عندما بدا الخمير الحمر في كمبوديا على استعداد العام الماضي لتسليم زعيمهم السابق(بول بوت)لم يكن أحد جاهزا لمحاكمته عن جرائم قتل نحو مليوني كمبودي اثناء فترة الرعب التي سادت منتصف السبعينات. وفي وسط الاستعدادات توفي الرجل المسؤول عن اكبر مذبحة في هذا القرن(ابريل)الماضي في ظروف طبيعية , على الاقل كما بدا ظاهريا. الآن وبعد مضي أكثر من عشرين عاما على الاعدامات الجماعية في كمبوديا وبعد نحو خمسين عاما على محاكمات الحرب العالمية الثانية في نورمبورج وطوكيو, قرر المجتمع الدولي ان ينشيء محكمة دائمة لجرائم الحرب كي لا ينفد أمثال (بول بوت) و(ادولف هتلر) بجلدهم من دون عقاب. وقد التقى مندوبو مئة وستين دولة في روما على مدى خمسة اسابيع ووافقوا في السابع عشر من الشهر الماضي على انشاء محكمة جزاء دولية في لاهاي لمحاكمة اولئك المتهمين بارتكاب جرائم الحرب ومذابح وجرائم في حق الانسانية. ويقدر ان نحو اربعة عشر مليون مدني قتلوا منذ العام 1945 في نحو مئتين وخمسين نزاعا وأكثرهم في دول نامية, وفي الوقت الذي لن يكون فيه للمحكمة التي هي قيد الانشاء صلاحية الاحكام بمفعول رجعي فانها ستقوم بمحاسبة أمثال (بابي دوك دوفالييه) في هاييتي ومسببي جرائم الحرب في بوروندي والكونغو وصدام حسين الذي يعقتد انه مسؤول, من ضمن الجرائم التي ارتكبها, عن ابادة نحو مئة الف كردي. وقد صدرت اولى الدعوات الى انشاء محكمة دولية لجرائم الحرب في فترة الاعمال الوحشية التي سادت الحرب الفرنسية البروسية في العام 1870. وتكررت تلك الدعوات بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. لكن الحرب الباردة جمدت مواصلة النقاش في الموضوع الى ان حصلت المآسي والمجازر في كل من البوسنة ورواندا فاشتعل فتيل الجدل على الحاجة الى مثل هذه المحكمة الدائمة. وفيما تم انشاء محكمة دولية في لاهاي عملت على فض النزاعات المدنية على مدى خمسين عاما فان اي محكمة جزاء دولية لم تبصر النور طيلة تلك المدة. لكن في العامين 1993 و1994 انشئت محكمتان موقتتان لمحاكمة المشتبه في علاقتهم بجرائم الحرب في كل من يوغوسلافيا ورواندا, لكن مرتكبي عدد كبير من جرائم حرب في أماكن اخرى من العالم لم يستدعوا قط الى المحاسبة امام القضاء. وعلى رغم التقدير للفكرة البديهية القاضية بانشاء محكمة دائمة لجرائم الحرب, فان تكوينها لم يخل من مشاكل معقدة, وسادت حتى المراحل الاخيرة شكوك في امكان ان يحظى المشروع بالدعم الواسع والكافي كي يبصر النور. ومؤتمر روما كان السابع من نوعه واللقاء الأكثر أهمية في العامين الأخيرين الذي دعا الى طرق المواضيع الاكثر اثارة للجدل بما فيها التشريع والعقوبات والتمويل, وكان الهم الكبير ايجاد جامع مشترك بين مختلف التقاليد الثقافية والقانونية, لكن الحمل الاثقل كان سياسيا, خصوصا ان الدول جاهدت لحماية مصالحها وسط مخاوف من فقدان سيادتها. وقد حضر المؤتمر العملاق مسؤولون كبار في حكومات الدول المشاركة, اضافة الى عدد من بيروقراطي الامم المتحدة وجيش من الناشطين في مجال حقوق الانسان والقانونيين الدوليين واشخاص عاشوا مآسي الحروب وشاهدوا مجازرها بأعينهم كالاطباء في منظمة الاغاثة الطبية التي تعمل على الخطوط الامامية (اطباء بلا حدود) . وفي الاسبوع الاخير تحادث اعضاء الوفود حتى ساعة متأخرة من الليل في جو من المماحكات والمساومات على المواضيع الرئيسية كدور مجلس الامن واستقلالية الادعاء وتحديد نوع الجرائم التي ستشملها صلاحية المحكمة. وشنت نساء ضالعات في الدفاع عن حقوق المرأة حملة لتحديد واضح لجرائم الجنس خلال الحروب واثرن موضوع الاغتصاب الجماعي للنساء المسلمات في البوسنة ووضع (فتيات اللذة) في آسيا خلال الحرب العالمية الثانية. وما شجع الى حد ما, على انشاء محكمة دائمة لجرائم الحرب, نجاح فكرة قيام محكمتين مؤقتتين للنظر في الجرائم التي ارتكبت في حق الانسانية في كل من يوغوسلافيا السابقة ورواندا ولكن قد يكون الدافع ايضا هو تحقق المجتمع الدولي من العيوب التي انطوت عليها ممارسة المحكمتين. والى جانب التكاليف الباهظة التي تتطلبها المحاكمات والوقت المستهلك فإن المحاكم الخاصة لم تقم بالكثير لثني مجرمي الحرب عن ارتكاب الاعمال الوحشية في المقام الاول, وهذا هو احد الاسباب الذي حدا بمؤيدي انشاء محكمة دائمة الى المطالبة بإيجادها. احدى النقاط المهمة التي استأثرت بالجدل هي اذا ما انضمت دول الى المعاهدة, فهل يعني ذلك ان عليها ان تتقبل اوتوماتيكيا احكامها, ورأت الولايات المتحدة وفرنسا تحديدا ان تهما سياسية او طائشة يمكن ان توجه الى مواطنيهما وفي النهاية حقق المناوئون لقيام محكمة مستقلة نصرا جزئيا عندما تم الاتفاق على انه في السنوات السبع الاولى يمكن للدول الاعضاء ان تحتج على القوانين التي تصدرها المحكمة في كل شيء ما عدا الجرائم التي ترتكب في حق الانسانية. وكان هناك ايضا جدل لاينتهي على ما سمي ديناميكية الصاعق او الطريقة التي يجب ان تحال بموجبها القضايا الى المحكمة وفي النهاية خسرت كل من الولايات المتحدة والصين وفرنسا وروسيا معركتها في منع عبارات تحظر الرجوع إلى الدول الخمس ذات العضوية الدائمة في مجلس الأمن على رغم انه سيكون للمجلس الصلاحية في بدء الادعاء أو في وقف المقاضاة لاثني عشر شهرا. وستتولى المحكمة محاكمة أفراد بدلا من حكومات وستلاحق الديكتاتوريين والسياسيين أو الجنود الذين يرتكبون أو يحضون على ارتكاب جرائم القتل, لكن فقط في حال كانت دولة المتهم غير راغبة أو غير قادرة على محاكمته. وهذا المبدأ تم تبنيه على الفور بندا أساسيا لانه يحفظ السيادة الوطنية للدول الأعضاء. وسيكون للمحكمة التي سينضم إليها ثمانية عشر قاضيا ورجل قانون من دول مختلفة, سلطة منح تعويضات للضحايا من صندوق ائتمان تموله الدول الأعضاء. وستؤمن الحماية للشهود. وسيكون مصدر تمويلها من الأمم المتحدة والدول الأعضاء. ويقدر بعض المحللين أن تكون تكاليف المحكمة سنويا قرابة الثمانين مليون دولار. العقوبات التي كانت موضوع نقاشات حامية لن تتضمن الاعدام على رغم ان الدول العربية والكاريبية شددت على وجوب تطبيق العقوبة القصوى في حق المجرمين . وأقصى الأحكام التي ستصدرها المحكمة ستكون السجن المؤبد, ما يعني السجن ثلاثين عاما في أصعب الحالات. وسيكون من صلاحية المحكمة كذلك أن تفرض غرامات مالية. وسيمضي السجناء مدد أحكامهم في سجون أي دولة عضو تقدم تسهيلات شرط أن تكون سجونها مقبولة. وكأي معاهدة دولية فإن الشكل القانوني لانشاء محكمة دائمة لجرائم الحرب, يجب أن تصادق عليه كل حكومة على حدة. وستحتاج المعاهدة ستين توقيعا قبل أن تدخل حيز التنفيذ. ويتوقع معظم المراقبين أن يكون هذا الهدف سهلا ويرجحون أن تباشر المحكمة عملها في سنة2000على رغم الشكوك التي ما زالت تبديها الولايات المتحدة. ــ (خدمة ورلد نيوزلينك)