المباشر أو بالدعم (اللوجستي) فضلا عن ان مجرد التخلي عن الكلام في القضية بإمكانه احداث خصم كبير من رصيدهم السياسي والتواجدي في منطقة الشرق الاوسط والمحيط العربي, ناهينا عن استفزاز تاريخ الدم المراق في هذه القضية, الامر الذي يجعلهم يعطون انفسهم حق (تلميع) الطرف المناسب لمرحلة ما, وترميز القضية بوجه مقبول لاسيما بعد تجليات تدهور صحة عرفات وإشكاليات خلافته التي ظهرت مؤخرا. لذلك ربما كان الاحتفاء بالشيخ ياسين عبارة عن رسالة موجهة لكل من تسول له نفسه ان يتجاوز أو يتجاهل الرضا العربي بإدخال نفسه ضمن معادلات القضية خاصة ان زعماء الفصائل الفلسطينية من الممكن ان يفجروا الصراع على خلافات عرفات ضاربين عرض الحائط بشروط المرحلة ومأساة الشعب الفلسطيني, وهي ايضا رسالة موجهة لإسرائيل بأن عليها ان تتبنى سياسة معتدلة تجاه الارض والشعب والمفاوض لأن البديل سيكون مرعبا ومقلقا. ثالثا: منذ غزو لبنان ومرورا بمفاوضات مدريد وأوسلو واتفاقية غزة ــ اريحا ــ وانتهاء ببعض الاتفاقات الوقتية التي تشبه فقاعة الصابون والوضع الفلسطيني لم يبرح مكانه اذ لم يزدد سوءا وتدهورا ومأساوية مما افقد السلطة الفلسطينية مصداقيتها وبريقها امام الشعب الفلسطيني. فبدأت تتبلور في الدول الراديكالية والنخبة الفلسطينية الراغبة في تنحي ياسر عرفات أو اتخاذ موقف اشد صلابة تجاه ما يحدث. كل هذا يتفاعل بالتوازي مع ضربات حماس الموجعة لإسرائيل وبعض نتائجها السياسية مثل اسقاط بيريز, بالاضافة الى تغلغل حماس بين طوائف الشعب الفلسطيني عن طريق تبني بعض مشاريع الرعاية والخدمات مما اكسبها زخما شعبيا افتقدته السلطة الفلسطينية, خاصة, مع تواتر اخبار الفساد في بعض كوادر القيادة الفلسطينية. ومن هنا بدأت تطفو على السطح بوادر امعتاض من قيادة عرفات تجاه حماس مما كان ينذر بصراع فلسطيني ــ فلسطيني وهو أمر ليس جديدا على الرموز الفلسطينية (جميعنا يتذكر حرب المخيمات في لبنان) مما يعطل مسألة تحرير الارض وإقامة الدولة, كما انه يثقل كاهل الدول العربية ويبدد جهودها في محاولات حل القضية. لذلك ربما يكون الدعم المادي والمعنوي لحماس ممثلة في الشيخ ياسين هو من قبيل الايحاء لعرفات بان حماس داعمة لقيادته وليست معارضة او منافسة له الامر الذي يهدىء من العلاقة بين عرفات وحماس التي ربما كانت تختمر لحين الانفجار, خاصة ان اسرائيل طالبت عرفات اكثر من مرة بتصفية حماس لصالح المفاوضات. اذا كنا تحدثنا عن الجانب الايجابي للدعم فماذا عن احتماله الآخر؟ لنذكر بعض النقاط التي تسمح بالاحتمال الآخر والذي من الممكن ان ينمو في ظل السقوط المدوي للمسلمات: 1 ــ لقد كرست حماس بضرباتها الانتحارية مفهوم (الروح القتالية) مما ايقظ في وجدان الشعوب العربية الادبيات الثورية كالكرامة والدفاع عن الارض ومقاومة العدو, الامر الذي وضع القيادات العربية بأدبياتها كالتطبيع وثقافة السلام والهرولة وضبط النفس والمفاوضات في مأزق حرج. 2 ــ ان حركة حماس الاضعف تنظيما وعدة وعتادا من اقل جيش عربي استطاعت ان تطرح نفسها كطرف مهم في تسوية الوضع بشكل شرعي يليق بتاريخ القضية وبتاريخها ايضا في الكفاح المشرف وهز الكيان الصهيوني عبر عملياتها الفدائية. 3 ــ انه رغم عدم حدوث اي نشاط لحماس منذ فترة ليست بالقصيرة ضد اسرائيل, الا ان ذلك لا يبعث على الاطمئنان للقيادات الفلسطينية والعربية. لأن حماس ربما كانت تعطي السلطة الوقت الكافي لاثبات جدارتها بادارة القضية مع عدو مراوغ. وربما تكون حماس ارادت ان تدخل او تنتظر نتائج المفاوضات حتى تثبت انها تستطيع ان تصنع لنفسها سمعة دولية حضارية تتجاوز وضعها القطري والاقليمي, وهي بذلك تحقق معادلة القدرة على التفاوض مع المقدرة على تفجير الوضع وخلط الاوراق وهي معادلة صعبة اختفت منذ سنوات طويلة من دائرة الخطاب العربي وآليات الصراع الرسمي. 4 ــ رغم ان الشيخ ياسين قد اعلن اكثر من مرة انه لا توجد قياداتان لقضية فلسطين الا ان ذلك لا يمنع الشعب الفلسطيني من ان يضغط منطلقا من احباطه ويأسه على حركة حماس لاجراء انتخابات ربما تطيح بقيادة عرفات لينفجر بذلك المسار (المقنن) للقضية. من هذه النقاط المذكور آنفا يصبح من حقنا ان نحتاط لمسألة الاحتفاء بالشيخ ياسين ودعمه المادي. فاذا كنا قد قلنا ان دعم حماس ربما يحمل في طياته امكانية جعلها (حصان طروادة) لارعاب اسرائيل وطمأنة عرفات في الوقت نفسه, فما المانع من ان يكون الدعم فيما بعد بمثابة (كعب اخيل) لتكريس خيار السلام خاصة ان السياسة هي فن الممكن والمحتمل والمخاتلة. فحركة حماس في اشد الحاجة لأن تكون اكثر تنظيما لكوادرها واكثر (مأسسة) لحركتها ومشروعها. لذلك يحق لنا الخوف من ان يشكل الدعم في المستقبل عبئا يحد من حركتها ويشدها للمنطقة الرخوة في مواجهة اسرائيل, فترويض النمرة ربما يكون امرا مطلوبا في هذه المرحلة لعدم وضع خيار السلام في مهب العنف والارباك المشروع. وبما ان جسد حركة حماس جسد محصن مبلل بدم الكفاح والجهاد فان ادغام حماس في فن الدعم ولعبة المساندات المالية سيكون مقتل حماس اذا تطلب الموقف (تقفيص النمرة) ورغم علمنا ان حركة حماس حتى هذه اللحظة لا تملك الا روح المقاومة والايمان بالارض والقضية الا ان ما يقلقنا ان يكون الدعم مع الايام بمثابة سلاح يشهر في وجه حماس لضبط موقفها لاسيما اذا اطلقت حماس العنان للدعم ليكون رافدا حيويا لمقاومتها وادمان العرب لخيار السلام الذليل في الوقت نفسه. واخيرا بين حصان طروادة وكعب اخيل تتأرجح آخر قلاع المقاومة. وتبقى الأيام بآتيها تحمل بذور الحلم او معول إجهاضه.