من الملاحظ على نحو جلي ان الحداثة المادية الهابطة علينا من العالم المتقدم قد أدت إلى تدمير ليس فقط نظام القيم والمنظومة الأخلاقية, وإنما أيضا تدمير الاساس الاجتماعي والروابط التقليدية بين الأفراد . فهذه الحداثة ــ وهي بالمناسبة اسمى مرتبة ممكنة بلغها الانسان المعاصر حتى الآن ــ من الواضح أنها لم تراع أو يراع لها الاستعدادات الطبيعية للمجتمعات في العالم الثالث, وأوضاع وامكانيات هذه الأخيرة المادية والمعنوية. وإنما جرى ادخالها بشكل فج وبطريقة تفوق قدرة السكان في كثير من الأحيان على تلبية متطلباتها ومستواها المتقدم. ولهذا اقتصر تأثيرها على الجانب الاستهلاكي والشكلي فحسب, ولهذا أيضا رأينا كيف أنها وضعت الفرد في حالة انشداد وتناقض غريب. فهو عليه ان يلبي المتطلبات الاستهلاكية الكثيرة والمتنامية كل يوم, بينما امكانياته وقدراته على خلق الفائض المادي محدودة إلى ضعيفة. هنا بات على الانسان في هذه المجتمعات ان يوظف المزيد من جهوده وطاقاته من أجل تلبية تلك الاحتياجات, وبات عليه ان يتنازل تدريجيا عن كثير من القيم أو المبادئ التي ألفها وشكلت في وقت ما النسيج الأخلاقي الطبيعي للمجتمع. فالفساد والاحتيال والنفاق والمجاملات والرشوة والتربح غير المشروع ليست شيئا آخر سوى نتاج طبيعي لمحاولة سد الفجوة بين التطلعات ومتطلبات الواقع. وكان لابد بعد ذلك للعادات والروابط الاجتماعية ومرادفاتها مثل الكرم والإيثار والمثابرة والكفاءة والوفاء بالعهود والاخلاص.. إلخ. كان لابد لهذه القيم ان تختفي أو تخلي مكانها للانتهازية واقتناص المراتب والسلطة واللهث خلف الثراء والكسب السريع والسهل غير المحدد مصدره أو طريقة جمعه. غير ان الأمر لا ينتهي عند هذا الحد, فالواقع ان هذا التبدل السريع والسلبي في المجتمع يتم جنبا إلى جنب مع الاحتفاظ في المخيلة وفي الوعي بصورة أخرى نقية ومثالية لقيم واخلاقيات المجتمع. وهذا يؤدي إلى خلق نوع من التناقض أو الانفصام في الشخصية العامة للفرد. وعلى سبيل المثال, فإن نظم التعليم والتربية والاعلام ووسائل الثقافة والاتصال الأخرى, تسعى إلى ترسيخ فضائل من نوع الصدق والأمانة والاخلاص والتعاون والمساعدة المتبادلة.. إلخ, وهي فضائل يحث عليها كذلك الدين الاسلامي ــ الفضاء الروحي والقيمي لمجتمعاتنا. لكن خارج تلك النظم ــ في الحياة العملية والممارسات اليومية وفي السوق مثلاً ــ تسود قيما مختلفة تماما, لذلك النوع من الفضائل. وأحيانا ينخرط مروجو هذه الأخيرة في ممارسة القيم المغايرة, فهم في نهاية المطاف جزء من المجتمع, لا يستطيعون حتى وان أرادوا ان ينغلقوا أو يترووا بعيدا عنه. هذا التباين الواضح بين ما يعتقده ويختزنه الفرد من صور مثالية عن نفسه وعن المجتمع, وبين ما يسلكه ويتصرف على ضوئه في حياته وسلوكه العملي واليومي, من شأنه أن يؤدي إلى تمزق الوعي القيمي والنفسي للمجتمع وكذلك للفرد. والحال أن هذه النتيجة ليست من مسؤولية الحداثة المادية نفسها, فهي في المجتمعات التي بلغت مستويات عالية من التطور, تمثل الرد الطبيعي على تحديات الحياة في الاقتصاد والسياسة والمجتمع. لكنها من مسؤولية النقل والتقليد والبحث عن الحلول الجاهزة, وعدم تمهيد الأرض جيداً لبذرة الحداثة كي تنمو فيها. ان الأرض التي يجري فيها الزرع هي أرض غير ممهدة, وبعضها موات, وهي تحتاج إلى جهود كبيرة وصبر وتعب وعرق, كي تصبح جاهزة للبذر والغرس. بينما يتصور بعض المتعجلين ان الحداثة هي عملية نقل وتقليد ومماهاة في طرائق المعيشة والسلوك والتصرف, ولهذا قلما ينجحون فيما يسعون. كاتب وصحافي بحريني*