هل صار موضوع الصراع العربي الصهيوني عصا يتوكأ عليها من لا موضوع له؟وهل غدت الحالة الصهيونية شأنا تلوكه الألسنة العربية فحسب؟وهل الهجوم على المشروع الصهيوني وآثاره أصبح سمة ينحاز إليها الكتاب العرب دون غيرهم؟ لست أدري لماذا تتوارد مثل هذه الأسئلة عند الحديث عن الموضوع ذاته . لكنني أحسب انه مما يضيف الشعور بالايجاب نحو تلك الأسئلة ان الكتابة العربية فيها تفتقد الدقة والجدية في كثير من الأحيان. ويتعاظم ذلك الشعور في ظل اليأس من الواقع العربي وحالة الاحباط المتزايدة, والانهزام المشين, وتتحول ردود الأفعال العربية تجاه جرائم اسرائيل إلى كلام وشعارات لا قيمة لها. ولكن هل يكون كل ذلك مبررا للاحجام عن كشف تلك الجرائم وفضحها على رؤوس الأشهاد؟ وهل يكون كذلك مدعاة لان يلوذ المرء بالصمت ويرضى بواقع الانهزام؟ أكاد أجزم بأنه من الضروري جدا التذكير المستمر بجرائم الصهيونية على أرض فلسطين, وابقاء الذاكرة العربية حية تجاه قضيتها الأولى. وأقل ما يمكن القيام به في هذا الشأن, التأكيد على حقائق أهمها ان اسرائيل اغتصبت أرضا لا تملكها, وأبادت أناسا أبرياء, وشردت ملايين من البشر, وهدمت بيوتا وألجأت سكانها إلى العراء... إلخ وإذا كان هذا الأمر مطلبا عربية ملحا, فإنه ــ وفي السياق نفسه ــ تتجلى أهمية كبرى عندما يرصد تلك الجرائم ويسجلها طرف لا صلة له بشأن صراع العرب مع اليهود. لا سيما إذا كان هذا الطرف غربيا, شهد تحالفا استراتيجيا مع الكيان منذ نشأته. وفي الاستشهاد بالطرف الغربي فائدتان. أولاهما اثبات حقيقة عدوان المشروع الصهيوني ودولته, وتأكيد أننا لسنا الوحيدين الذين يشكون أو يبالغون في تصور جرائمها في فلسطين. وثانيتهما اثبات ان هناك شرفاء في أوساط الغربيين شهدوا بما تملي عليهم ضمائرهم, ووفقا لمشاهداتهم على أرض الواقع. وإليكم هذا النموذج الغربي لتلك المشاهدات. مشاهدات في قرى الأشباح هل سمعتم عن قرى الأشباح وأوصافها في فلسطين؟ شخصيا, أعترف بجهلي بهذه القرى حتى الاسبوع الماضي, بعد أن اطلعت على تقرير كتبه الصحافي البريطاني كريس كويل, نشرته مجلة (المشاهد السياسي) في عددها الأخير (125) بتاريخ 2/8/,1998 واشتمل التقرير على تجربة كويل الخاصة في فلسطين المحتلة. واشتمل كذلك على وصف لتلك القرى التي اكتشفها صاحبنا, وكان له فضل تعريفها لنا, وإزالة جهالتنا بشأنها وقد وصل كويل إلى (قرى الأشباح) بعد أن تجاوز بسيارته مستوطنات اليهود (النظيفة الأنيقة التي تزدهي تحت أشعة الشمس) , وعندما وقف كويل على إحدى تلك القرى قال: شاهدت قرية عربية صغيرة (على سفح إحدى التلال) إذا كان يصح اطلاق هذا اللقب عليها. إنها أقرب ما تكون إلى أكواخ من الصفائح المتعرجة أكثر منها مخيما بين بضع أشجار هنا وهناك. وقد طلي الكثير من الأكواخ باللون الأزرق وذلك تلبية لرغبة القرويين في أن يكون لهذا الوجود الكئيب بعض اللون. أما الأكواخ التي لم يصل إليها الطلاء, فإنها تظهر خطوطا من الصداء, ويرجع سبب ذلك جزئيا إلى الطريقة العشوائية التي أقيمت بها. فهي لا تحتوي على نوافذ. وقد تم تثبيت الصفائح المتعرجة للسقف بالحجارة حتى لا تذروها الرياح بعيدا وتتراكم المخلفات حول التل, في وقت تحيط السياج بمنطقة القرية. وتسرح الأغنام دونما هدف حول الأكواخ وفيما بينها. وإذا أنت دخلت إلى أحدها, فقد تجد غرفتين أو ثلاثا ويعيش في هذه القرية حوالي 700 شخص, وقد تجد أحيانا عائلتين أو ثلاثا في بيت واحد! وليس فيها مراحيض, إذ انه ليس فيها مياه جارية. كما انه لا توجد فيها كهرباء فهل هذه هي اسرائيل, إحدى الدول المتقدمة في العالم؟ الغاء التاريخ والجغرافيا معا قد علمنا حقيقة سعي اسرائيل إلى الغاء الحق التاريخي للفلسطينيين في فلسطين. وسعت اسرائيل إلى توظيف التاريخ (إذا شئت الدقة تزييف) لاثبات حقها في تلك الأرض. وذلك بادعاء أسبقية تاريخية للوجود اليهودي بها. وتنادى حاضر الصهيونية إلى ترويد مقولة أرض بلا شعب لشعب بلا أرض. ومن ثم كان اغتصاب اليهود لفلسطين أبلغ دليل على الغاء الحق الفلسطيني في تلك الأرض. أما الغاء الجغرافيا فكان في مرحلة تلت اغتصاب الأرض, حيث بدأت بطرد السكان الأصليين ونفيهم. ثم مصادرة الأراضي وبناء المستوطنات اليهودية عليها. ولم تكتف اسرائيل بذلك, بل قامت بإزالة أسماء القرى عن الوثائق والخرائط. يتساءل الصحافي كريس كويل في التقرير نفسه, وبعد مروره بإحدى قرى الأشباح: ما اسم هذه القرية؟ ثم يعقب: إذا تصفحت الخريطة, فلن تجد لها أثرا. حيث ان عرب النعيم في الجليل لا وجود لهم من الناحية الرسمية, رغم ان أحد بطون قبيلة النعيم كان هناك منذ بداية القرن. إنها إحدى القرى الكثيرة التي يطلق عليها اسم (القرى غير المعترف بها) . ويذكرنا هذا بما قامت به وكالة الأمم المتحدة لاغاثة اللاجئين منذ أربع سنوات, عندما أصدرت تعليمات بحذف كلمة (فلسطين) من الكتب والخرائط المدرسية. أما الآثار التي تترتب على القرى التي يطلق عليها (غير معترف بها) في المفهوم الاسرائيلي وفي ظل قوانينه, فإن ذلك يعني انه لا يحق للقرية أن تحصل على الخدمات البلدية المعتادة, من مياه وكهرباء وطرقات ونقليات ومجار صحية وتعليم وعناية صحية. كما ان الخدمات البريدية لا تصل إليهم, ولا توجد فيها هواتف! كما تظل المخلفات من دون أن يقوم العمال بجمعها. ويقطع الأطفال مسافة عشرة أميال للتوجه إلى قرية (سخنين) حيث يتعلمون التوراة والقليل عن الاسلام والقرآن الكريم. فإذا عادوا إلى بيوتهم فإنهم لا يستطيعون أن يؤدوا واجباتهم المدرسية في المنزل خلال فصل الشتاء لعدم وجود اضاءة كهربائية والأسوأ من ذلك عدم توفير تلك الخدمات أن هناك خطرا حقيقيا لبقاء هذه القرى في حيز الوجود (ذلك ان قانون التخطيط والبناء لعام 1965 لم يضع القرى غير المعترف بها في خطط البلدية. وهذا لا يعني فقط ان كل الانشاءات في تلك المناطق غير مشروعة بحكم القانون الاسرائيلي, وإنما الاقامة فيها أيضا) . وقد نتج عن ذلك ان أصدرت السلطات الاسرائيلية أوامرها للسكان بازالة وهدم المباني المقامة في تلك القرى غير المعترف بها! وفي الوقت الحالي ــ كما يقول الصحافي البريطاني ــ فإن هناك ثلاثة أوامر بالهدم معلقة فيما يخص إحدى القرى. ومما يثير الدهشة ان المقيمين يطلب منهم هدم مساكنهم بأنفسهم! فإن لم يفعلوا ذلك, فإن الأمر قد يؤدي إلى القاء القبض وفرض غرامة. وإذا قامت الشرطة الاسرائيلية بهدم منازلهم, فإن على أصحابها أن يعوضوها عن التكاليف! بقي أن نشير إلى ان المثال الذي تحدث عنه كريس ليس هو الوحيد, وإنما هو واحد من 176 قرية بها حوالي تسعين ألف عربي, تقع داخل فلسطين المحتلة, خاصة في الجليل أو في صحراء النقب إلى الجنوب. ونختم بتعليق نوجهه إلى بعض كتابنا ومثقفينا الذين يروجون للسلام المعروض ويسوقون للتطبيع مع الكيان. وهذا التعليق يصف موقع العرب والفلسطينيين في المشروع الصهيوني, وتقول فيه صاحبته البروفيسورة روث جافيون, من جمعية الحقوق المدنية في اسرائيل: (إن العرب يواجهون عمليات اضطهاد منتظم, ويصبحون مواطنين من الدرجة الثانية) وقالت: إن الوضع ازداد تفاقما وتدهورا في حكومة الليكود, ويسقط من الحساب أولئك الذين يعيشون في قرى (الأشباح) . * المشرف العام لجامعة زايد