تاريخ دولة الامارات العربية المتحدة يرتبط منذ نشأتها في الثاني من ديسمبر سنة1971باسم صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان هو الذي شد ضلوع السفينة, ونشر قلوعها وامسك بدفتها ليقودها وسط بحر الصراعات العالمية المتلاطم الامواج حتى أرساها كما نراها اليوم على بر الامان والتقدم بغير حدود وبفضل حكمة زايد وبعد نظره وحس تقديره, اثبتت تجربة اتحاد الامارات السبع انها انجح التجارب الوحدوية بالعالم العربي في العصر الحديث بل لا نغالي اذا قلنا عن يقين إنها التجربة العربية الوحيدة الناجحة من اجل الوحدة. ولم يكن غريبا ان يمتد هذا النجاح الى مجلس التعاون الخليجي العربي الذي اكد وجوده وصموده واستمراره بينما لم تلق تجارب مماثلة في المشرق والمغرب العربي نفس التوفيق. ذلك ان نفس العقلية التي ساهمت بالجهد الاكبر في ارساء اسس اتحاد الامارات, هي التي عكست نورها على الصيغة الحية لمجلس التعاون الخليجي.. صيغة تستمد جذورها من اعمق تقاليد الامة العربية وتؤكد استمرارها بالنظر الواعي الى العوامل المشتركة والعلاقات الجدلية المتطورة بين المصالح القطرية والقومية, والعمل بحزم من أجل ان تكون هذه العلاقات قائمة على اساس التكامل وليس على اساس التباين والتضارب, وانها تنمو وتتطور في دوائر متوازية متصلة النمو وليس في خطوط متقاطعة منفصلة الاداء. ان هذا الفهم الصحيح للانتماء القومي هو الذي يجعلنا الان نشهد في العديد من العواصم والمدن والاقاليم العربية احياء كاملة تحمل اسم زايد, عرفانا من اهلها بأياديه البيضاء وماقدم من اجلها من جهد وقال في ساعة العسر مثلما في ساعة اليسر, دون اعلان او من أو دعاية. وحتى لا تكاد يسراه تعلم بما تقدم يمناه. وقد يكون آخر مآثرة بجمهورية مصر العربية في هذا السبيل تكفله بنفقات قناة زايد في مشروع توشكى بجنوب مصر.. وهو المشروع الذي يعني بالنسبة للمصريين انشاء واد جديد مواز لوادي النيل تتحول فيه الصحراء القاحلة الى جنة خضراء. وقد لا نكون مغالين اذا قلنا ان هذا الولع الشديد بتحويل الصحراء الجرداء الى خضرة يانعة يمثل جانبا مهما في فكر زايد وشخصيته, وهو الذي يتمثل الان, في تلك المساحات المشجرة الممتدة في جميع ارجاء الامارات في اماكن لم تعرف من قبل الا بوحشة البيد وبكائيات الشعراء على الدمن والاطلال. ان هذه النظرة (الخضراء) الى الارض اما هي في الواقع انعكاس لنظرة زايد الى المواطن الاماراتي, والانسان العربي عموما وهي النظرة التي يعبر عنها تأكيده في كل مناسبة على أن كل عمل الدولة وجهودها انما تستهدف في المقام الاول ترقية مستوى المواطن وتوفير اسباب رفاهيته ماديا وثقافيا وصحيا وعلميا على حد سواء, ولكي يكون هذا الرقي عملية متصلة النمو لا تقف عند حد. ولم يكن هذا مجرد كلمات تلقى في المناسبات. تأكل كيف اصبحت الامارات اليوم مركز جذب للكفاءات الاكاديمية في مختلف المجالات.. وللصناعات والاسواق والاستثمارات على الصعيد العالمي, وكيف ان متوسط الدخل للفرد الواحد يصل اليوم الى نحو 16 الف دولار في السنة, بينما يقل في معظم بلدان العالم الثالث عن 300 دولار, وهو رقم يضع دولة الامارات في المقدمة سابقة على الدول الصناعية الكبرى ويضفي على الامارات وزنا اكبر كثيرا من حجمها الجغرافي او السكاني على الصعيد العالمي. ولعلنا نستطيع ان نستوعب بشكل افضل تقرير هذه الارقام لو وضعنا في حسابنا ان هذا المتوسط يشمل جميع المقيمين داخل حدود الامارات السبع بصرف النظر عن طبيعة اقامتهم وما اذا كانت مؤقتة لجنسيات واردة من الخارج او دائمة تحمل جنسية الامارات. وبفضل توجيهات زايد, وتعبيرا عن اهتماماته, يجري العمل بسرعة وبكفاءة تستحق التقدير من اجل تنويع مصادر الانتاج مع اعطاء عناية خاصة للتوسع في مساحة الاراضي المزروعة التي تضاعفت عشرات المرات خلال السنوات العشر الماضية, حتى اصبح انتاج الامارات من الفاكهة, والخضروات يشكل منافسة قوية من حيث النوع والكم على حد سواء للمنتجات الواردة من الخارج وحتى اصبحت منتجاتها الصناعية (ماركة) معترفا بها في الاسواق العالمية الكبرى. فاذا كان هذه الانجازات تضع زايد بن سلطان في مقدمة قائمة الشخصيات التاريخية ذات الدور الحاسم في اقامة دولها وتطوير مكانتها على مستوى العالم, فانها لا تقل اثرا وتأثيرا عن دوره على الصعيد العربي. وهو دور كشف عن ملامحه القومية الاصيلة بعد اقل من عامين على قيام دولة الامارات واستلامه لدفة قيادتها حسب الأصول رغم كل المحاذير اثناء حرب اكتوبر المجيدة داعيا الى التضامن العربي مع مصر وسوريا وافغانستان. ان البترول العربي مهما كان قدره في اقتصاد دول الخليج لن يكون ابدا أغلى من الدم العربي المسفوك في ميادين القتال دفاعا عن الارض العربية والشرف العربي, ودعا الى اسهام نفط الخليج في المعركة ضد العدو الصهيوني ومن اجل اضعاف حماس مؤيديه في الولايات المتحدة الامريكية وسائر دول الغرب التي كانت حتى تلك اللحظة لا يخطر ببال قادتها وصناع القرار بها ان القادة العرب يمكن ان يخرجوا عن الادوار المرسومة لهم في اطار علاقاتهم مع الدول المستوردة لنفطهم. ولم تؤد الاستجابة لدعوة زايد فقط الى ميل ميزان القوة في الشرق الاوسط لاول مرة منذ غرس اسرائيل في قلب الوطن العربي الى جانب العرب, وتغير مزاج الغرب ولو في الظاهر على الاقل من مساندة العدو الصهيوني بالكامل الى نوع من عدم الانحياز الذي اهل امريكا للقيام بدور الوسيط من اجل حل سلمي شامل وكامل للازمة المتفجرة في هذا المكان من العالم. وانما كان هذا مقدمة لبروز منظمة الدول المصدرة للبترول (اوبك) باعتبارها العامل الحاسم في تحديد اسعاره.. وهو ما ادى بالتالي الى قفزة هائلة استعاد بها عرب الخليج حقوقهم المسلوبة في نفطهم الغالي من سنوات طويلة. غير ان هذا كله حديث آخر.. واذا كانت منظمة اوبك قد فقدت امساكها بزمام المبادرة بعد ذلك بسنوات فقد يذكر للشيخ زايد انه حذر من ذلك في حينه. ولعل منظمة الاوبك قد تفهمت الان صدق تحذيره وعادت تأخذ بنظريته في ان خفض الانتاج هو السبيل الوحيد الصحيح الذي يمكن ان يعيد التوازن الى الاسعار. وقد نستطيع ان ندرك ابعاد مفهوم التضامن العربي عند الشيخ زايد بن سلطان عندما نستعيد لذاكرتنا موقفه من العدوان العراقي ضد الكويت في اوائل اغسطس 1990. فقد كان في مقدمة الذين نددوا بالعدوان وشجبوه بلا تردد من اللحظة الاولى ولم يكتف زايد بالتنديد والاستنكار, بل دعا كل العرب, وكل العالم الحر, الى التصدي بحزم للمعتدي واجباره على الانسحاب من الوطن الشقيق.. ووضع جميع امكانيات الامارات وقدراتها من اجل هدف واحد لا بديل له, هو تحرير الكويت وصد العدوان العراقي. غير ان هذا الموقف الحاسم الذي كان له بالفعل اثره في تحرير البلد المعتدى عليه, وارتداد القوات المسلحة العراقية الى داخل حدودها لم يؤثر ابدا في الحس القومي الصادق لدى الشيخ زايد وفي اعتزازه وتعاطفه مع الشعب العراقي, وحق العراقيين في الاحتفاظ بوحدة وطنهم وسلامه أراضية. فهناك فرق ــ لدى زايد ـ بين النظام المعتدي القائم حاليا في بغداد, والذي لايزال قائما رغم هزيمته الشنيعة في الكويت, وبين الشعب العراقي الذي يعاني الامرين من جبروت النظام الديكتاتوري من ناحية, والعقوبات الاقتصادية المفروضة عليه من ناحية اخرى.و التي يدفع ثمنها من حياة اطفاله المحرومين من الادوية والغذاء المناسب بينما نجوم النظام لا يتكلفون اي عناء من تلك العقوبات. ولذلك فقد ارتفع صوت زايد عاليا من اجل انقاذ اطفال العراق, وضد اية محاولات مشبوهة لتمزيق الوطن العراقي, ايمانا منه بان النظام زائل مهما طال به الوقت ولكن الذي سيبقى ويجب ان يبقى هو العراق الشقيق ليكون سندا ومددا للوطن العربي كله. ثم يتجلى هذا الانتماء الواعي لمصلحة الوطن العربي. اثناء الازمة الاخيرة التي اشعلتها الولايات المتحدة مع العراق, حتى اخذت تحشد الحشود والاساطيل وحاملات الطائرات واعضاء مجلس الشيوخ المصابين بداء الصهيونية تمهيدا لسلسلة من الغارات الجوية المكثفة ضد المدن والقرى العراقية. واذا كانت هذه التعبئة الهائلة قد تراجعت عن قصف العراق, فان هذا يرجع بلاشك في جزء كبير منه الى وقفه الشيخ زايد الصامدة ضد اي عمل من هذا النوع, وتجاوب العالم العربي كله, او معظمه على الاقل مع مفهومه الواعي لاهمية عدم المساس بالشعب العراقي والان, وفي مواجهة الاخطار العملية التي تحيط بعملية السلام وتتهدد ما بقي من مدينة القدس العربية المحتلة نتيجة لسياسة رئىس الوزراء الاسرائيلي العنصري المعتوه بنيامين نتانياهو يجدد الشيخ زايد دعوته الى عقد قمة عربية طارئة ليجتمع بها شمل العرب في مواجهة العدوان المستمر على أرض العرب وكرامتهم, ومقدساتهم. وواضح انها دعوة تتفق تماما مع حسه القومي, الذي لا ييأس ابدا من حتميه انعكاسه على كل من بيده الامر العربي. ومع الذين ينادون بالتريث في عقد القمة حتى يمكن توفير الحد الادنى من (التفاهم) بين مختلف القيادات العربية يقول زايد بل اولى بنا ان نلتقي لكي نرسي اسس هذا التفاهم والا سنظل مختلفين الى الابد. عندما يستفتى اهل العلم عن اهم صفة يتصف بها زايد والتي يمكن ان تكون المفتاح السليم لشخصيته وسياسته فان الجواب هو الحكمة. ونستطيع ان نلمس بعض ابعاد هذه الحكمة في موقف صاحب السمو الشيخ زايد من مسألة الجزر الثلاث التي وضعت ايران يدها عليها منذ ايام الشاه. ففي الوقت الذي يتمسك فيه زايد ومعه كل شعب الامارات بالحق المشروع في جزر الخليج الثلاث, أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى, ويعتبر ذلك قضية منتهية غير قابلة للمساومة فانه مصمم على ان يكون الحل السلمي وحده هو السبيل لحل هذه المشكلة واثقا في نفس في الوقت على ان يمد حبال الصبر بغير حدود دون ان يسمح بتدهور اكبر في العلاقات مع الدولة الاسلامية عبر الخليج. وبمثل هذه المواقف استحق زايد بن سلطان آل نهيان اللقب الذي يصفه به المفكرون والكتاب من رواد العقل العربي في العصر الحديث الا وهو انه حكيم العرب.