كنت أظن ـ وبعد الظن إثم عظيم ـ أن علامة صحة قد بزغت في الحياة السياسية المصرية, حين جاء موسم يوليو ولم تبدأ حملة الردح السياسي ضد ثورة يوليو وقائدها عبد الناصر وظننت ساعتها ان بعض العقل قد جاء ـ ولو متأخرا ـ للذين لم يعرفوا لهم مهمة في الحياة إلا هذه المهمة . وقلت لعلهم قد ادركوا خطيئتهم, وعرفوا ان تدمير ذاكرة الوطن وتشويه انصع صفحات نضاله ليس له من نتيجة الا ضياع أجيال جديدة من حقها ان تفخر بما فعلته الامة في اصعب الظروف, ومن واجبها ان تتسلم الراية وتواصل الطريق من حيث انتهت اجيال سابقة. لكن (ريمة) مالبثت ان رجعت لعادتها القديمة, وبدأت الاصوات القبيحة تستدرك مافاتها, وظهر أن التأخير لم يكن الا احد اعراض الشيخوخة السياسية وغير السياسية التي جعلت الحركة ابطأ والتفكير غائب, والابواق تكرر ما تردده من اربعين عاما من تفاهات سياسية لم تنل من الامة الا عظيم الاحتقار. ونستطيع ان نرد على هذه الابواق وننشط لها ذاكرتها التي اتعبتها الشيخوخه وتصلب الشرايين, ونذكر لها ما اقترفت من جرائم في حق الوطن ولكننا لن نفعل لأن الضرب في الميت حرام, وهم اول من يدرك انهم قد اصبحوا خارج التاريخ منذ زمن بعيد. ونستطيع ان نرد ولكن الملايين في مصر والعالم العربي تدرك الان واكثر من أي وقت مضى قيمة الانجاز الذي حققته ثورة يوليو, وتدرك ايضا مدى الكارثة التي حلت بالوطن.. بغياب عبد الناصر وبالتراجع عن طريق يوليو. ونستطيع ان نرد, ولكن الاجيال الجديدة في الوطن العربي كله لن تسامحنا اذا اضعنا الوقت مع هذه التفاهات السياسية, بينما الاخطار تحاصرنا في الداخل والخارج, وتفرض العمل على توحيد الصف لمواجهة العاصفة التي تهب علينا من مختلف الاتجاهات. لقد رددنا فقط على نجيب محفوظ لانه نجيب محفوظ.. وفي ردنا لم نناقش آراءه في عبد الناصر والثورة فهو حر فيما يعتقد, وهي آراء ليس فيها جديد, فقال من اكثر من ربع قرن وتروج لها اجهزة الاعلام في الداخل والخارج, لكننا فقط توقفنا عند اهانة الامة وتاريخها ومعاركها وشهدائها في حرب 56 وفي حرب الاستنزاف العظيمة. ولن نستطرد في الامر بعد ذلك, فالامة تعرف الحقيقة وتنحاز لها, وشعبنا يملك هذا الاحساس العبقري الذي جعله يضع احمد عرابي وعبد الله النديم في قلبه رغم حملات الاستعمار واعوانه, وينحاز لمصطفى كامل وسعد زغلول ثم يختار عبد الناصر زعيما وقائدا رغم الحروب الضارية وحملات التشويه التي لم يعرف لها العالم مثيلا. رددنا على نجيب محفوظ لانه نجيب محفوظ, ولاننا ــ رغم أي خلاف في الرأي ــ كنا نريده أن يظل كذلك, اما وقد اختار ان يكون مجرد ثروت اباظة آخر.. فهذا شأنه وهو حر فيما آراد! ولانقف بعد ذلك امام باقي التفاهات السياسية التي تملأ صفحات بعض الصحف, وانما نلتفت الى ماهو أخطر, ونراقب المنطقة كلها وهي تنزلق الى هاوية من الفوضى بفعل فاعل امريكي, بينما العرب في حالة من العجز لا سابق لها. ان عملية السلام التي نصبت امريكا نفسها راعية لها تلفظ انفاسها, وراعية السلام هي اول من تتخلى عنه بعد ان فعلت ما ارادت بالضبط, وحصلت من العرب على ماخططت له وأكثر.. فتنازل من تنازل, وهرول من هرول, وانبطح من انبطح, وجنت اسرائىل كل المكاسب دون ان تقدم شيئا. والامن العربي لم يكن مكشوفا منذ سنوات طويلة كما هو الآن. ورحم الله تلك الايام التي كنا نتحدث فيها عن التوازن الاستراتيجي بيننا وبين العدو, ونسعى لتحقيقه بشتى الوسائل. الآن.. سلمنا بالامر الواقع ورحنا نرقب اسرائيل وهي تتحول الى قلعة ذرية, وترسانة لأحدث مالدى امريكا من سلاح, واسرائىل تهدد بأنها لن تسمح لأحد في المنطقة ان يمتلك من السلاح مايهدد امنها المزعوم. وامريكا ــ بكل بجاحة ــ تضغط لمنع حصول سوريا على شحنة من الصواريخ, وتبدي قلقها الشديد (!!) لأن مصر تقوم بتجديد بعض الصواريخ القديمة التي تملكها! وتمتد شبكة المخاطر على الامة العربية في كل الاتجاهات.. تحالف مع تركيا تقيم بمقتضاه اسرائيل القواعد داخل اراضي تركيا لمحاصرة سوريا. وعلاقات وثيقة في كل المجالات بين اسرائىل وبين الهند والصين وروسيا بعد ان تركنا لها المجال فسيحاً أهدرنا كل العلاقات الطيبة التي كنا نملكها. وفي الوقت الذي تعلن فيه امريكا نفسها ان العراق لم يعد خطرا على جيرانه, وانه خسر من الحصار حتى الان 120 مليار دولار,تصر امريكا على ابقاء الحصار واذلال شعب العراق وتجويع اطفاله, وتتحرك اساطيلها في الخليج لتهديد العراق وابتزاز دول الخليج, والتآمر الامريكي لخفض اسعار البترول. ولان مصر مازالت هي الرقم الصعب رغم كل شيء وأي شيء, تمارس ضدها كل الضغوط السياسية والاقتصادية والعسكرية. بهدف حصار دورها ومنعها من اداء دورها والدفاع عن مصالحها ومصالح الامة العربية. وبعد ضرب السياحة بيد الارهاب المدعوم أمريكيا, تستخدم المعونة الامريكية للضغط ويتم التلويح بالغائها وكأن مصير مصر معلق بها, ثم تلجأ امريكا الى اقذر اوراقها بمحاولات يائسة ومستمرة لزرع الفتنة الطائفية في مصر, وتنصيب نفسها حامية لاقباط مصر واطلاق ابواق الدعاية الصهيونية عندها للحديث عن اضطهاد مزعوم للاقباط, وهو تخدل مرفوض من كل مصر ــ ـ بأقباطها ومسلميها ــ الذين عاشوا وسيعيشون اسرة واحدة يواجهون مشاكلهم معا, ويرفضون التدخل الاجنبي معا, ويقاتلون ضد اي استعمار مهما كان شكله معا ويستشهدون دفاعا عن تراب مصر التي يتقاسمون خيراتها معا. وليس في الايام القادمة الا مايزيد المخاوف من انفجار الاوضاع وانزلاقها الى الفوضى العارمة في المنطقة. فالادارة الامريكية مشغولة بستر عورة السيد الرئيس, وكلينتون غارق في فضائحه الجنسية, واذا نجا من العزل وهو الارجح, او تم عزله, فان الادارة الامريكية مقبلة على فترة من العجز الذي نتمنى الا يدفع العرب ــ كالعادة ــ ثمنه. والكونجرس الذي يسيطر عليه انصار الليكود سوف تزداد سطوته.. ونتانياهو ستطلق يده ليفعل في المنطقة مايريد. والعرب مازالوا يتداولون هل يعقدون القمة وماذا سيفعلون اذا انعقدت؟ ورحم الله اياما كانت القمة تنعقد فيها خلال 24 ساعة. وكانت الامة ــ في أصعب الظروف ــ قادرة على ان تقول: لا, فيستمع العالم لما تقول.