في سنة1973بعد حرب رمضان/اكتوبر استعمل العرب سلاح البترول ودخل مصطلح الذهب الأسود قاموس العلاقات الدولية وأضحى أحد أكبر العوامل المؤثرة في مسارها, بنت إثرها الولايات المتحدة الأمريكية تصورا جديدا لسياستها في الشرق الأوسط , مصدر للطاقة وأكبر احتياطي للبترول ذلك الذي دشنه قانون كارتر سنة 1974 والذي بمقتضاه تدخل الولايات في حرب إذا ما مست مصادر تدفق البترول ولم يخطر على البال ان يتحول الماء إلى عامل استراتيجي في العلاقات الدولية أو يسبغ عليه هذا المصطلح الجديد (الشرق الأوسط) لندرته ولتأثيره على مسار العلاقات الدولية وبخاصة في هذه المنطقة التي يقل فيها الماء: (الذهب الأزرق) وتداخل سيادات ترابية على مصدر الماء كما هو الشأن للفرات ودجلة ونهر الأردن والنيل مما قد يكون سببا لنزاعات مستقبلية في القرن المقبل وبعبارة أخرى إن مصادر الحياة والتحكم فيها أصبحت عاملاً استراتيجيا في العلاقات الدولية ومرشحة ان تتضاعف في القرن المقبل مع الضغط الديمغرافي وتزايد الاستهلاك. وقد انعقد بباريس مؤتمر حول الماء في 19 , 21 مارس من هذه السنة بطلب من الرئيس الفرنسي جاك شيراك الذي ألقى خطابا حول المخاطر التي يمكن ان تنجم والنزاعات التي قد تنشب بسبب الماء, وقد أوضح في مستهل خطابه ان استهلاك الماء يتضاعف كل عشرين سنة وأن الاحتياطيات في سنة 2000 ستكون في أفريقيا ربع ما كانت عليه قبل نصف قرن, وفي آسيا وأمريكا اللاتينية الثلث, وان الوضع أكثر استفحالا في منطقة الشرق الأوسط ذات الطبيعة الصحراوية وندرة المياه والتي بلغت الحد الأقصى للأزمة من جراء الضخ الكبير للمياه بدرجة غير مسبوقة. وفي ذهن منظمي الندوة تداخل الاهتمام بقضايا الماء مع ملف الشرق الأوسط الشائك والتكفير في اعتبار الماء عاملاً للتعاون العربي الاسرائيلي عوضا عن أن يكون مصدرا آخراً للنزاع ولذلك انشطرت أعمال المؤتمر إلى جانب تقني صرف هو التفكير في استعمال رشيد للماء مع التفكير في وسائل بديلة لزيادة احتياطي الماء العذب, ثم إلى جانب سياسي, تقني يكون الماء فيه عاملاً من عوامل ترويض الصحراء وترويض النزاع العربي الاسرائيلي. 1 ـ وقد رأى بعض الخبراء ان التفكير ينبغي ان ينصرف إلى تقنيات لتحلية مياه البحار, فلا يعقل في عالم باثفايندر والنعجة دولي ان يحجم العلم عن التغلب على ملوحة البحار بتكلفة معقولة. ذلك لأن تحلية مياه البحر الأحمر من شأنها ان تغير الفرشة الصحراوية للمنطقة الممتدة من ايران إلى المحيط الأطلسي, ويرى الخبراء انه ينبغي لضمان امداد البحرين الأبيض والأحمر توسيع مضيقي جبل طارق وباب المندب. أما الوسيلة التي قد تستعمل للتحلية وبتكلفة منافسة فهي الطاقة الشمسية عوضا عن الطاقة الذرية, ويتضمن هذا الاختيار مزايا جمة, فأولاً لا تتضمن الطاقة الشمسية مخاطر عسكرية بتحويلها إلى أغراض حربية على خلاف الطاقة الذرية, ثم ان منطقة جنوب حوض البحر الأبيض وشبه الجزيرة العربية وهي منطقة مؤهلة لالتقاط الطاقة الشمسية وحسب خبراء مصريين تابعين لوزارة الكهرباء فان ثلاثة صفوف من مرايا مقعرة تمتد من رفح بسيناء الى الدار البيضاء بالمغرب يمكنها ان تلتقط اربع مرات بحجم الطاقة الكهربائية المستعملة في اوروبا, ويمكن لهذه الطاقة اذن ان تستعمل في تحلية المياه. وقد اثار الخبراء اسئلة ــ واضعين نصب أعينهم ندرة المياه ــ تتمحور حول: هل ينبغي للانسان ان يتكيف مع ظروف ملزمة لندرة الماء اما ان الماء ينبغي ان يستجيب لحاجات الانسان المتزايدة بفضل التنمية وبسبب النمو الديموغرافي. وقد مال المؤتمرون الى الخيار الاول القاضي بضرورة تكييف الانسان مع معطى ندرة المياه باستعمال فعال للموارد المائية المتوفرة مثل اعادة الاستعمال والحد من التبذير بل وضع رسوم لاستعمال الماء, مما يطرح اسئلة ذات طبيعة فلسفية ترتبط بالمفهوم السائد للماء ومن انه هبة سماوية الى اسئلة اجتماعية اقتصادية: هل سيتحول الماء الى سلعة خاضعة لمنطق السوق وقانون العرض والطلب؟ وفي هذه الحالة فان المتضررين سيكونون من الشرائح الفقيرة على مستوى الافراد ومنطقة الجنوب على مستوى الدول, وقد حاول المؤتمر الاجابة على هذه التساؤلات باعتبار الماء كسلعة لا ككل السلع لا يمكنها ان تخضع لقانون العرض والطلب مما اجمله الوزير الاول الفرنسي ليونيل جوسبان في كلمته قائلا للمؤتمرين في اعقاب المؤتمر: (لقد تخليتم عن اعتقاد سائد قديم يعتبر الماء هبة من السماء ولذلك لا يمكنه الا ان يكون مجانيا, لكن هذه المقاربة الاقتصادية لا ينبغي ان تختلط ومقاربة تجاربه, فليس الماء ككل السلع فلا يمكن ان يدخل في منطق صرف للسوق ولا يمكن ان يضبط بمعايير العرض والطلب) . 2 ــ اما الجانب الثاني الذي يطرحه التحكم في الماء وبخاصة في الشرق الاوسط هو تصور جديد للعلاقات الدولية وجغرافية سياسية جديدة للمنطقة, فعوض ان يكون الماء بؤرة للتوتر يصبح عاملا للسلم, وقد اخفق مشروع سابق لترويض الماء واستعماله كعامل للسلام وذلك الذي كان يقوم على تحويل مياه سيحان وجيحان في تركيا عبر (انبوب السلام) مثلما سمي الى مكة وجدة والامارات مقابل تحويل البترول الى تركيا, ولذلك ينبغي تصور جديد للعلاقات الدولية فلا يمكن والحالة هذه تطبيق سيادة كاملة على مجاري المياه التي تمر عبر دول عديدة كما تطبق على اليابسة ومن ثم فعوض تطبيق مفهوم تقليدي للسيادة على مجاري المياه ينبغي تطبيق مفهوم جديد يقوم على التضامن كمجاري النيل والفرات ونهر الاردن, وبالاضافة الى ذلك ينبغي ان يظل الماء بمعزل عن النزاعات السياسية كما حاولت اسرائيل في مسعاها الى التأثير على الدول الافريقية التي يعبر فيها النيل للانتقام من مصر على موقفها حول تجديد معاهدة حظر انتشار التجارب النووية ومطالبتها تطبيقها على اسرائيل. 3 ــ ان عامل الماء وترويضه للصحراء يحل بديلا لمشروعين اعتورا الشرق الاوسط, المحادثات المتعددة الاطراف المنبثقة عن مؤتمر مدريد, وثانيا مشروع شمعون بيريز لسوق شرق اوسطية والذي يقوم على التكنولوجيا الاسرائيلية ورأس المال الخليجي و السوق العربية, ان الماء هنا بترويضه للصحراء وبتغلبه على التحدي الديموغرافي سيكون مقاربة كمية تعوض المقاربة النوعية لاسرائيل. ومن شأن المقاربة المائية ان صح التعبير ان تخلق نوعا من التوازن مع اسرائيل, وتتم هذه المقارنة بدون اسرائيل بمساعدة دول يكون تأثير اللوبي الاسرائيلي فيها محدودا, مثل اليابان التي تخضع للبترول العربي, او الصين التي هي معرضة لنقص الماء او السوق الاوروبية التي من مصلحتها نمو المغرب و المشرق. ان الاختلاف بين مقاربة شمعون بيريز هي انها اقتصادية بحتة تغني الاغنياء وتفقر الفقراء على خلاف المقاربة المائية التي تعتمد على التكنولوجيا التي تخدم الجميع. الكاتب:حسن أوريد: باحث مغربي