أولا:اذا كان المقصود بعبارة المشروع الحضاري العربي الاهداف الكبرى للامة العربية التي تعمل حركة النهوض القومي على تحقيقها, بديلا للوضع الراهن, فإن هذا المشروع قد يكون على مراحل فقد بدأ بمشاعر, وتطور الى تصور لمجتمع جديد , كانت البداية في تحسس فساد الاوضاع وانحرافها عما يجب ان تكون عليه بمقاييس اصلاح شؤون الدين والدنيا وبذلك بدأت بؤر التنوير بالظهور ومنها ما ظهر في الوسط الديني حيث كرست قيم الاسلام مقياس الحكم على صلاح الموجود سواء اكان دينيا ام دنيويا وقد تمثل ذلك في حركات الاصلاح الديني الاولى وما قام به محمد عبده والكواكبي والاخرون وتطورت تلك المشاعر والميول الاصلاحية الى النظر في وضع الدولة التي كانت تشكل المحيط الذي عاش فيه العرب مدة ليست قصيرة محيط الدولة العثمانية وبفعل مقارنة رغبات الاصلاح بالواقع تبلورت المشاعر بوجود فارق بين ما هو كائن ومايجب ان يكون وتمحور ذلك الشعور حول قضية وضع العرب في محيط يسوده التخلف والفساد والاستبداد وينطوي على فقدان دور العرب وهم اصحاب رسالة الاسلام وحاملوها الى العالم وتفاقم ذلك الشعور تحت وطأة عنصرية الاتحاد والترقي وخطة التتريك اي القضاء على الهوية العربية وهكذا كانت نقطة البداية يقظة الشعور بالذات بعد سبات طويل بكل ماينطوي عليه من احاسيس التخلف والقهر وانعدام الدور. وهي امور كانت بنظرهم مخالفة لروح الاسلام وتعاليمه ومنافيه لمشاعرهم المشروعة كأمة لها شخصيتها المستقلة ودورها التاريخي المعروف. واستمرت تلك المشاعر بالتطور حتى اخذت شكل دعوة قومية لها محور رئيسي هو اننا نحن العرب امة لها شخصية مستقلة مستمرة في التاريخ انجبت حضارات مهمة اهمها الحضارة العربية ــ الاسلامية, وهي اليوم تملك الحق والقدرة لان تنهض وتؤدي دورا ايجابيا في حضارة العالم عن طريق بناء كيان قومي مستقل. الا ان التطور المهم الذي حصل في المشروع الحضاري العربي قد حصل عندما اقتربت القومية العربية من الواقع او عندما دخلت مرحلة وضع اسس بناء المجتمع الذي تتجسد فيه والمقصود بالاسس الشروط السياسية والاجتماعية لتقديم بديل للواقع الذي يراد تغييره وحدث ذلك عندما تحول الشعور الى حركة وهنا لابد من التعرف على الضرورة التي دفعت حركة النهضة الى احداث هذا التطور فإلى جانب صفة الحيوية الذاتية هناك الضرورة النابعة من صفات الظرف التاريخي والاجتماعي فحركة النهضة بدأت تعتبر القومية العربية البديل المقابل للواقع الموجود. ففي حين انها في مرحلتها الاولى لم تتعد حدود الافكار اصبح من الضروري الان ان تتخذ مضمونا جديدا. ولتوضيح معالم هذا التطور يمكن ايراد المسائل الجوهرية الاتية: اولا: كانت المسألة الاولى التي تضمنتها عملية التطور التاريخي للقومية العربية هي وضعها في اتجاه القدم, وبذلك اصبحت لا مجرد شعور بالذات والهوية القومية بل طموحا من اجل بناء مجتمع جديد, وتجدر الاشارة هنا الى ان موضوع التقدم لايقتصر على مجرد التحديث الذي تناولته جهود محمد علي في مصر المقتصرة على ادخال اساليب عمل الدولة وبناء مؤسساتها ووضع هيكل الادارة ونظم ممارستها لمهماتها. بل يشمل ذلك وما هو اوسع ماديا: اي رفع مستوى جماهير الشعب المعاشي والثقافي والاجتماعي ومعنويا: اي رفع القهر والاستغلال عنهم وبذلك تكونت علامة مهمة من معالم النظام الجديد, ويلاحظ ان مسألة التقدم هذا اتخذت شكل اتجاه عام اثر في مختلف نواحي التفكير وصياغة السياسات, وشهد تنظيرا تمثل في نزوع عام الى نظرة تحررية في مختلف الشوؤن الداخلية والخارجية مما امكن تسميته بالتقدمية وبذلك تم نحت عبارة القومية التقدمية. ليس المهم في هذا الصدد التوسع في تحليل العوامل او في العرض التاريخي لمسألة تقدمية القومية العربية, الا ان ثمة مسألة مهمة تستحق ان تورد في هذا الصدد تنبع اهميتها من انها كانت سببا (او ربما ذريعة) لفهم خاطىء. ان تطوير المشروع الحضاري العربي من مرحلة الشعور بالذات الى مرحلة طموح من اجل بديل للموجود قد حققت انسجاما وتوافقا مع تيار التقدمية في العالم الذي قاده المعسكر الاشتراكي محققا انجازات ايجابية مهمة لقضية الشعوب المستعمرة الفقيرة, فقد ساعد على استقلال كثير من شعوب العالم كما ان وضع قضية اضطهاد الفقراء واستغلالهم في صدارة الاهتمام الفكري والسياسي في العالم, فالقومية العربية تمثلت بتحسس الذات والتأمل في الثقافة واستذكار التاريخ والتعرف على الهوية, ومن نقطة الارتكاز هذه اخذ التفكير مداه في صياغة فكرة التقدم بمعناها الشامل, ومن هنا كان التحليل بأن الاشتراكية العربية مشتقة من القومية نفسها, وليس فكرة اخرى اضيفت لها فالقومية تعني الاهتمام بمجموع الشعب والنزوع لتقدمه في الميادين كافة, والميدان الاقتصادي احد تلك الميادين ثم ان المغزى البعيد لمفهوم الاشتراكية العربية بقي بعيدا ان النزعة المادية, فغايته اطلاق المواهب وفتح فرصة تحقيق الذات والحرية الحقيقية للانسان ليرتقي روحيا كما يرتقي ماديا. ثم ان القومية العربية التي امتزجت بدايتها بتجديد قيم الاسلام واستذكار تاريخه والاهتمام بمفاهيمه الجوهرية, وجدت في تراث الاسلام دافعا قوميا في اتجاه العدالة وانصاف الفقراء والتكافل الاجتماعي ورفض الاستغلال, وهكذا كان التطور في الاتجاه التقدمي نتيجة تم التوصل اليها عن طريق تطوير نقطة البداية واعادة التعرف على التراث والاهتمام بجوهر الثقافة العربية وليس امتدادا للحركة الاشتراكية الدولية التي قادها المعسكر الاشتراكي, وان كانت قد اتت منسجمة مع روح العصر الذي اوجدته تلك الحركة وتفاعلت مع المناخ الثقافي الذي خلقته, لذلك لم يكن غريبا ان تأخذ حركة القومية العربية التقدمية موقف التلاؤم مع التقدمية العالمية من جهة, وموقف التناقض مع الاحزاب الشيوعية العربية من جهة اخرى. ثانيا: والمسألة الفكرية الثانية تتعلق بالعلاقة بالاسلام ورب سائل يستفهم عن اسباب الاشكال ومكوناته ان صح التعبير, هناك عوامل تناقضية افرزتها ظروف الوضع الداخلي والخارجي يمكن ايجازها بالآتي: في الوقت الذي كان فيه نشوء بؤر التنوير وتجديد مفاهيم الاسلام واصلاح أوضاع الدين والمجتمع نقطة البداية في النهضة كان شكل الاسلام من ناحية اخرى هو الذي سخرته السياسة العثمانية لاحتلال أرض العرب والغاء دورهم واخضاعهم لحكم الدولة العثمانية. وأدى غياب الدور والحكم الاجنبي والتخلف الى نمو قشرة ازدادت سمكا بمرور الوقت حجبت جوهر الاسلام ومفاهيمه الاصلية. وبذلك أصبح للاسلام عالم من الاهتمام بالاشكال والطقوس والعادات المختلفة وقوالب التفكير الجامد. وهو عالم مغاير تماما لروح الاسلام الأولى ومفاهيمه التجددية المتجهة الى التقدم والرقي والطهارة والحيوية ونكران الذات والتعلق بالمثل الروحية واستقامة الاخلاق. وقد شكلت مكونات هذه القشرة موروثا اجتماعيا أصبح يشكل ثقلا على روح النهضة, وقيدا على نزوع التقدم. وهكذا أصبح الاسلام موضوعا يرد في مجال بحث الامور المتناقضة التي كانت الشاغل الاساسي للنقاش النهضوي, فهو يرد في مجال عبودية الدولة العثمانية والتخلف الذي يكبل المجتمع العربي, كما يرد في مجال التجديد والنهضة وبعث الهوية والشعور بالذات المستقلة. وبذلك ظهرت الحاجة الى صياغة فكرية ونضال ثقافي يستطيع حل التناقض والامساك بالحقيقة. ولم تقتصر عملية التعقيد على المحيط العربي الداخلي, بل كان هناك في الوضع العالمي ما يبعث على تعقيد الفهم الصحيح لعلاقة الاسلام بالعروبة. وخلاصة ذلك هو ان تاريخ أوروبا شهد خلال صراع النهضة تحالفا بين الكنيسة وقوى التخلف, وهي الملكية المطلقة والاقطاع, ذلك الصراع الذي تمخض عن حروب دينية طويلة كان ثمنها المادي والبشري باهظا الى ان استقر الوضع بانتصار حركة النهضة, وتم تشييد الدولة القومية بنظام رأسمالي مدني ديمقراطي يهتم بشؤون الدنيا حصرا. وانحصر دور الكنيسة في شؤون الدين, وحصل الفصل الفعلي, واحيانا الرسمي بين الدين والدولة, وظهر تعبير العلمانية. ومن خلال عملية الاتصال بالغرب انعكست بعض عناصر ما حدث هناك بشكل تعقيدات في علاقة الاسلام بالعروبة. فمؤسسات الدين في الوطن العربي الموروثة من العهد العثماني كانت فعلا في صف التخلف, كما ان شكل الاسلام كان غطاء الاستعمار الذي مارسته الدولة العثمانية. فتجديد الثقافة الاسلامية وحركة الاصلاح الديني كان عليهما في الوقت نفسه ان يرفضا ان يوظفا أداة بيد المستعمر. ويعني ذلك التحرك ضمن مسلك متعرج وصياغة موقف من معطيات متناقضة. وفي موضوع الغرب كان على حركة القومية العربية التقدمية ان تقاوم ميول المحاكاة, فالاسلام كان عامل قوة للحفاظ على الهوية وسلاحا للدفاع عن الذات وتحقيق الاستقلال عن خطط الاستعمار بمختلف أشكالها بما فيها خطط التذويب والاستيعاب الثقافي. ولكن, من ناحية اخرى, فحركة القومية العربية ترى ايجابيات المجتمع المدني وتأكيد الحرية وأهمية القانون الوضعي والعلاقات الديمقراطية في بناء المجتمع الجديد. وفي خضم كل ذلك تمت صياغة العلاقة لحل هذا التناقض عن طريق تأكيد روح الاسلام, أي مفاهيمه الجوهرية وهي مفاهيم الثورة على الظلم والتخلف وضرورة تجديد الحياة بالتضحية ونكران الذات واستقامة الخلق والتعلق بالمثل الروحية وحفظ كرامة الانسان وحريته, واقامة العدل, ورفع الحيف عن الفقراء والمظلومين, ومقاومة الطغيان والاستبداد والفساد, واقامة التسامح والمحبة والتوازن, والاخذ بالتطور واحترام العقل والاهتمام بالمعرفة. فتجديد مفاهيم الاسلام وبعث قيمه الاصلية التي كانت الروح التي حركت النهضة في الماضي هي التي ساهمت الآن في انبعاث حركة القومية العربية, وبذلك يكون الاسلام والعروبة في حالة تلاؤم حقيقية, وتمت صياغة العبارة المعروفة ان الاسلام روح العروبة. اما لماذا ظهر حديث التناقض في الساحة السياسية, فله أسباب أهمها سببان: الأول: خارجي يتعلق بما نتج من الاتصال بالغرب ومحاكاة تاريخه... والثاني: داخلي سياسي وقد كان له بدايات غير ملحوظة خافتة الصوت أولا ثم ارتفع الصوت فيما بعد, وهو ظهور الاسلام السياسي بشعاره (تطبيق الشريعة) . وتجدر الاشارة هنا الى ان قضية تطبيق الشريعة أمر مختلف تماما عن المسألة الجوهرية في الاسلام, أي بعث مفاهيمه الجوهرية التي سبق الحديث عنها. هناك مجال آخر تطور فيه مفهوم القومية هو التحول من محيط النخبة الى الجمهور الواسع, وبذلك اكتسب صفة الشعبية. وأتت مصادر هذا التطور من رافدين: الأول: تطور القومية العربية الى نظرة تقدمية بالمعنى الواسع بما في ذلك قربها من الجمهور الواسع الذي كان بأغلبيته يعاني الفقر والاستغلال والاضطهاد. اذن, فمجرد الاهتمام بالقضية الاجتماعية قرّب الفكرة من الجمهور وأخرجها من محيط الاهتمام النخبوي الى الاهتمام الشعبي. أما الرافد الآخر, فهو الاهتمام بتأسيس حركة, أي دخول معترك السياسة. وبذلك أصبحت السياسة هي الوسيلة المباشرة المعتمدة لتحقيق الفكرة, وبذا تم التوصل الى ضرورة تأسيس اطار تنظيمي بين الجماهير. وبذا دخلت القومية العربية مجال العمل السياسي, وتحولت الى حركة ليس عن طريق جعل القضية الاجتماعية صلب اهتماماتها فحسب, بل عن طريق قرار مقصود بذاته للذهاب الى الشعب في الاقطار العربية كافة ووضع قضية النهضة في يده. ثانيا: وبوصول حركة القومية العربية الى هذه الدرجة من التطور في المحتوى الفكري أصبحت مسألة التأمل في المستقبل ضرورة لابد منها. فالمشروع القومي في حقيقته الموجزة ان هو الا نظرة الى ما يجب ان يكون مستقبل العرب عليه بالمقارنة بما هم عليه الآن. وطالما ان الموضوع قد وضع بهذه الصورة أصبح السؤال العملي هو كيف يتم ذلك؟ هل سيتحقق الوضع المرغوب كقطع من التقدم متناثرة أو اجراءات اصلاحية تأتي وحدها بدون نظام يحكم علاقاتها؟.. الجواب كلا, إذ لابد من وعاء أو اطار للنهضة والذي يمكن تسميته بالأداة. فما ذلك الوعاء أو الاطار أو الأداة؟ انه الدولة. فالدولة هي التنظيم الذي ابتدعه الانسان منذ القدم لتحقيق التقدم. قد يكون أصل الدولة هو التعاقد كما يذهب أصحاب نظريات العقد الاجتماعي من جون لوك الى جان جاك روسو الى توم بين, ويعني ذلك انها نشأت من تعاقد حر قام به الناس بعد ان اكتشفوا ان حقوقهم الطبيعية التي ولدت معهم وهي الحياة والحرية والملكية (وأضاف اليها الامريكان السعي للسعادة) لا يمكن الحفاظ عليها بالوضع الذي ساد قبل نشوء الدولة, ولذلك تعاقد الناس على انشاء الدولة لحماية تلك الحقوق. وقد يكون أصل الدولة مشيئة إلهية نصبت في الأرض ممثلا عنها من أجل تطبيق رسالة سماوية كلها خير وبركة لبني الانسان. وحتى عندما يكون أصل الدولة تطور سلطة الحاكم المعتمدة على القوة من العائلة الى القبيلة الى المقاطعة الى الدولة, فهي ايضا وبحسب أصحاب هذا الرأي جاءت لحفظ الأمن والنظام والسلام في المجتمع. إذن مهما تباينت نظريات نشوء الدولة, فهي تلتقي في اعتبار واحد هو أن هذا التنظيم السياسي يشكل الإطار لما يعتقد انه خير المنتظمين فيه, القومية العربية معنية بالعرب كأمة ونظرا إلى أن هذه الأمة تسودها أوضاع هي غير الأوضاع المرغوبة, لذلك كان هدف تحقيق وضع أرقى في سلم التقدم هو الوحدة ولتحقيق الوحدة لابد من وجود الدولة كوعاء أو إطار أو أداة لذلك, الدولة موجودة في الوضع الراهن - بشكل دولة قطرية ولكنها غير موجودة للوضع المنشود - وضع الوحدة الذي يتطلب أول ما يتطلب وجود دولة الوحدة. وهكذا كانت مسألة الوحدة العربية في صميم القومية العربية منذ بدايتها, إن جوهر موضوع الدولة هو تحقيق الارادة. وفي تحليل مضمون كلمة الارادة لابد من تتبع مصدرها, والمصدر يوصل إلى الفرد فهو الكائن الحي الذي يصدر منه التفكير والعمل. ومن اتحاد ارادة الافراد في عملية تفاعل تتكون ارادة عامة هي ارادة المجتمع, من ذلك يتضح ان مفهوم الارادة لا يقتصر على سعة الدائرة, بل يتضمن أيضا التأثير, أي الفعل. فالفاعلية والشمولية هي العناصر التي تتكون منها الارادة العامة, وفي مجال تحليل ارادة الفرد هناك الشعور بالأنا والشعور بالأنا يحرك قوة روحية كامنة في الفرد وقابلة للتطور والظهور, وهي قوة يذهب فيها علم ما وراء النفس إلى أنها قوة تسمو على العقل بقدر ما يسمو العقل على الجسد, وبذلك يخضع لها, كل من العقل والجسد. فالإنسان عندما يتأمل بعمق في ذاته يستطيع بالتدريج والتدريب أن يدرك هذه القوة والذات التي هي غير العقل. القوة هي الارادة التي مدلولها: أنا موجود كإنسان, وهي أي الارادة تتصل بهذه القوة كما تتصل الفكرة بالعقل, وما تنامي الارادة إلا تطور إدراك الشعور بالأنا الحقيقية, ومهما كان موضوع هذا الرأي في فهم الارادة فإنها التصميم على العمل - عمل العامة - إرادة الأمة من أجل هدف الارتقاء من وضع إلى وضع أفضل. كانت بداية النهضة العربية الحديثة - كما أسلفنا - هو الشعور بالذات, أي التفكير بالنفس الذي تفتح بالتدريج ليكون الشعور القومي بالانتماء إلى الأمة واتضاح الهوية, والشعور بالذات الذي بدأ بالأقلية واتسع بمرور الوقت توصل ذاتيا وبمنطق الأشياء وبتأثير العوامل الداخلة فيه إلى أهمية العمل, وبذلك أصبحت الفكرة المرادفة للتغيير مكونة الارادة العامة لبناء المستقبل, وكان التطور في عملية الشعور بالذات حتميا وإلا كانت الفكرة عقيمة, فالشعور هو الذي حرك العقل والبصيرة لفحص الواقع, وهو الذي حفز المعرفة بالتاريخ وبالعالم المحيط, والذي كانت حصيلته رؤية الفرق بين ما هو كائن وبين ما يجب أن يكون, ومنه تحركت مشاعر عدم الرضا والرغبة بالتغيير, وبفعل هذا التوتر النفسي استمد التفكير بالذات والنظر بداخل النفس قوة جديدة لتكوين الارادة, وكلما قطعت هذه العملية شوطا اكتسبت الارادة قوة جديدة وصولا الى الحسم, ألا وهو الذهاب إلى الشعب وتكوين الحركة من أجل التغيير. ثالثا: وكما حدث في التاريخ توصلت حركة القومية العربية إلى ان الدولة هي الوعاء أو الاطار أو الأداة لتأدية المهمة التاريخية, وبما أن هذه الدولة غير موجودة إذن فلا بد من إيجادها, وكان التعبير السياسي عن ذلك هو الوحدة العربية بدولة واحدة ذات كيان واحد. فالدولة هي التي تستوعب نشاط الأمة وتحوله من مجموعة عمل أفراد إلى عمل جماعي في الميادين كافة عن طريق تنسيق الاقتصاد في مجال التنمية وتنسيق العلاقات عن طريق العدل والأمن وتنسيق التفاعل مع الخارج عن طريق ممارسة السياسة الخارجية, إنها تملك السيادة المطلقة في الداخل ايجابيا فيما يتعلق بمن يخدم الصالح العام, وسلبيا على من يعمل ضده ويخرج على القانون, كما تملك السيادة المطلقة في التشريع لتنظيم نشاط المجتمع وحياته اليومية والسيادة المطلقة في العلاقة بالدولة الأخرى, حقا لقد كان نشوء الدولة أكبر تطور اجتماعي حصل لمصلحة تقدم الانسان الذي تحول المجتمع بواسطته من وضع لايحكمه مثل أعلى إلى وضع له هدف سام. وحتى الآن لم يأت دليل على نقيض ذلك, بل بالعكس فقد تراجعت جميع الأفكار عن مقترحات الحكومة العالمية, كما انتهت نظرية المجتمع العالمي الذي تزول به الدولة كما قالت الماركسية. وبقيت الدولة القومية هي التنظيم الموجود والمعول عليه لتجسيد ارادة الأمة وتحقيق ما تصبو إليه, من ذلك تتضح مكانة الدعوة إلى الوحدة العربية بالمعنى المحدد ألا وهو قيام دولة واحدة بالمعنى الحديث للدولة في النهضة العربية. الوحدة العربية حق تاريخي للأمة العربية, فهي بحكم كونها أمة موجودة وعريقة لها حق طبيعي أن تحقق وحدتها القومية عندما تكون مجزأة. إن مزايا الوحدة العربية ومبرراتها أمر مبحوث وفي المتناول وليس المقصود هنا التكرار أو إعادة التذكير, إلا ان الموضوع لايخلو من بعض القضايا التي لا تزال بحاجة إلى مزيد من الايضاح, الأمر الأول هو ان العلاقة بين الوحدة العربية وقيام الدولة العربية ليس موضوعا تنظيميا يخص شكل نظام الحكم وبالتالي يمكن أن يكون خاضعا للاجتهاد والتلاؤم مع الظروف, أقول ذلك مشيرا الى الظاهرة التي تكاد تكون صفة للفكر العربي الحديث ألا وهي التبعية للسياسة اليومية بدلا من أن يكون قائدا لها, إذ لايجوز القبول بوضع يكون فيه الفكر العربي كبندول الساعة يذهب مرة إلى أقصى اليمين, ومرة إلى أقصى الشمال, تفاؤلا أو تشاؤما, مغيرا بفعل ذلك أطروحاته بحسب الأثر النفسي الذي تخلقه تطورات السياسة اليومية, فالوحدة العربية لايمكن أن يكون التعبير عنها دولة واحدة في وقت واحد, ومجرد توافق بين الدولة القطرية في وقت آخر, إن كل شيء يعتمد علينا, على ارادتنا, وإرادتنا تعتمد على ما نفكر به نحن بأنفسنا, فكما ان الفرد عندما يفكر بنفسه أنه غير قادر يصبح غير قادر, وعندما يفكر بنفسه أنه قادر يصبح قادرا, وكذلك الأمة, والمقصود بالتفكير بالنفس هنا ليس المفهوم المتداول للتفكير, بل التفكير المتواصل العميق الذي يوصل الانسان إلى القوة الروحية الهائلة الموجودة في كل منا والتي هي في حالة كامنة إلا إذا حفزت وطورت, فالإنسان هو ما يفكر به في نفسه بنفسه على حد تعبير الانجيل, إن هذه الارادة عندما تتاح لها فرصة الظهور وتصل إلى مستوى الشعور القومي بالذات يعني الشعور بالانتماء إلى أمة والشعور بالهوية القومية, والشعور هذا يولد الطموح للرقي وتبديل الموجود بوضع أعلى مرتبة, ولن يكون لكل ذلك مجال للتحقيق إذا لم توجد الدولة القومية, المجسد العملي للوحدة السياسية. ولنذهب في النقاش خطوة أبعد .. من الذي يستطيع أن يجزم بأن الأمة المجزأة دولا متعددة تستطيع أن تحقق الحد الأدنى من الوئام والسلام فيما بينها, ناهيك عن الهدف الأكبر - هدف تحقيق مشروع النهضة؟ إن الواقع يدل على العكس, فطالما كان هناك شعور بوجود تناقض بين الشعور القومي بكل ما ينطوي عليه من مشروع للتوحيد وتكوين الدولة القومية, وبين واقع التجزئة فإن السلام والتلاؤم لن يكون ميسوراً فصفة التناقض هي الاقرب, فالدولة القطرية عندما تتصرف بشؤونها على اساس المصلحة الضيقة لا تستطيع أن تكون دائماً في حالة تلاؤم مع المصلحة القومية, وعندما لا تستطيع ذلك فإنها لا بد من ان تتناقض مع الدولة القطرية الأخرى, وهذا ما حدث ويحدث في مجرى السياسة العربية اليومية. السلام والتلاؤم يمكن ان يحصلا بين دول لا تربطها رابطة قومية اكثر مما هو ممكن بين دول قطرية يقوم كيانها أساساً على التناقض مع مشاعر الأمة وطموحها المشروع في النهضة, ناهيك عما تختزنه الذاكرة العامة من علاقة الدولة القطرية بأعداء الأمة. اذن الوحدة هي الشرط العملي الأول لتحقيق مشروع النهضة, وبذلك تكتسب أهمية خاصة, اما النظام فهو أمر آخر لا يرقى الى هذه المنزلة لأنه خاضع للتطور, فما صلح بالأمس ربما لا يصلح اليوم, وما يصلح اليوم ربما لا يصلح غداً. إن الامة تستطيع تحقيق نهضتها القومية عن طريق تعاون وتنسيق يجسدان جهداً مشتركاً من خلال مجموعة الدول القطرية بوضعها الحالي, وبالتالي فإن القومية العربية لا يشترط ان تتخذ شكل دولة قومية بل شكل تعاون اقليمي لدول تربطها روابط ثقافية وتجمعها لغة مشتركة. القول بذلك وهم, فالتعاون يصلح ان يكون نقطة بداية وليس هدفاً نهائياً. نشأت الدولة القطرية في أغلب الحالات نتيجة لنضال وطني وأحياناً قومي, إلا أنها تعكس جانب التأثر بالمصالح الشخصية الضيقة عند النخب السياسية التي تم على يدها قيام تلك الدولة. فبعضها الذي أتى من وسط العمل الوطني قد توهم ان الدولة القطرية يمكن ان تكون خطوة نحو الوحدة, فجاءت النتيجة غير ذلك, اذ ثبت فيما بعد ان الدولة القطرية يمكن ان تتطور الى وضع مناوىء لمشروع الوحدة كما حدث في حالات الاتفاق مع الدول الاستعمارية, ان سجل الدولة القطرية لا بد من ان يقرأ بوضوح وموضوعية وعندما نفعل ذلك نجد ان هذا التنظيم اخفق في أخطر الامور وفي مقدمتها الامن القومي المتمثل بسلامة الأرض والشعب. والأمر في هذا الخصوص معروف, وترتب على ذلك موضوع العمل التخريبي الداخلي ضد السلام والوحدة الاجتماعية والأمن بمعناه اليومي الذي نتج من الحركات الانفصالية. رابعا:وهنا يصل البحث في الموضوع الى مرحلة تثير بعض التساؤلات التي لا بد من الاجابة عنها زيادة في الايضاح. اذا كانت الارادة في جوهرها تعني القوة الروحية المستثارة في الفرد, وبالتالي في مجموع افراد المجتمع بفعل العملية الاجتماعية التي تلعب الثقافة المشتركة وذاكرة التاريخ ومجموع القيم التي تعلق بها المجتمع وحقق التقدم جراء تجسيدها في العمل, اذا كانت تلك القوة الروحية المستثارة في المجتمع والمؤدية الى الشعور بالذات والتعرف على الهوية المكونة للقوة المحركة للنهوض لا بد لها من الدولة بوصفها تنظيماً سياسياً لتفعيل ذلك وتحويله من دائرة الشعور والافكار الى دنيا التحقق والانتاج, اذا كان كل ذلك صحيحاً, فلم لا تكون تلك الدولة هي الدولة القطرية؟ والجواب عن ذلك يبدأ اولاً بفحص منهجية السؤال, ومنهجيته كما هو واضح تجريدية تستخدم الشكل بديلاً من الجوهر, جوهر الخطأ يكمن في اهمال واقع التاريخ. فالتاريخ قد شهد تطور الانسان وبناء الحضارة بالتراكم, ولكن تلك العملية لم تقتصر على التطور الذي حصل في الانسان فقط, وان كان ذلك نقطة البداية. كما انه لم يحصل تلقائياً في الطبيعة التي يعيش الانسان في داخلها, بل حصل من خلال عملية تفاعل مستمرة بين الانسان والطبيعة. فكما كانت هناك علوم اجتماعية تهتم بفهم ما يجري في داخل الانسان, فهناك علوم طبيعية تهتم بفهم الطبيعة من اجل السيطرة عليها. اذن, فالتقدم لا يقتصر على توفر اي من هذين العاملين وحده, بل بهما معاً, وذلك ما يعطي للأفكار نتائج عملية, وهو الذي يتيح لارادة الانسان ان تتجسد بفعل ملموس ومفيد. من ذلك نخلص الى القول: ان ما يحيط الانسان عامل مهم الى جانب ارادته في حصول عملية التقدم. وموضع المحيط يشمل كل ما يقع تحت سيادة الدولة من امكانيات اقتصادية وموارد طبيعية وموقع جغرافي ومناخ, كما يشمل كل ما ينطوي عليه المجتمع من علاقات وإمكانيات ذات علاقة بالتقدم والتنمية الاقتصادية والاجتماعية. ويعني ذلك ان الارادة القومية, ومن خلال مؤسسة الدولة تستخدم المادة المحيطة بها لتحقيق ما تصبو اليه وما يقع ضمن بناء مشروعها الحضاري. وفي هذا الصدد هناك ما يصلح ويكفي, وهناك ما لا يصلح وما لا يكفي لتفعيل نشاط الدولة من اجل تحقيق الهدف القومي, فهل تملك الدولة القطرية تلك الامكانيات؟ الجواب كلا, مهما اجتهدت في توفير مظاهر الدولة وطقوسها, من خلال المال أو الاعلام او العلاقات بالدول الكبرى والمؤسسات الدولية, كما ان التطور التقني المستمر قد رفع الحد الأدنى المطلوب لبناء صناعة متطورة تستطيع المنافسة, ووسع الفجوة بين الدول الكبرى والدول المتخلفة, لذلك فالحجم الكبير والتكامل في الموارد والقوة الاقتصادية والعسكرية أصبحت ضرورية لتأدية دور في عالم اليوم. الدولة بوصفها تنظيماً سياسياً لم تظهر الا تلبية لحاجة بغض النظر عن الآراء المتباينة عن أصل نشوئها, والحاجة مهما تعددت التسميات هي الاسهام في بناء الحضارة, وهي مهمة سامية وليست أنانية, فالدولة سواء كان هدفها محصوراً بمهمة حماية حق الحياة والحرية والملكية او مهمة نشر رسالة السماء او تحقيق التنمية والرفاهية او مجرد استتباب الامن والسلام والعدل في الداخل, فهي في جميع هذه الحالات تتجه الى هدف مثالي حتى جعل منها هيجل (الدولة القومية) تجسيداً للفكرة المطلقة اي القوة المحركة لتطور التاريخ. وبعبارة موجزة ان مهمة النهضة القومية لأمتنا كما هو حال الأمم الاخرى هو ان تؤدي دوراً في شؤون الانسان, وتسهم في حضارته اليوم كما حدث عند ظهور الاسلام, وذلك هو معنى الحديث عن الرسالة الخالدة للقومية العربية, وتأدية الدور والإسهام في حضارة العالم هدف كل الأمم كل بحسب درجة تطورها الروحي واقترابها من المثل العليا ونزعتها الاخلاقية ومكانتها المادية, فإذا كانت مهمة الدولة القومية بمثل هذه السعة والأهمية, فهل تستطيع الدولة القطرية ان تضطلع بها؟ التحليل العقلاني المعتمد على الارقام المجردة والوقائع التاريخية ومعطيات العصر الذي نعيش فيه يشير بكثير من الوضوح الى ان الدولة القطرية التي تعيش بين ظهرانينا عاجزة تماماً عن تحقيق الأمن, امن الارض والشعب, وعن تحقيق التنمية وبناء القوة المتكافئة لحفظ التوازن مع الآخرين ولتكوين نقطة بداية للإسهام في حضارة العالم. ان ما يجري في عالم اليوم من تطورات تشير الى تحسس عام عند الدول الصغيرة العاجزة عن تأدية دور في حضارة العالم. فالدول الاوروبية تحاول عن طريق التجمع ان تعالج هذا القصور, والقوميات التي انفصلت عن الاتحاد السوفييتي تحاول ذلك ايضاً, والتجمعات الاقتصادية في جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية وافريقيا كلها يكمن وراء نشوئها هذا الشعور. وترتكب النخب السياسية الحاكمة في الدولة القطرية خطأ جسيماً اذا ما اعتقدت ان العمل من خلال تجمع الجامعة العربية او التجمعات المناطقية الاخرى (على فائدة كل ذلك) يمكن ان يكون بديلاً من قيام الدولة القومية ــ دولة الوحدة لتحقيق هذا الدور ــ فلا قيام الدولة القطرية ولا تجمعها هو البديل الناجح. والخيار الذي لا مفر منه هو الوحدة بدولة واحدة. ان امكانيات الدولة القطرية البشرية والمادية والاقتصادية والتقنية وصفاتها الجغرافية وظروفها الموضوعية لا تؤهلها لحدوث التفاعل المنشود بين نشاط الإنسان والمادة التي بين يديه ذلك التفاعل الذي يخلق الشروط الموضوعية للتعبير الكامل عن الإدارة القومية في بناء نهضة جديدة تسهم في حضارة العالم وتحقق للأمة دورا في التاريخ. إن قيام الدولة القطرية قرار قانوني, والقرار القانوني لا يشترط تطابقا مع المعطيات الموضوعية لمهمة الدولة التي سبق ذكرها. لذلك فالدولة القطرية تعيش الآن في وضع تناقضي بين الشكل والمضمون, الأمر الذي يدفع في أغلب الأحيان إلى ستر هذا التناقض بطرق مختلفة منها الاستبداد والاغراء والاعلام والتحالف مع الدول الاستعمارية. فهي موجودة ولا تستطيع أن تؤدي مهمتها الحقيقية كما تريدها الأمة. كان هدف الوحدة مطروحا للنظر منذ بداية النهضة العربية الحديثة وإن كان بتفاوت. ومن الطبيعي أن يتأثر تناول هذه القضية بالظرف الفكري والسياسي السائد في كل حقبة من الحقب التي مرت بها قضية النهضة, ولكن المهم في ذلك هو ان النقلة التي حدثت في تطور القومية العربية قد أوضحت العناصر الأساسية في التكوين الفكري لموضوع الوحدة حيث تحددت بوضوح انها تعني قيام دولة ذات كيان دولي واحد. كما لا يقل أهمية عن ذلك تحديد ما تشمله الدولة, أي تحديد حدودها الجغرافية والشكل العام لنظامها السياسي القائم على اللامركزية المعبر عنه قانونا بالشكل الاتحادي كنظام إداري يلائم دولة كبيرة متعددة الأقاليم. والملاحظ ان التطور الفكري الذي شهدته القومية العربية, والذي نقلها من مستوى الشعور إلى مستوى الحركة, ومن حدود النخبة إلى الجماهير الواسعة قد أثار بشكل صريح أو ضمني قضية الأسلوب أو ما يمكن أن يدعى بالوسيلة, أي الجواب عن سؤال: كيف يجد الباحث في الكتابات القومية عبارات تتناول موضوع الوسيلة توحي بالتوصل إلى قاعدة نظرية محددة, وأخص بالذكر مسألة النضال الشعبي والانقلاب على النفس. اني أرى ان نضال الشعب أمر مفروغ منه, فالشعب هو صاحب القضية والأمة هي مصدر الإدارة, وكل موضوع النهضة يعود إليها, وليس إلى جزء أو نخبة منها. لذلك إذا ما أريد للنهضة أن تتحقق فالشعب هو المعني, وهو الذي يجب أن يعمل ويناضل من أجل تحقيقها. كما ان مسألة الانقلاب الروحي والأخلاقي, أي احداث تغيير عميق في تفكير الإنسان العربي وسلوكه عندما يتحول من مواطن عادي إلى ناشط في حركة القومية العربية هو الآخر أمر لا مناص منه وشرط ضروري لذلك التحول, والا انعدم الفرق بين الفرد الاعتيادي والفرد الثوري. إن تأكيد هذه المفاهيم ضروري بالطبع ويشكل جزءا من التطور الفكري المهم الذي شهدته القومية العربية كما سبق ذكره, الا انه لا يحسم موضوع الوسيلة ولا يجيب تماما عن سؤال: كيف تتحقق دولة الوحدة بكل ما يعنيه من تحول قانوني وسياسي في وضع الدولة القطرية, والذي ينطوي على زوال كيانات وقيام كيان جديد في محلها؟ الحياة عموما تتكون من عوامل تفاعلها من ثوابت ومتغيرات, فإن كانت المبادئ تمثل الثوابت, فإن الظروف المادية والمعنوية, الداخلية والخارجي, تمثل المتغيرات, ومن التفاعل بينها ينتج عدد لا حصر له من الحالات المتباينة. وحالات التباين هذه تستدعي وسائل متباينة. لذلك, فجواب: كيف, لابد من أن يختلف من حالة إلى حالة أخرى والا اتسمت المجابهة بالجهود والقصور والاخفاق. وبكلمات موجزة عندما يكون الصراع من أجل اقامة دولة الوحدة هناك معوقات تقف بالضد وعلى حركة التغيير أن تجابه كل ظرف بما يناسبه وأن تعالج كل حالة بما يحقق لها النجاح. لذلك لابد من التنوع في الأساليب, اذ لا قاعدة رياضية تحكم هذه القضية. خامسا:ولن يكون بحث هذه القضية تاما من دون الاشارة إلى المسألة الاشكالية التي تثير بعض النقاش الآن, ألا وهي استخدام القومية. علينا ونحن ننظر في هذا النوع أن نضعه في اطار أشمل من الحوادث اليومية. يجب مراجعة التاريخ, ولا سيما التاريخ العربي, كما يجب التعرف على الطبيعة البشرية. فاستقراء التاريخ يشير إلى أن الثورة قد استخدمت في حالات عديدة ليس بدوافع غريزية ومن أجل مصالح أنانية, بل بدوافع مثالية ومن أجل مصلحة عامة. والنهضة العربية الإسلامية مثال على ذلك. كما ان تحليل النفس البشرية ينم عن ازدواجية الطبيعة البشرية, إذ فيها عامل روحي إلى جانب عامل غريزي. وباستخدام لغة علم الأخلاق, فهناك دافع الخير إلى جانب دافع الشر, والدافعان في حالة صراع متواصل, الأمر الذي يعني ان مخاطبة الضمير ربما لا تكون الوسيلة الوحيدة الممكنة في جميع الحالات للتقويم وحفز التقدم, بل لابد في حالات أخرى من كبح ميول الشر عن طريق الثورة. وفي صدد هذا البحث لا يغيب عن الذهن موضوع الشرعية التي غالبا ما تبرز قضية متعلقة بالوسيلة المستخدمة لتحقيق التقدم. فإذا كان القرار الحر المعبر عنه بالوسائل المعروفة, ومنها الانتخاب, أساسا للشرعية, فذلك لا يمكن أخذه كحالة مبتورة عن أصولها في الفكر السياسي. بنيت الديمقراطية السياسية في الغرب على مجموعة أفكار كانت الثورة من ضمنها. فالتيار الفكري المعروف بالعقد الاجتماعي القانون الطبيعي الذي طوره جون لوك في انجلترا كان أساسا للثورة المجيدة في عام ,1688 وللنظام البرلماني الذي تبعه, وكتابات جان جاك روسو والآخرين قد مهدت للثورة الفرنسية, وكتاب توم (بين الفهم المشترك) كان أساسا للثورة الأمريكية. جميع تلك النظريات أكدت حق المجتمع في ان يثور على الدولة إذا ما أخلت بالعقد الاجتماعي, وأخفقت في المحافظة على الحقوق الطبيعية التي قامت الدولة أصلا لحمايتها. إذن, فالثورة مفهوم يقع في صلب النظرية الديمقراطية, ويشكل أساسا للشرعية عندما يخفق الطريق السلمي. المطلوب من السياسيين والمثقفين العرب الذين يتحدثون اليوم بمنطق (الوحدة لا تفرض بالقوة) ان يتذكروا انهم بمثل هذا الكلام يقعون في تناقض. فالاستقلال الوطني الذي قامت على أساسه الدولة القطرية التي ورثوا الحكم فيها الآن, قام على أساس الثورة ضد الأجنبي المحتل. وفي التاريخ العربي الحديث العديد من الثورات ليس من المصلحة ولا من السلامة الفكرية استبعاد صفة الشرعية عنها, ابتداء بثورة عرابي إلى ثورة يوليو في مصر والعراق وجميع ثورات التقدم الأخرى التي حدثت في الأقطار العربية. حقا ان كلام (الوحدة لا تفرض بالقوة) بالاضافة إلى كونه كلاما باطلا أريد به باطل, فإنه عندما يحلل فكريا ويوصل إلى نتائجه المنطقية ينكشف الخطأ الذي ينطوي عليه. فإذا كان من المنتظر أن يصدر ذلك عن حاكم الدولة القطرية بدافع المصلحة الخاصة, وعن المتأثرين بالثقافة المعادية الا انه لم يكن منتظرا أن يتأثر به بعض القوميين, إذ لا أظنهم يعرفون مدى التناقض الذي يقعون فيه عندما ينادون بوحدة الأمة, ويضفون صفة الشرعية على وضع التجزئة, ولا يدركون فداحة استبعاد الشرعية عن ثورات التحرر التي حدثت في التاريخ العربي وفي مقدمتها النهضة الإسلامية. ولكن ماذا يعني ذلك, وإلى أي مدى يوصلنا في المسعى لحل إشكالية الوسيلة؟ ما الوسيلة لتحقيق الوحدة وبناء الدولة القومية؟ الوسيلة موضوع من مهمات العقل. ولجلاء هذه المسألة أود القول إن نقطة البداية كانت تنبه الضمير والشعور بالذات والتعرف على الهوية, مما يمكن أن نسميه بالوعي القومي, ونقطة البداية هي تتعلق بضمير الانسان الذي هو موضوع المثل العليا والجانب الأخلاقي فيه. وبعد ان يتضح الاتجاه يأتي دور العقل كآداة للتحليل والنظر في الأمور والمقارنة واستنباط الحلول, أي بناء النظام, فعندما يجري تقييم الظروف المحلية وتحليل موقف الدول الكبرى المؤثرة في شؤون المنطقة يظهر مدى التعقيد الذي تنطوي عليه قضية الوحدة العربية. فالمشروع قضية مهمة للمنطقة وينطوي تحقيقه على أحداث تغييرات جوهرية في حياة العرب من جميع الوجوه, والتغيير هذا ينطوي على عملية هدم وبناء شأن كل تغيير جذري في التطور الاجتماعي. وعملية الهدف والبناء تعني نفعا لبعض المصالح واضرارا بمصالح أخرى محلياً ودولياً. وعندما يكون العقل هو وسيلة الحلول واستنباطها, فإنه لابد من ان يوصل إلى الاستنتاج المنطقي أي ظروف الصراع توجب تعدد الوسائل وتباينها, أي استخدام منهجية التعدد والانتقاء, أي أن يكون لكل حالة ما يناسبها. فالاقناع وتنمية الوعي وتغيير الأفكار وكل ما يقع في مجال أثر الثقافة هو أحد تلك الوسائل. والمواقف السلمية والإقدام الطوعي والاختيار الحر معربا عن نفسه بشتى وسائل التعبير وسيلة أخرى, وربط الوشائج الاقتصادية والمصالح المادية ونسج العلاقات الانسانية والاجتماعية وكل ما يتفرع عن ذلك وسيلة من الوسائل المؤثرة لابد من استخدامها, والضغط المعنوي والتأثير النفسي وعقد التحالفات بمختلف المستويات الاجتماعية في داخل المجتمع وعبر حدود الدولة القطرية وسيلة ممكنة الاستخدام أيضا. كما ان الثورة كوسيلة لكبح مؤثرات الشر ومواقف العناد والانحراف والخيانة أمر ممكن وضروري في بعض الحالات, وهكذا وفي كل الأحوال المشروع القومي له روح هو الحرية واحترام كرامة الانسان, لذلك فممارسة حق الثورة موضوع نضالي, ودولة الوحدة التي يهدف إلى بنائها دولة ديمقراطية تقوم على الارادة الحرة للمواطنين. وهنا لابد من المرور بايجاز ببعض الأمور التي من شأنها ايضاح جوهر القضية المسماة (نظرية العمل) . الأمر الأول هو ان هذه النظرية أبعد ما تكون عن استخدام الحل الجاهز أو القانون الرياضي, فهي تبدأ من فهم الواقع على حقيقته, ورفض التبسيط الذي يميل إليه بعضهم للسهولة أو للنقاء النظري. وعوضا من ذلك فهي تتجه نحو الأمر المعقد وتقبل التعامل معه على ما به من صعوبة وتعب ذهني, فالأمر المعقد يناسبه حل معقد أيضا. الأمر الآخر هو ان موضوع الوسيلة يتطلب قدرة قيادية أكثر مما يحتاج إلى استنباط قانون رياضي. والقدرة القيادية الذاتية في اختيار الوسيلة الملائمة لكل حالة محققة التلاؤم المطلوب مع ظرف الزمان وظرف المكان, فالقدرة على الانتقاء والمرونة في التطبيقات واجراء التغيير اللازم من ظرف لآخر ومن مكان لآخر هي ما ندعوه بالقدرة القيادية . ومن القضايا المثيرة للنقاش موضوع قديم جديد يتعلق بالقيادة, ففكرة القومية العربية التي تطورت إلى حركة تقدمية وصلت إلى الجماهير وحددت الهدف ببناء الدولة القومية بمختلف الوسائل المتاحة قد دخلت مجال العمل. والعمل يعني التعامل مع الوضع العربي المادي والمعنوي. وبذا ظهرت أهمية قضية القيادة التي هي في جوهرها قضية عملية بما تنطوي عليه من نشاط في التعبئة والتنسيق وتوجيه القوة الفاعلة لانجاز عملية الهدم والبناء التي ينطوي عليها التقدم الحاسم الذي ينتج من عملية التوحيد. فمثل هذه السلسلة من الجهد البشري لا يمكن ان تسير عفويا, بل لابد من عنصر القيادة, وذلك شأن كل عملية تنظيم جديد للمجتمع. بعض المنظرين صاغ ذلك بمفهوم محدد سماه الاقليم القاعدة, وهو موضوع عاد إلى دائرة الضوء بعد العدوان على العراق. ولا أقصد في هذا المجال تناول هذا المفهوم بما يتطلبه من تفصيل في المناقشة, فذلك ليس من صميم غرض هذا المقال, ولكن مع ذلك فلابد من بعض الملاحظات العامة عنه. إن أفضل منهجية للنقاش هي الرجوع إلى البديهيات. وأظن أنني لا أتجاوز قواعد البحث السليم عندما أقول ان أي عمل تنظيمي يتناول مجموعة من البشر لا يمكن ان يستغني عن عنصر القيادة, فما دام النشاط يخرج عن نطاق جهود الفرد فكرا وعملاً إلى دائرة المجموع, وما دام هدف النشاط تحقيق ما يتجاوز الموجود, أي بناء وضع جديد, فهو بطبيعته يحتاج إلى عنصر القيادة, أي عنصر التنسيق والتنظيم والتعبئة وصياغة القرار والاقدام والتحرك من نقطة البداية إلى نقطة الهدف. وقياسا على ذلك وبحدود هذه العمومية, هل يمكن تصور العمل من أجل تحقيق الوحدة العربية بدون قيادة؟ إن هدفاً بهذه الأهمية التاريخية, ووضعا بالتعقيد الذي عليه الواقع العربي بكل ما ينطوي عليه من قوى مضادة داخلية وخارجية, مادية ومعنوية, لا يمكن ان يسيرا إلا بقيادة مهما كان تعريفها, ومهما كانت المادة التي تتكون منها. الأمر الآخر المتصل بمفهوم القيادة هو حديث القيادة الجماعية مقابل ما هو غير ذلك. وهنا أيضا لابد من التمسك بالبديهيات, فيجب ألا يغيب عن الذهن أن الأمة لا تتحرك لتحقيق أهدافها القومية مرة واحدة وبصف واحد كما يتحرك طابور الجيش, فتلك صورة مصطنعة غير واقعية لتحرك المجتمع, فالنهضة تبدأ من جزء من الأمة وليس فيها كلها. وبعبارة أخرى, إن صفات التقدم كالاستعداد والقدرة والصفات المادية والمعنوية عند الأفراد ليست متساوية, وليس ظهورها متساويا, لذلك كان هناك من يتقدم الصفوف ومنه تكون مفهوم الطليعة. إذا فتقدم الصفوف ظاهرة موجودة في كل نشاط انساني, ولا سيما النشاط المتعلق بالتقدم, وكما ان الحركة القومية بمجملها هي طليعة, كذلك لابد من ان يكون في الحركة نفسها طليعة وحتى ان يكون للطليعة أصغر وهكذا. ومن ذلك كان مفهوم القائد. وتأسيسا على ذلك نقول ان نظرية العمل لتحقيق التوحيد العربي لابد من ان تأخذ أمرا مسلما هو ان مسألة الطليعة تتضمن فكرة نقطة البداية وكل عمل نضالي لابد من ان يكون له ــ في مجال التنفيذ ـ نقطة بداية. ونقطة البداية هذه تكون حيثما تكون الامكانية والطاقة والاستعداد, وذلك أمر لايلعب الاختيار فيه دورا, فنحن لا نختار ان تكون نقطة البداية هنا وليست هناك فهي تظهر حيثما تتوفر شروط ظهورها, كما أننا لا نختار أن يكون القائد هذا أو ذاك, فالقيادة تظهر عن من تتوفر فيه مؤهلات القيادة وهكذا. إذن فالصفات الموضوعية وليس القرار الكيفي, هي التي تقرر من هي الطليعة أو من هو القائد أو أين هي نقطة البداية, طبعا إن شيئا من المعرفة الذهنية يمكن ان يتكون عن الصفات الموضوعية, وبالتالي يستطيع التحليل والبحث النظري ان يلقيا ضوءًا على اتجاه المستقبل, أي التنبؤ بهذه التطورات, ولكن ذلك أمر مختلف عن اخضاعها للقرار الكيفي خارج حدود الشروط الموضوعية. ونقطة البداية لتحقيق الوحدة تعني مفهوما محددا هو الفكرة والجهد لتحقيقها في التاريخ العربي الحديث تبلورت نقطة بداية في عدد من الحالات (مع الفوارق) في مصر والحجاز والعراق. في جميع هذه الحالات كانت هناك نقطة بداية تمثلت بقيادة عبرت عن استعداد تمثل بجهود وامكانات من أجل المشروع القومي, وفي جميع هذه الحالات لم يكن الاختيار هو الذي قرر مكان نقطة البداية أو زمانها, بل الشروط الموضوعية. طبيعي ان نقطة البداية لم تكن واضحة الأهداف في جميع هذه الحالات, كما لم تكن متماثلة فكريا ولا ماديا, أما إلى اين يوصلنا هذا النقاش؟ فالجواب هو ان مشروع الوحدة يحتاج إلى نقطة بداية, وهو أمر طبيعي وهو إن ظهر هنا ولم يظهر هناك أو في هذا الوقت وليس في ذاك, فيجب ألا يكون ذلك موضع اختلاف بين القوميين, وإن حدث فهو نقاش مصطنع ناتج من خطأ في التفكير أو هوى في النفس. ولكن ذلك لا يعني انه لا يوجد شيء للبحث في موضوع نقطة البداية, فتصور الافكار أمر مطلوب وتحديث المفاهيم في اتجاه الدقة والجدوى والفاعلية مهمة من صميم العملية النضالية. وللخروج من العام الى المحدد ولتركيز الملاحظة على الوضع العربي الراهن يتبين ان جوهر التناقض القائم في الوطن العربي لا يدور حول قضية الدولة القطرية, بل حول قضية الوحدة العربية والقومية العربية. كان ذلك في الماضي ايام سايكس ــ بيكو ووعد بلفور, ولا يزال وسيبقى ما دامت المطامع الاستعمارية والصهيونية باقية. وجود الدولة القطرية لا يشكل بحد ذاته موضوع تناقض من وجهة نظر قوى الاستعمار والصهيونية, فهي مهما كانت وعملت تبقى في ضمن امكانية الاحتواء وغير متناقضة مع تلك المطامع. اما القومية العربية ومشروعها لتوحيد الامة فهي غير ذلك تماما. انها حتما تصطدم مع تلك المطامع, لذلك فهي المستهدفة مهما كان نظامها وكائنا من يكون القطر القائد لها. وحتى توحيد قطر عربي واحد ــ كوحدة اليمن ــ قد استثار المقاومة من دول الاستعمار والصهيونية لأنه خطوة في الاتجاه القومي, لذلك تولت الدولة القطرية مهمة محاولة الإجهاز عليه بالنيابة. سادسا: بقي السؤال الأهم: ماذا عن المستقبل؟ الماضي هو كل الذي حدث حتى نقطة الحاضر, والمستقبل هو كل الذي سيأتي ابتداء من هذه النقطة. وبذلك يندمج الحاضر بالمستقبل ويكون بداية له. فما المهمات التي تتوجب علينا؟ للإجابة على هذا السؤال ترد الملاحظات الآتية كإغناء لما يمكن ان نطلق عليه نظرية العمل: أولا: على الصعيد الفكري هناك ضرورة لهجوم معاكس يبدد آثار الثقافة المعادية التي تتولى المؤسسات الغربية والمؤسسات العربية التابعة لها نشرها بشكل مادة ثقافية وإعلامية خلاصتها الاستحواذ على الفرد العربي من داخله, وإقناعه بالتخلي عن هويته وشخصيته, واقتياده للقبول الكامل بالغرب سياسيا وحضاريا. وقد سبق لي ان اقترحت تأسيس رابطة يتشكل منها الاطار التنظيمي للهجوم المعاكس تدخل فيها جميع المؤسسات الثقافية القومية الواعية لخطر الثقافة المعادية. وما زلت أرى فائدة وإمكانية لتحقيق ذلك, ولا سيما ان بعض المؤسسات التي عرضت عليها المقترح أجابت بالموافقة, وبعضها الآخر لم يجب حتى الآن, إلا ان أيا منها لم يعارض. هناك حاجة الى نضال ثقافي لتجديد الفتوة في الفكر القومي وتوسيع دائرة الوعي وإحباط الجهد المعادي. ثانيا: في مجال العمل الجماهيري لا مناص من التوجه الى مواضيع الحيوية ف