في المأثور السوداني يكون الرجل(شيخ عرب)عندما يتميز بين قومه بالحكمة والرأي السديد, بالشجاعة والكرم برحابة الصدر وسعة الأفق, يحمل هموم أهله الأبعدين قبل الأقربين, بالمقدرة على جمع الشمل, واصلاح ذات البين بين المتخاصمين. تصف الشاعرة الشعبية السودانية (شيخ العرب) رجزا فتقول عنه إنه: حمال الأسية كفال اليتامى الايده ما بتعرف الشوية وان يكون الرجل شيخ عرب بين قومه فليس ذلك منصبا رسميا يعين له أو يندب له شخصا ما, ليصبح شيخ عرب.. انها صفات وقيم ومثل يفطر عليها من حباه الله بها, وتنمو وتكبر معه, تزيدها التجربة والخبرة والمعرفة تألقا ولمعانا, وتنتشر مآثره بين الناس فيتوجهون إليه يطلبون عنده الرأي السديد والحكمة كلما ألمت بهم ملمة من ملمات الحياة عندما يحترب الأهل ويتقاتلون, فشيخ العرب هو الذي يتقدم ليضع حداً للاقتتال الأهلي بحكمته وحنكته ومكانته عند الطرفين المتقاتلين, هو الذي يكفل اليتامى من أبنائهم وبناتهم, هو الذي يدفع الدية عنهم, وهو الذي يستعيد للقبيلة وحدتها ويحفظ دماء أبنائها.. في ظروف المجاعات والكوارث الطبيعية التي تلم بالأهل الأبعدين والأقربين, هو الذي يفتح المطامير (جمع مطمورة), وهي صومعة يحفر لها في الأرض وتحفظ فيها الغلال للجميع ويرد عنهم ضائقة الجوع والمجاعة, وهو الذي عند اقتضاء الأمر ينصف المظلوم من الظالم, ويحمي الضعيف من استبداد القوي ويقيم ميزان العدل بين قومه وعلى قومه دون ان تكون له سلطات قضائية, بالعرف والقانون الأهلي وبالمأثور بين الناس المستمد من قيمهم الروحية وسيرتهم التاريخية. وفي المأثور السوداني صفحات وصحائف لسيرة رجال من شيوخ العرب كانوا هم الأوتاد التي حفظت للمجتمع السوداني تماسكه وأرست أسس التكافل الاجتماعي وقيم الخير والعدل والحق بين الناس, حفلت صحائفهم بالمآثر الجليلة العظيمة, وتجسدت فيهم قيم السمو الانساني, فأحبهم الناس وقدموهم وسيدوهم بارادتهم ورضاهم, وتغنوا بمآثرهم وروتها أشعارهم الشعبية , وحفلت بقصصهم الحياة الأدبية الشعبية في السودان, وظلت الروايات والحكايات تروى وتحكى عنهم, يتناقلها جيل عن جيل, وعندما يتذكر الناس الأيام الجميلة في حياتهم يذكرونهم, وعندما تدهم حياتهم الأيام الحالكة السواد والبؤس, الأيام التي يموت فيها الجار جوعا وهماً وفقرا ومرضا فلا يشعر بموته حتى جاره الأقرب, يتذكر أهلنا كبار السن, شيوخ عرب كانوا لا ينامون وفي الفريق جائع أو مظلوم!! كل هذه المعاني الرائعة تتداعى إلى الذهن, كلما رأيت صورة لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان, أو ألممت بطرف من سيرته, أو تابعت صحفيا خبراً من أخباره, وتحركا من تحركاته على مستوى الوطن العربي الكبير, أو علاقاته بالسودان والسودانيين.. السودان كبلد ووطن والسودانيون كشعب تربطه بهم روابط الأخوة العربية والاسلامية والانسانية.. ففي زماننا هذا الذي نفتقد فيه كل صباح ومساء (شيوخ العرب) الذين حملوا عن شعوبهم آلامها وأحزانها ومآسيها الجسيمة تبرز صورة الشيخ زايد بن سلطان نموذجا متجددا لرجال حملوا قيما عالية, وحملوا وفاءً نادراً وإحساسا عظيما بالمسؤولية القومية التي تتجاوز حدود الأوطان الصغيرة لتتسع للوطن العربي كله وللشعب العربي كله. فنحن في هذا الزمان العصيب الذي تحاصرنا فيه الدسائس والمؤامرات من كل جانب, أشد ما نكون حاجة إلى تضامن أمتنا, وتوحيد كلمتنا لأننا دون ذلك معرضون ليس للهزيمة المستمرة وإنما لافناء منظم لأمتنا, في الزمن البالغ السوء يبرز صوت الشيخ زايد بن سلطان داعيا قويا لتضامن العرب وتوحيد كلمتهم, داعيا لنتجاوز المنازعات والخلافات (الأسرية) التي لا تساوي شيئا أمام الأخطار التي تهدد الوطن والأمة, فيكتسب بذلك عن حق وبحق أنه (شيخ العرب) الذي يعرف مسؤوليته التي يفرضها عليه الواجب القومي, الكبير الذي يدعو الآخرين ويضرب لهم المثل في التسامح والارتفاع عن الصغائر ومواجهة المشاكل والقضايا الكبرى. فما تعرض شطر في الوطن إلى محنة أو كارثة إلا وكان هو المقدام الذي يتقدم ليس ليؤدي واجب التضامن والتكافل القومي وإنما ليحث أيضا الآخرين ويدفعهم ببساطة متناهية ودون ضجة أو ضوضاء, يؤدي واجبه ولا يمن على الآخرين.. وان تاريخ سيرته منذ ان تحمل مسؤولية الحكم في دولة الامارات ومواقفه تجاه قضايانا القومية تجسد أروع دليل لمعنى التضامن العربي, وهي سيرة لا تحتاج لاعلان أو اعلام فهي سيرة مقرونة بالعمل والعمل الصادق المتوجه دائما إلى الله وإلى خدمة الأمة ورعاية مصالحها وتحقيق وحدتها ومكانتها في حركة التاريخ المعاصر الحافل بالصعاب والمتاعب, فاخلاصه لفكرة التضامن العربي وسعيه إلى تحقيق المصالحة والتسامح العربي, سبيلاً إلى التوحد في وجه الأخطار المحيطة بنا ينبع من أحساس حقيقي بأن الوطن واحد وان الشعب واحد, وان ما يجرى اليوم على بعضنا سيصيبنا جميعا إن آجلاً أو عاجلاً .. ذلك على المستوى القومي.. وعلى مستوى علاقاته ونظرته الواعية للسودان وما يعنيه السودان حاضرا ومستقبلاً للأمة والوطن فإن سجله التاريخي يحفل ويفيض بمآثر لم تنشر لأنه دائما لا يريدها ان تنتشر, ولأنه يؤدي واجبا يشعر به ولا يريد ان يمن به على أحد.. لا أقول وأسجل ذلك بالنسبة لظروفنا وأوضاعنا المأساوية الحاضرة, ولكن ذلك كان موقفه تجاه السودان وعلى مختلف المراحل التاريخية التي مرت بها علاقات السودان بالشقيقة دولة الامارات العربية المتحدة. فليس سرا أنه وبصرف النظر عن سلوك الآخرين وتصرفاتهم. ظل يشعر شعورا عميقا بأن ما يتعرض له السودان وشعبه من مآس فظيعة, ومن أخطار محيطة تهدد بأن لا يكون السودان هو السودان, هو شأن وأمر قومي ويجب ان تشعر به الأمة كلها ويجب ان يتقدم العرب جميعهم ليقولوا للسودانيين نحن معكم ونعرف أن ما يصيبكم هو مصابنا جميعا. ولا أذيع سرا أيضا إذ أسجل أنه في سبيل هذا الواجب القومي الكبير بذل جهدا كبيرا, داعيا الجميع أن يضعوا السودان ومستقبل السودان وشعب السودان هو الهدف الذي من أجله يقوم العرب بواجبهم القومي مهما كان موقف ورأي الآخرين, وهو في ذلك لا يرغب في شيء ولا يريد ان يحقق هدفا له أو لدولة الامارات العربية المتحدة, بقدر ما يشعر ان ذلك واجبا وان ذلك حقا يجب ان يؤدى. وليس ذلك بأمر غريب أو جديد على (شيخ العرب) الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان, فأوراق وسجلات حكوماتنا السودانية تحفل بمواقف كان فيها السودان على مختلف العهود والنظم الحاكمة يحتاج إلى الدعم العربي والمساندة العربية في ظروف وأوقات مصيرية, وكان هو الذي يتقدم الصفوف وهو الذي يفرج (الضائقة) دون ان ينتظر من الآخرين ثناء ولا شكراً, ودون ان يقدم للسودان فواتير مؤجلة الدفع.. تلك حقيقة ثابتة ضمن حقائق كثيرة ومواقف عربية قومية شامخة لشيخ العرب تجاه السودان, ما رغب يوما في اذاعتها ونشرها على الناس. وشيخ العرب في كل ذلك لا يتحرك من فراغ, انه يعرف بحكمته وبعد نظره وسعة أفقه ان التضامن العربي مع شعب السودان هو السياج المنيع الذي يدفع عنه أخطار لن يقتصر ضررها على السودان وأهله وإنما سيصيب الأمة والوطن الكبير كله. ولأنه هكذا, ولأنه تحمل مسؤولية وحملاً ثقيلاً فإن مكانته في قلوب العرب البسطاء في مشارق الوطن ومغاربه, كانت وستظل بدون جهد يبذله أو يسعى إليه, صورة ذلك العربي الذي تتجسد فيه فضائل الأمة وصفات أبنائها الأبرار الأوفياء الذين حملوا وتحملوا في مختلف حقب التاريخ العربي هموم أمتهم ودافعوا عن قيمها ومثلها ومنحوها ما يملكون ــ أغلى ما يملكون ــ الوفاء والاخلاص والعمل الجاد لاستعادة كرامتها وامجادها وتحقيق ذاتها وكينونتها التاريخية الخالدة.. وستظل تلك هي المأثر الباقية التي سيحفظها التاريخ لرجل من العرب هو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان. * صحفي وكاتب سوداني